9 أوجه التعاون عبر الحدود: التحديات والفرص

ازدادت أوجه التعاون الدولية في مجال البيوتكنولوجيا مع العولمة، ما مكّن الباحثين من الجمع بين الخبرة من مختلف الولايات القضائية بشأن المشكلات المعقدة متعددة التخصصات. يتناول هذا الفصل كيف تواجه هذه الشراكات تحديات كبيرة، بما في ذلك الاختلافات الثقافية في نُهُج التفاوض، وتنوع الأطر القانونية بين الولايات القضائية، وتضارب قوانين ملكية الملكية الفكرية، واختلاف قوانين ولوائح الخصوصية.

مجالات التعاون في البيوتكنولوجيا كثيرة بقدر مجالات البيوتكنولوجيا نفسها. منذ أن أدت التكنولوجيا إلى عولمة العالم، اكتسب التعاون الدولي في مجال البحوث زخماً. ومع تزايد تعقيد القضايا العالمية وتغيرها السريع في الوقت الحاضر، وجد الباحثون فائدة كبيرة في الخبرة الدولية متعددة التخصصات. يُمكِّن التعاون على الصعيد الدولي الباحثين من تبادل معارفهم ودمج وجهات نظرهم لحل المشكلات المعقدة التي تتسم بطبيعة متعددة التخصصات بشكل متزايد. ازدادت الحاجة إلى التعاون بشكل أكبر بسبب الجهود العالمية لمكافحة جائحة كوفيد-19.

في حين أن العولمة قد مكنت من زيادة التعاون عبر الحدود بشكل متزايد، إلا أن التحديات لا تزال قائمة. تعد إتاحة العلاجات واللقاحات بأسعار معقولة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل من بين التحديات الرئيسية. وتشمل التحديات الأخرى التي تواجه أوجه التعاون التغلب على الحواجز اللغوية عند العمل مع أشخاص من بلدان أجنبية أو معالجة قضايا خاصة بالمجتمع المحلي وإدارة التعقيد والشفافية في إنفاذ حقوق الملكية الفكرية.

من المهم مراعاة الاختلافات الثقافية عند السعي إلى إبرام اتفاقات دولية، لأن الثقافة تحدد إلى حد كبير قواعد إبرام الاتفاقية وكيفية تنفيذها عملياً. في بعض الثقافات، قد يكون الهدف من تفاوض بشأن أعمال تجارية إبرام عقد بين الأطراف. تميل الثقافات الأخرى إلى اعتبار أن الهدف من أي تفاوض ليس مجرد إبرام عقد، بل أيضاً إيجاد علاقة بين الطرفين. لذلك، فإن المراحل التمهيدية لأي اتفاق ترخيص، يسعى فيه الطرفان إلى أن يتعرف بعضهما على بعض بشكل شامل، تعتبر حاسمة.

تتنوع أساليب التواصل أيضاً بين الثقافات. يؤكد بعضها على أساليب التواصل المباشرة والبسيطة، في حين تعتمد أخرى بشكل كبير على الأساليب غير المباشرة والمعقدة. ويمكن أن تكون هذه الاختلافات الثقافية معقدة مثل الإطار القانوني الذي تُصاغ في إطاره الاتفاقات، أو بسيطة مثل المعاني المُعطاة لكلمة معينة. على سبيل المثال، في بعض السياقات، يفهم الأمريكيون كلمة "نعم" على أنها تعني "أوافق"، بينما قد يفهمها شخص من اليابان في السياق ذاته على أنها تعني "أفهم". لتجنب بعض التحديات الثقافية في اتفاقات الترخيص، ينبغي أن تبدأ العملية بنماذج قياسية واتفاقات نموذجية مقبولة لدى جميع الأطراف.

الاعتبارات التي تنطبق على أوجه التعاون عبر الحدود والملكية الفكرية المشتركة

فيما يلي بعض الأمثلة على التحديات التي يمكن أن تنشأ عند ترخيص الملكية الفكرية المملوكة بشكل مشترك من قبل كيانات تقع في ولايات قضائية مختلفة حيث قد تتعارض قوانين كل منها فيما يتعلق بقوانين البراءات وحق المؤلف وغيرها من قوانين الملكية الفكرية (مثل الأسرار التجارية) و/أو قوانين الخصوصية. يمكن معالجة العديد من هذه القضايا (ولكن ليس جميعها، على سبيل المثال، قوانين الخصوصية) بشكل استباقي من خلال تحديد صريح في اتفاق تعاون أو اتفاق مبادئ إدارة حقوق الملكية الفكرية أو أي اتفاق آخر لإدارة الملكية الفكرية، وكيفية إدارة الملكية الفكرية المشتركة، إن وجدت، والقوانين التي تنطبق عليها.

  • قوانين البراءات ليست موحّدة. تختلف قوانين البراءات بين البلدان، وقد يؤثر ذلك في التعامل مع الاختراعات المشتركة. ومن الأمثلة على ذلك التعريفات القانونية والقضائية لمن يُعد "مخترعاً" وما إذا كان استغلال اختراع مملوك بشكل مشترك يتطلب موافقة المالكين الآخرين. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، الموقف الافتراضي هو أن المالكين المشتركين يمكنهم استغلال مصالحهم في الاختراع المشترك بشكل مستقل دون أي التزام بالحصول على إذن من الطرف الآخر أو إبلاغه، في حين في معظم الولايات القضائية الأخرى، مثل الاتحاد الأوروبي واليابان والمملكة المتحدة وأستراليا والصين وإسبانيا وغيرها، يجب أن يوافق جميع المالكين المشتركين على منح ترخيص للاختراع المشترك. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك إنفاذ الملكية الفكرية المشتركة في المحكمة (يقتضي القانون الأمريكي، على سبيل المثال، أن ينضم جميع المالكين إلى الدعوى القضائية، في حين أنه في بلدان أخرى يجوز لأي من المالكين المشتركين إنفاذ البراءة المشتركة) والتزامات الإيداع (على سبيل المثال، توجد في بعض البلدان، مثل الهند وإيطاليا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتركيا والمملكة المتحدة، قوانين تقتضي من سكانها إيداع البراءات على اختراعاتهم في بلدهم أولاً). علاوة على ذلك، تختلف قوانين البراءات فيما يتعلق بأنواع اختراعات البيوتكنولوجيا التي يمكن تسجيلها كبراءات ("الموضوع القابل للحصول على براءة") في بلد ما. ونتيجة لذلك، من المهم تحديد التكنولوجيات التي تشملها حقوق البراءات القابلة للتنفيذ في بلد معين، وكيفية تعريف مصطلح حقوق البراءات في اتفاقية ما.

  • القوانين والسياسات المتعلقة بملكية الملكية الفكرية في المؤسسات الأجنبية ليست موحّدة. وقد وضعت العديد من البلدان قوانين وسياسات تُمكّن المؤسسات الأكاديمية من الحصول على حقوق ملكية الاختراعات التي يتم ابتكارها في المؤسسات الأكاديمية. ومع ذلك، فإن هذه القوانين والسياسات ليست موحّدة، ما يفرض تحدياً على إدارة الملكية الفكرية عبر الحدود والمملوكة بشكل مشترك. إن قدرة مؤسسة أكاديمية واحدة على أخذ زمام المبادرة وإدارة إصدار البراءات والترخيص بموجب شروط وأحكام الاتفاقية بين المؤسسات أو اتفاقية مبادئ إدارة حقوق الملكية الفكرية أمر بالغ الأهمية لجدوى التكنولوجيا من ناحية التسويق التجاري. من دون وجود اتفاقية بين المؤسسات، من غير المرجح أن تنفق مؤسسة واحدة أموالاً لإيداع البراءات على اختراع سيكون من الصعب أو المستحيل ترخيصه. لا توجد شركة ترغب في التفاوض مع طرفين منفصلين أو التفاوض مع باحث فردي والذي قد يكون، كما هو الحال في بعض المؤسسات الأجنبية، شريكاً في ملكية البراءات. إن الوضوح في الملكية الذي توفره قوانين مثل قانون بايه-دول في الولايات المتحدة، وبالتبعية سياسات البراءات التي وضعتها المؤسسات، له أهمية حيوية لنجاح التسويق التجاري لأبحاث المؤسسات الأكاديمية.

  • قوانين ولوائح الخصوصية ومراقبة الصادرات ليست موحّدة. يجب مراعاة الاختلافات في قوانين حماية البيانات (على سبيل المثال، اللائحة العامة لحماية البيانات مقابل قانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا مقابل قانون حقوق الخصوصية في كاليفورنيا) والخصوصية ومراقبة الصادرات (على سبيل المثال، لوائح إدارة التصدير، واللوائح الدولية لتجارة الأسلحة، واللائحة 428/2009 الصادرة عن الاتحاد الأوروبي) من بلد إلى آخر. وهذا يتطلب من المتعاونين امتلاك أو استيفاء الخبرة الكافية لمعالجة هذه القضايا. كما هو موضح أعلاه، فإن اللائحة العامة لحماية البيانات، التي صاغها واعتمدها الاتحاد الأوروبي، هي واحدة من أقوى قوانين الخصوصية والأمن في العالم. وتنطبق على الأفراد والكيانات الموجودة في أي مكان في العالم إذا كانوا يجمعون بيانات عن أشخاص يقيمون في الاتحاد الأوروبي. في بعض الحالات، قد يكون من الضروري مراعاة قوانين حماية البيانات في ولاية أو مقاطعة ما. على سبيل المثال، يوفر قانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا لسكان كاليفورنيا مزيداً من التحكم في معلوماتهم الشخصية، بما في ذلك المعلومات التي تحتفظ بها الشركات، والغرض من استخدامها، وما إذا كان بإمكانها بيع هذه المعلومات الشخصية. ينطبق هذا القانون على أي كيان يحقق حدوداً معينة من حيث إجمالي الإيرادات السنوية أو مقدار شراء أو تلقي أو بيع المعلومات الشخصية للأجهزة أو الأسر أو السكان في كاليفورنيا. كما يفرض قانون حقوق الخصوصية في كاليفورنيا قيوداً على جمع البيانات وحفظها واستخدامها. يصبح الامتثال لقوانين خصوصية البيانات هذه أكثر أهمية، حيث إن رقمنة قطاع الرعاية الصحية تؤدي إلى توليد كميات هائلة من البيانات التي يمكن استخدامها لتطوير، على سبيل المثال، الأدوية والعلاجات. وبالتالي، فإن الاستخدام الثانوي للبيانات يحتاج إلى تنظيم ومعالجة بشكل ملائم للاستفادة من هذا "النظام الإيكولوجي للبيانات".

  • يمكن أن تختلف الممارسات المقبولة بين النظم الإيكولوجية، ما يؤدي إلى تضارب التوقعات. يمتلك كل إقليم عادةً مجموعة فريدة من أفضل الممارسات والسياسات الخاصة به. يمكن أن تؤدي الاختلافات في الافتراضات الافتراضية (أي أن الأطراف تدخل في المفاوضات بتوقعات غير متطابقة فيما يتعلق بمكونات الشروط والأحكام "المعيارية") إلى إطالة مدة المفاوضات. تتضمن هذه المفاوضات جولات إضافية من تبادل المسوّدات، ما يؤخر التعاون المزمع ويقلل من احتمالية تنفيذه بنجاح.

أوجه التعاون عبر الحدود بين المؤسسات الأكاديمية والكيانات الربحية

تشبه العديد من التحديات التي تطرحها أوجه التعاون عبر الحدود بين المؤسسات الأكاديمية والكيانات الربحية تلك المذكورة أعلاه. ومع ذلك، هناك بعض القضايا الإضافية التي يجب أخذها في الاعتبار.

  • تختلف قوانين البراءات التي تنطبق على استغلال الاختراعات المشتركة. في بعض البلدان، لا يحتاج مالك مشترك إلى موافقة مسبقة لتسويق الاختراع المشترك (أي لتصنيع المنتجات وبيعها)، على الرغم من أنه يجب عليه الحصول على إذن من المالكين المشتركين الآخرين لترخيص الاختراع المشترك. وهذا يمنح الشركات ميزة على المؤسسات الأكاديمية التي لا تسوِّق لاكتشافاتها. ونتيجة لذلك، تقل الحوافز للمشاركة وتبادل الأفكار والمعلومات غير القابلة للحماية ببراءة. في معظم الولايات القضائية الأخرى، يحتاج المالكون المشتركون إلى موافقة صريحة من المالكين الآخرين، ما قد يشكِّل عاملاً مُقيداً في التسويق التجاري للتكنولوجيات. ولتجنب العقبات غير الضرورية التي تعوق التوزيع السريع والنفاذ إلى السوق، غالباً ما تعتمد الأطراف اتفاقات مبادئ إدارة حقوق الملكية الفكرية وتكلف أحد الأطراف بقيادة الأنشطة المتصلة بنقل التكنولوجيا، مع الالتزام بتقديم تقارير منتظمة عن نتائج تلك الأنشطة.

  • تختلف "حقوق الملكية الفكرية المعيارية" الممنوحة بموجب اتفاقات البحث المستفيد من رعاية صناعية. يمكن أن تختلف شروط الملكية الفكرية المعتادة التي ترغب مؤسسة أكاديمية في منحها لشركة راعية حسب المنطقة، ما قد يؤدي إلى سوء فهم ومفاوضات مطوّلة. على سبيل المثال، معظم المؤسسات الأكاديمية الأمريكية مترددة في (وغالباً لا تستطيع) إسناد ملكية الملكية الفكرية إلى كيان ربحي. ومع ذلك، هناك بعض الأقاليم التي تكون فيها المؤسسات الأكاديمية على استعداد للقيام بذلك، ونتيجة لذلك، غالباً ما تكون التوقعات بين مؤسسة أكاديمية وكيان ربحي في بداية تفاوض التعاون عبر الحدود غير متوافقة وتتطلب اتصالاً موافقاً لأن مواقفهما الأولية قد تكون متباعدة.

  • قوانين ملكية الملكية الفكرية والضرائب ليست موحّدة. قد تختلف قوانين الشركات المختلفة التي تنطبق على الكيانات الربحية بشكل كبير من بلد إلى آخر. تشمل الأمثلة على ذلك الأعمال المُنجزة بموجب عقد (تناولت بعض البلدان مسألة الملكية في قوانينها، في حين يتعين على الكيانات في بلدان أخرى معالجة مسألة الملكية من خلال عقد عمل أو عقد آخر)، وقوانين المسؤولية والضرائب.

  • مخاوف تتعلق بمراقبة الصادرات. قد تخضع البيانات الشخصية والمعلومات الوراثية في بعض الأحيان للمراجعة من طرف مراقبة الصادرات. (1)مراقبة الصادرات هي قوانين ولوائح تنظم وتقيد إصدار التكنولوجيات والمعلومات والخدمات الحيوية للمواطنين الأجانب، داخل الولايات المتحدة وخارجها، والبلدان الأجنبية لأسباب تتعلق بالسياسة الخارجية والأمن القومي. من المهم أن تستشير المؤسسة الأكاديمية محامياً متخصصاً في التجارة قبل إرسال البيانات خارج الولايات المتحدة.

تأثير اللوائح الدولية على أوجه التعاون عبر الحدود

على الرغم من جاذبية التعاون عبر الحدود في مجال البيوتكنولوجيا، إلا أنها تتطلّب دراسة متأنية وامتثالاً للوائح الدولية. أحد اللوائح الدولية الشاملة التي تؤثر في أوجه التعاون عبر الحدود في مجال البيوتكنولوجيا هو بروتوكول ناغويا الملحق باتفاقية التنوع البيولوجي. (2)اتفاقية التنوع البيولوجي، https://www.cbd.int/abs/doc/protocol/nagoya-protocol-ar.pdf. الهدف من  (3)بروتوكول ناغويا بشأن النفاذ وتقاسم المنافع، https://www.cbd.int/abs/. هو تنفيذ أحد الأهداف الثلاثة لاتفاقية التنوع البيولوجي: التقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدام الموارد الوراثية، ما يسهم في حفظ التنوع البيولوجي واستخدامه المستدام. ويحدد البروتوكول التزامات الأطراف المتعاقدة باتخاذ تدابير تتعلق بالنفاذ إلى الموارد الوراثية وتقاسم المنافع والامتثال.

اعتُمد البروتوكول في أكتوبر 2010 في ناغويا باليابان، ودخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2014. وبحلول أكتوبر 2020، كان قد صدّق عليه 128 طرفاً – 127 دولة عضو في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. لم تصدّق الولايات المتحدة على بروتوكول ناغويا. أحد التحديات التي يواجهها بروتوكول ناغويا هو عدم توحيد تطبيقه بين الدول الأعضاء. على سبيل المثال، فرضت بعض البلدان (مثل الصين والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل) متطلبات للكشف عن البراءات المتعلقة بالمواد الوراثية المشار إليها و/أو المستخدمة في الاختراع، في حين اختارت بلدان أخرى اللجوء إلى اتفاقات تعاقدية للنفاذ وتقاسم المنافع من أجل الامتثال للوائح الوطنية التي تحكم المواد الوراثية.

على الرغم من أن بروتوكول ناغويا يُلزم البلدان بتعيين جهة تنسيق، إلا أن هناك العديد من الولايات القضائية التي لا تزال تفتقر إلى الوضوح فيما يتعلق بملكية مورد وراثي – هل هي ملكية البلد أم المنطقة المحلية أم مجتمع شعوب أصلية أم فرد، على سبيل المثال. علاوة على ذلك، هناك عدم وضوح في بعض الولايات القضائية بشأن ما إذا كانت مادة بيولوجية اصطناعية أو تسلسل وراثي رقمي يندرج ضمن اللوائح الوطنية العديدة. إن فرز مجموعة القوانين واللوائح التي تحكم الموارد الوراثية (بعضها ليس مكلفاً ومرهقاً فحسب، بل قد يؤدي إلى ملاحقة جنائية حسب الاختصاص القضائي) قد يثبط التعاون وبالتالي التسويق التجاري.