1 ما المقصود بالبيوتكنولوجيا؟

البيوتكنولوجيا هي العلم التطبيقي الذي يستخدم الكائنات العضوية الحية والعمليات والمنتجات البيولوجية لتطوير سلع وخدمات موجّهة للاستخدام البشري. وعلى الرغم من اختلاف التعريفات، فإن جميعها تُجمِع على أن جوهر هذا المجال يتمثل في تطبيق العلوم والتكنولوجيا على النظم البيولوجية من أجل ابتكار منتجات وخدمات جديدة. ويعرض هذا الفصل نبذة تاريخية ونظرة عامة على مجال البيوتكنولوجيا.

تُعدّ البيوتكنولوجيا علماً تطبيقياً يقوم على الاستخدام المقصود للكائنات العضوية الحية والعمليات والمنتجات البيولوجية لتطوير منتجات وعمليات موجّهة لخدمة الإنسان. ورغم عدم وجود تعريف متفق عليه دولياً لمصطلح "البيوتكنولوجيا" في الاتفاقات الدولية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية، فقد تم اعتماد تعريفات إقليمية ومتعددة الأطراف. فعلى سبيل المثال، تُعرِّف منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) البيوتكنولوجيا بأنها "تطبيق العلم والتكنولوجيا على الكائنات العضوية الحية، أو أجزائها، أو منتجاتها، أو نماذجها، بهدف تعديل المواد الحية أو غير الحية لإنتاج المعرفة أو السلع أو الخدمات." (1)منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، مسرد المصطلحات الإحصائية، https://stats.oecd.org/. وفي الاتحاد الأوروبي، تُعرِّف الوكالة الأوروبية للأدوية (EMA) البيوتكنولوجيا في السياق الدوائي بأنها "استخدام الكائنات العضوية الحية لإنشاء أو تعديل منتجات، بما في ذلك الأدوية". (2)الوكالة الأوروبية للأدوية (EMA)، البيوتكنولوجيا، https://www.ema.europa.eu/en/glossary/biotechnology. كما يشير المسرد الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) إلى المادة 2 من اتفاقية التنوع البيولوجي لعام (1992)، التي تُعرِّف البيوتكنولوجيا بأنها "أية تطبيقات تكنولوجية تستخدم النظم البيولوجية أو الكائنات الحية أو مشتقاتها، لصنع أو تغيير المنتجات أو العمليات من أجل استخدامات معينة". (3)الويبو، المسرد، https://www.wipo.int/tk/ar/resources/glossary.html. وباختصار، تُعدّ البيوتكنولوجيا مجالاً ابتكارياً بطبيعته لأنها تقوم على إخراج الكائنات أو العمليات أو البُنى أو المنتجات من سياقها "الطبيعي" المزعوم، ومن ثم تسخيرها في ظروف معينة لتعمل بمثابة أدوات لتحقيق نتائج مرغوبة.

تاريخ موجز عن البيوتكنولوجيا

تعود أولى التطبيقات البيوتكنولوجية إلى آلاف السنين. وتشير الأدلة الأثرية إلى أن البشر مارسوا شكلاً من أشكال البيوتكنولوجيا منذ أكثر من ستة آلاف عام، بدءاً من استخدام الخمائر في التخمير وصناعة الخبز، واستخدام الكائنات الحية الدقيقة والإنزيمات في تحويل الحليب إلى أطعمة متنوعة مثل الزبادي والجبن. وقد ابتكر الإنسان مئات، إن لم يكن آلاف، الطرق للإفادة من الكائنات العضوية الحية بأكملها مثل البكتيريا أو الخمائر، أو أجزاء أو أنسجة أو مستخلصات من الحيوانات أو النباتات أو الفطريات، لإنتاج منتجات وعمليات مفيدة مثل الأغذية، والألياف، والأصباغ، والسماد العضوي، والعلف المحفوظ، والأدوية. ومع التقدم العلمي الذي أتاح للباحثين دراسة العمليات الحيوية الطبيعية على المستوى الخلوي والجزيئي والوراثي، استُخدمت هذه المعارف لتطوير أدوات بيوتكنولوجية أكثر تعقيداً. ومنذ القرن التاسع عشر، تزايد اعتماد البيوتكنولوجيا الحديثة على علوم الأحياء الدقيقة، ومنذ منتصف القرن العشرين كذلك على الأساليب والنتائج المستخلصة من علوم الأحياء الجزيئية أو العلوم الوراثية أو الهندسة الوراثية. وقد أتاح ذلك تطوير عمليات إنتاج لمركبات كيميائية تُستخدم على اعتبارها مكوّنات فعّالة في المستحضرات الصيدلانية أو على اعتبارها مواد أساسية في الصناعات الكيميائية، وطرق التشخيص، والمستشعرات الحيوية، والأصناف النباتية الجديدة، وغير ذلك.

منتصف القرن العشرين

بحلول منتصف القرن العشرين، بدأ الباحثون في استخدام عملية طبيعية لتبادل الجينات عبر البلازميدات (وهي أجزاء صغيرة من الحمض النووي الريبي منزوع الأكسجين (DNA)، عادةً ما تكون دائرية الشكل، ويمكن أن تنتقل من كائن حي إلى آخر لتمنحه خصائص جديدة)، وذلك لإنشاء كائنات حية جديدة ذات صفات مرغوبة. وقد تبين لاحقاً أن الحمض النووي يحمل معلومات وراثية مشفّرة، وأن تعبير الجين (أي التعبير عن تلك المعلومات المشفرة) يؤدي إلى إنتاج مركّبٍ مثل البروتين، وأن جزيئات الحمض النووي الريبي (RNA) تقوم بدورٍ وسيطٍ في الترجمة وتنظيم التعبير الجيني، كما أُدرك أنه يمكن التلاعب عمداً بجزيئات الحمض النووي لتغيير المعلومات المشفّرة بداخلها. ويُعرف هذا بالعقيدة المركزية للبيوتكنولوجيا الجزيئية، وقد أدى توظيف مختلف العمليات الفرعية الطبيعية المرتبطة بها في التطبيقات التكنولوجية إلى زيادة هائلة في الابتكارات البيوتكنولوجية. وعليه فقد أدى ذلك بشكلٍ ملموس إلى تطوير مجموعة أدوات متسارعة التطور بشأن تكنولوجيا الحمض النووي المأشوب (المعروفة أيضاً باسم "الهندسة الوراثية")؛ إذ أصبح بالإمكان تجميع تسلسلات تشفيرية وتنظيمية عبر القطع الدقيق لتسلسلات محددة مسبقاً من الحمض النووي (غالباً باستخدام إنزيمات مشتقة من أنظمة دفاع بكتيرية) ثم وصل النهايات المقطوعة معاً (باستخدام إنزيمات تُستخدم عادةً في إصلاح تلف خلوي) لبناء تركيب وراثي جديد يسمح بتعبير جين في بيئة لا يظهر فيها طبيعياً؛ مثل تعبير جينٍ بشري من تركيب يزرع في بكتيريا، وهي العملية المعروفة باسم التعبير الجيني المتحوّل (transgenic expression) أو التعبير الجيني الغيري (heterologous gene expression).

السبعينيات

كان أحد أوائل المنتجات التجارية لتكنولوجيا الحمض النووي المأشوب في سبعينيات القرن العشرين هو الإنسولين المأشوب، الذي تم تصنيعه عن طريق وصل سلاسل تشفير الحمض النووي للإنسولين البشري بمادة جينية في بكتيريا، واستخدام الآلية الخلوية للبكتيريا في إنتاج سلاسل الإنسولين. وسرعان ما استُخدمت تقنيات الحمض النووي المأشوب بنجاح في إنتاج بروتينات علاجية أخرى، بما في ذلك العلاجات المعتمدة على الأجسام المضادة لعلاج الأورام واضطرابات الجهاز المناعي. كما استُخدمت هذه التقنيات في إنشاء نباتات وحيوانات معدلة تحمل الصفات المرغوبة. وعليه فقد أحدثت تقنيات الحمض النووي المأشوب ثورةً في الخيارات العلاجية من خلال تطوير أدوية مبتكرة جديدة، مثل المستحضرات الصيدلانية الحيوية والعلاجات المختلفة، وكذلك في مجال التشخيص من خلال توفير طرق ومنتجات للكشف عن التواقيع الجينية المحددة أو المؤشرات البيولوجية المرتبطة بأمراض معينة.

الثمانينيات وما بعدها

مهّدت الابتكارات التقنية التي أُحرزت في الثمانينيات الطريق لتطوير منتجات وعمليات وتكنولوجيات جديدة تهدف إلى مواجهة التحديات العالمية في مجالات الرعاية الصحية، والبيئة، وإمدادات الغذاء، وما زالت تتطور بشكل ديناميكي. مكنت تكنولوجيا تفاعل البوليميراز التسلسلي (PCR) من تحقيق تقدم كبير في التحليل الجيني، والتوليف الدقيق للحمض النووي، والتشخيصات. كما أتاحت تقنيات تنقيح الجينوم للباحثين إجراء تغييرات مباشرة على الحمض النووي للكائن الحي عن طريق إدخال أو حذف أو تغيير التسلسلات في موقع محدد بدقة. من المهم ملاحظة أن تنقيح الجينوم باستخدام تكنولوجيات مثل نوكلياز أصابع الزنك (ZFNs) أو نوكلياز مستجيب لمشابه منشط النسخ (TALENs)، أو أنظمة المتكررات المتكتلة بانتظام القصيرة التواتر (كرسبر كاس) التي طُورت مؤخراً في العقد الثاني من الألفية الثالثة، يختلف عن تقنيات الحمض النووي المأشوب السابقة، لأنه يُحدث تغييرات دقيقة في الحمض النووي الموجود بالفعل في الكائن الحي، لتحقيق الأثر المرغوب، ولا يتطلب بناء تراكيب حمض نووي مأشوب أو إدخالها في الخلية. لقد أدّت هذه الممارسة التكنولوجية الجديدة لتنقيح الجينوم بدقة في مواقع محددة دون استخدام تراكيب حمض نووي مأشوبة غالباً ما تكون مشمولة ببراءة، إلى ظهور ممارسات قانونية جديدة فيما يخص ملاحقة، واكتساب، وممارسة حقوق الملكية الفكرية للاختراعات الناتجة، مثل الممارسات الجديدة في الترخيص ونقل التكنولوجيا.

إلى جانب تقنيات تنقيح الجينوم الجديدة، شكّل تسلسل الجينوم تكنولوجيا تحويلية أخرى تعيد تشكيل مجال البيوتكنولوجيا. إذ إنّ تسلسل أجزاء من جينوم الكائن الحي أو جينومه الكامل يضع كمياتٍ هائلة ومتزايدة باستمرار من بيانات تسلسل الجينوم في خدمة الابتكار في مجال البيوتكنولوجيا. ومثلما هو الحال في تنقيح الجينوم، فقد أدى ظهور تقنيات تسلسل الجينوم عالية الإنتاجية إلى تغييرات كبيرة في ممارسات الملكية الفكرية في العديد من مجالات البيوتكنولوجيا، وبالتالي أعاد تشكيل ممارسات نقل التكنولوجيا.

علاوةً على ذلك، فإن هذه التطورات في التطبيقات البيوتكنولوجية القابلة للتنفيذ؛ مثل النباتات المُعدَّلة بواسطة تنقيح الجينوم بدلاً من النباتات المُعدَّلة وراثياً، قد أثارت أسئلةً جديدة عند نقاط التقاء الملكية الفكرية والأُطر التنظيمية ذات الصلة، وهي أسئلة قد تؤثر في نقل التكنولوجيا الخاصة بالاختراعات البيوتكنولوجية. ووفقاً للفهم الحالي، فإن التدخلات الحادثة في المادة الوراثية للكائنات الحية لا يمكن عكس تأثيرها، وقد لا تظهر العواقب غير المرغوب فيها إلا على المستوى الظاهري (الفينوتيبي) في الجيل التالي أو الذي يليه. لذلك، يجب التمييز بين العمليات البيوتكنولوجية التي تتداخل مع المادة الوراثية للكائن الحي وتلك التي لا تتداخل.

ومع أن مجموعة الأدوات المتطورة دوماً الخاصة بالابتكار البيوتكنولوجي تُضيف باستمرار تقنيات جديدة، فإنها تحتفظ أيضاً بالأدوات التقليدية مثل التخمير والاستيلاد الانتقائي التي استُخدمت منذ آلاف السنين. ويُلاحظ ذلك بوضوح في مجال استيلاد النباتات، حيث لا تزال تُستخدم تقنيات الاستيلاد الانتقائي التقليدية على الرغم من تزايد استخدام التقنيات الحديثة لاستيلاد النباتات. وقد أدى الانتشار الواسع لاستخدام منتجات وعمليات البيوتكنولوجيا إلى محاولات لتحديد "فئات" للبيوتكنولوجيا استناداً إلى مجال استخدامها والقضايا التنظيمية والإدراكية التي يُثيرها استخدامها في كل مجال.

الفئات الرئيسية

الفئات الأساسية هي:

  • البيوتكنولوجيا الطبية ("البيوتكنولوجيا الحمراء") تُعنى بتطوير الأدوية والعلاجات واللقاحات وطرق التشخيص والكشف؛ وتشمل هذه الأمور نطاقاً واسعاً من التطبيقات البيوتكنولوجية، بدءاً من الرقائق الحيوية المستخدمة في التشخيص الطبي والطب الشخصي، وصولاً إلى إنتاج الأدوية والعلاج الجيني، وغالبا ما يتضمن استخدام الكائنات الحية المُعدَّلة وراثياً.

  • البيوتكنولوجيا الزراعية ("البيوتكنولوجيا الخضراء") تُعنى بتحسين المحاصيل والماشية في مجالي الزراعة وإنتاج الغذاء، وتشمل تطوير محاصيل مقاومة للجفاف أو للآفات، أو إنتاج عوامل المكافحة الحيوية.

  • البيوتكنولوجيا الصناعية ("البيوتكنولوجيا البيضاء") تُعنى بالإنتاج الصناعي للمواد الكيميائية العضوية وكذلك المواد الفعّالة باستخدام إنزيمات أو خلايا أو كائنات دقيقة مُحسَّنة. وتستعين بخلايا حية أو إنزيمات معزولة صُممت خصيصاً لأغراض مثل التنظيف وإزالة الشحوم والإصلاح الحيوي وتحلل النفايات الحيوية، أو إنتاج منتجات مثل الوقود الحيوي والبوليمرات الحيوية (البلاستيك الحيوي)، أو خفض استهلاك الطاقة من خلال عملها كمحفزات حيوية.

أدّى التوسع في استخدام منتجات وعمليات البيوتكنولوجيا في مجالات جديدة لمعالجة مشكلات جديدة إلى ظهور طائفة عريضة من التصنيفات الإضافية. وتختلف أوصاف هذه التصنيفات بين قطاعات علوم الحياة، ولذلك تُستخدم رموز تصنيف وترميز لوني متعددة. ومع ذلك، يُوجز أحد التصنيفات المتاحة هذه الفئات على النحو الآتي: (4)كافارسكي، ب. (2012) Rainbow code of biotechnology. مجلة Chemik، المجلد 66، الصفحات 814–816 البيوتكنولوجيا الزرقاء: تُعنى بتطبيق الأساليب البيوتكنولوجية على الكائنات الحية البحرية أو على الكائنات المائية بوجهٍ عام؛ والبيوتكنولوجيا الصفراء: تُطبَّق لتحسين التغذية؛ والبيوتكنولوجيا الرمادية: تُطبّق للحفاظ على البيئة وإزالة الملوِّثات؛ والبيوتكنولوجيا البنيّة: تُطبَّق في المناطق الصحراوية وشبه القاحلة. وهناك أيضاً مجالات ذات صلة، مثل: المعلوماتية الحيوية (الذهبية)، وقوانين وتنظيمات وحقوق الملكية الفكرية في البيوتكنولوجيا (البنفسجية)، والإرهاب البيولوجي (البيوتكنولوجيا الداكنة).

يُعَدّ هذا النظام التصنيفي وسيلةً لتنظيم المعلومات المعقّدة فحسب. وتوجد بعض التداخلات بين أنظمة التصنيف المختلفة، إذ تستخدم معظمها الأدوات التقنية والتحليلية ذاتها. وبالمثل، فإن بعض المجالات الناشئة، مثل البيولوجيا التركيبية، يصعُب تصنيفها لأنها لا يمكن إسنادها بوضوح إلى أي من الفئات المذكورة. إذ تركز البيولوجيا التركيبية على هندسة الأنظمة الجزيئية الحيوية ذات القدرات الجديدة، وقد تكون هذه الأنظمة داخل خلية أو كائن حي يُنتج منتجاً جديداً أو يمتلك مساراً أيضياً مبتكراً، أو قد تكون خارج الخلية، مثل صفيف من الإنزيمات على سقالة تُكوِّن مساراً جديداً. ويمكن العثور على المنتجات الناجمة عن البيولوجيا التركيبية في معظم فئات البيوتكنولوجيا. وبما أن كل مجال من مجالات البيوتكنولوجيا يستند إلى مبادئ بيولوجية وتقنية رئيسية متشابهة (أو متطابقة)، فإن البحث في كل فئة منها يستخدم أدوات مثل تفاعل البوليميراز التسلسلي وفحص المكتبات الجينية وتنقيح الجينوم والطفرات العشوائية أو عرض العاثيات بحسب ما يتطلّبه كل مشروع محدَّد، مع إمكان تكييف بعض التقنيات لتناسب كائناً حياً أو استخداماً معيَّناً. ويُدعَم المجال بأكمله بما يُعرف بالتكنولوجيات القاعدية مثل الفحص عالي الإنتاجية والصفائف واسعة النطاق (Large-scale Arrays) والأتمتة (للتجارب، والتسلسل، والتعديل الجيني)، إضافةً إلى المنصات التحليلية التي تستفيد من البيانات العلمية القائمة مثل بيانات التحليل الجيني أو الكيمياء التوافقية، أو التي تعتمد على الحلول الحاسوبية مثل طيّ البروتينات ونماذج التنبؤ بالتركيب–الوظيفة أو مشروعات الجينوم العميقة.