تستحضر الرياضة في مخيلتنا مشاهد المنافسة المثيرة والإنجازات الرياضية والفعاليات العالمية. ولكن خلف كل أداء مُحطم للأرقام القياسية أو قرار تحكيمي مثير للجدل أو تجربة جديدة للمشجعين، يكمن شيء أقل وضوحاً للعيان، هو الابتكار.
سواء تعلق الأمر بالمواد المتقدمة في المعدات الرياضية أو المستشعرات المحمولة التي تراقب الوظائف العضوية للاعبين، تساهم التكنولوجيا بشكل متزايد في إعادة رسم ملامح كيفية ممارسة الألعاب الرياضية أو تنظيمها أو عيش تجربتها. فاليوم، لا يعتمد الأداء الرياضي على المهارة البدنية فحسب، بل أيضاً على تحليل البيانات والمنصات الرقمية والتكنولوجيا المساعدة.
الرياضة تتطور. حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالبراءات والعلامات التجارية والتصاميم لا يقتصر دورها على حماية الاختراعات والأسماء التجارية وتصاميم المنتجات فحسب. بل تشكل كلها قاعدة بيانات ضخمة تكشف عن أماكن وجود الابتكار وأصحابه، وتوضح كيفية تطور التكنولوجيا بمرور الوقت.
من الحدس إلى البيانات
مُنذ وقت ليس ببعيد، كان اتخاذ القرار في الرياضات الاحترافية يُبنى على أساس الحدس. فقد كان الحدس أساساً لاكتشاف المواهب، والخبرة أساساً لعمل المدربين، وكان تقييم اللاعبين على أساس الإمكانيات المتوقعة يُمنح أولوية مماثلة للتقييم على أساس الأداء الفعلي. ولكن، على مدى الخمسة وعشرين عاماً الماضية، بات جلياً بمرور الوقت أن توافر البيانات في مجال الرياضة قادر على إعادة تشكيل المفاهيم التقليدية والكشف عن فرص جديدة، بل وتغيير عملية اتخاذ القرار.
على سبيل المثال، في عام 2002، استخدم بيلي بين، مدرب فريق Oakland Athletics في دوري البيسبول الرئيسي، التحليل الإحصائي لبناء فريق تنافسي بميزانية محدودة. وبدلاً من الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط في اكتشاف اللاعبين الموهوبين، ركز على مقاييس مهملة خاصة بالإداء لتحديد اللاعبين الذين لم يحصلوا على التقدير المناسب لقدراتهم الحقيقية من الأخرين. كما أظهر كتاب Moneyball الذي أصبح من أكثر الكتب مبيعاً في عام 2003 والذي أُنتج عنه فلم روائي ضخم من بطولة براد بيت في عام 2011 أنه يمكن قياس الأداء والقيمة والروح التنافسية بدقة، وكشف عن رؤى تتعارض مع الافتراضات السائدة منذ زمن طويل.
وبين عامي 2016 و2025، شهد قطاع الرياضة تسجيل أكثر من 1.25 مليون علامة تجارية.
واليوم، أصبح تحليل البيانات جزءاً أساسياً من عالم الرياضة: فالفرق تُكيف أساليب لعبها آنياً باستخدام بيانات الأداء؛ ويراقب اللاعبون مدة التدريبات وفترة التعافي واحتمالية الإصابة بواسطة الأجهزة المحمولة؛ ويتفاعل المشجعون بفضل الإحصاءات التفصيلية ومن خلال الدوريات الافتراضية والبرامج التي تزداد إثراءً بالبيانات.
أصبحت البيانات مصدر قوة استراتيجي. ويمكن فهم الابتكار بنفس الطريقة تقريباً. كما يمكن لسجلات الملكية الفكرية أن تسلط الضوء على الابتكار وتوضح لنا كيفية انتقال التكنولوجيا من كونها مجرد مفهوم إلى منتج. وعند تحليل بيانات الملكية الفكرية بشكل منهجي، تصبح أداة قوية لتتبع الابتكار نفسه.
ماذا تكشف البيانات
بين عامي 2016 و2025، تم الكشف عن أكثر من 65,700 اختراع في مجال التكنولوجيا الرياضية ضمن مجموعات البراءات المنشورة عالمياً. وخلال الفترة نفسها، شهد قطاع الرياضة تسجيل أكثر من 1.25 مليون علامة تجارية وحوالي 70,000 طلب تسجيل في مجال التصاميم.
ومعدلات النمو تكشف لنا المزيد. فقد ارتفعت نسبة البراءات في مجال التكنولوجيا الرياضية بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 7.6 في المائة، مقارنة بـنسبة 4.4 في المائة لجميع البراءات في العالم.
ويظهر النشاط التجاري نموذجاً مشابهاً. فقد نمت العلامات التجارية الرياضية بنسبة 6.1 في المائة سنوياً، وهو ما يقارب ضعف معدل النمو البالغ 3.4 في المائة لجميع العلامات التجارية.
ويظهر أقوى نمو نسبي في طلبات تسجيل التصاميم، إذ زادت التصاميم الرياضية بنسبة 8.3 في المائة سنوياً، مقارنة بنسبة 4 في المائة في جميع القطاعات.
وإجمالاً، تشير هذه الاتجاهات إلى أن الرياضة لا تتوقف عند مواكبة الابتكار العالمي، بل تتفوق عليه في مجالات الاختراع والتسويق وتصميم المنتجات.
كما تكشف بيانات الملكية الفكرية أن الابتكار يختلف من رياضة إلى أخرى. على سبيل المثال، تتصدر رياضة الجولف البراءات في مجال التكنولوجيا الرياضية، إذ نُشر ما يقرب من 19,000 اختراع منذ عام 2016. يلي ذلك السباحة وألعاب المضرب وكرة السلة وكرة القدم.
وتتمتع رياضة الجولف بحضور قوي بين أصحاب البراءات في مجال التكنولوجيا الرياضية. فالعلامات التجارية الكبرى للجولف مثل Titleist وSrixon وPing باتت تقارع شركات الملابس الرياضية العالمية، مثل Nike وAdidas.
أما بيانات التصاميم، فتكشف عن رواية أخرى. في هذا المجال، يتصدر قطاع الصالات الرياضية واللياقة البدنية طلبات التسجيل، مما يعكس دور جمالية المنتج وسهولة استخدامه في جذب المستهلكين في مجال صناعة المعدات والملابس الخاصة باللياقة البدنية.
ومع توسع المشاركة في الأنشطة الترفيهية وممارسة اللياقة البدنية عالمياً، ازدادت أهمية التصميم باعتباره أداة للتمييز بين العلامات التنافسية.
والسباحة أيضاً من المجالات الجديرة بالملاحظة. فهي تحتل المرتبة الثانية في البراءات والعلامات التجارية، والمرتبة الثالثة في حماية التصاميم، مما يجعلها واحدة من أقوى الرياضات عبر جميع المجالات الرئيسية للملكية الفكرية.
ويعكس ذلك نظاماً إيكولوجياً متنوعاً للابتكار يتجاوز حدود المنافسات الكبرى، ليشمل الملابس الرياضية عالية الأداء والنظارات الواقية ومعدات السباحة وأدوات التدريب والمنتجات الترفيهية. وفي رياضة السباحة، كما هو الحال في اللياقة البدنية، فإن الأداء التقني وقوة العلامة التجارية وتصميم المنتج كلها عوامل تحدد المنافسة في السوق.
الابتكار الرياضي العالمي
تعكس جغرافيا الابتكار الرياضي أنماطاً عالمية أوسع نطاقاً في مجال الملكية الفكرية. آسيا تتصدر العالم في مجال البراءات وحماية التصاميم الرياضية، مما يعكس القاعدة الصناعية القوية للمنطقة والاستثمار المتزايد في تطوير التكنولوجيا.
أما أوروبا، فعلى النقيض من ذلك، تتميز بنشاطها في مجال العلامات التجارية. ويعكس ذلك على الأرجح النظام الإيكولوجي الكثيف للمنطقة حيث تتركز النوادي الرياضية والعلامات التجارية والجهات الفاعلة التجارية، فضلاً عن وجود ولايات قضائية عديدة أقل نطاقاً ولكن أكثر فاعلية.
وتساهم شركات التكنولوجيا والمنصات الإلكترونية والأسماء التجارية الترفيهية برسم ملامح كيفية تسويق الرياضة.
على المستوى الوطني، تبرز رياضات مختلفة. إذ تمتلك الولايات المتحدة واليابان وجمهورية كوريا، بشكل واضح، أعلى نسبة من البراءات في رياضة الجولف. أما في الصين، فتنشط الصناعات التكنولوجية الخاصة بألعاب المضرب، مدفوعة بالبراءات في الريشة الطائرة وتنس الطاولة.
بينما تبرز البراءات في كرة القدم بصورة كبيرة في ألمانيا موطن شركة Adidas وإحدى أقوى الدول في عالم كرة القدم.
وتعكس بيانات العلامات التجارية أيضاً الانتشار التجاري العالمي للرياضة. نظراً لأن العلامات التجارية غالباً ما تسجل علاماتها في ولايات قضائية متعددة وعبر مجموعة واسعة من السلع والخدمات، تظهر الشركات الدولية الكبرى بشكل واضح بين أصحاب العلامات التجارية المرتبطة بالرياضة.
وبعض هذه الأسماء قد يبدو غير متوقع. إذ تبرز شركات مثل ديزني وأبل وأمازون إلى جانب المنظمات الرياضية كالرابطة الوطنية لكرة السلة (NBA) ومنظمة الترفيه العالمية للمصارعة (WWE) ومتاجر ديكاتلون للسلع الرياضية.
ويؤكد وجود شركات التكنولوجيا والترفيه مدى توسع الاقتصاد الرياضي إلى ما هو أبعد من المنافسة الرياضية بحد ذاتها. وسواء تعلق الأمر بأنشطة ديزني في مجال البث الرياضي؛ أو النظام الإيكولوجي الرقمي للياقة البدنية من آبل؛ أو استثمارات أمازون في البث المباشر للأحداث الرياضية، يشمل الاقتصاد الرياضي اليوم وسائل الإعلام والبث المباشر والخدمات الرقمية وتسويق المنتجات وتفاعل المشجعين، و غير ذلك الكثير.
بعبارة أخرى، تساهم شركات التكنولوجيا والمنصات الإلكترونية والعلامات التجارية الترفيهية بشكل متزايد في رسم ملامح كيفية تسويق الرياضة واستهلاكها.
البيانات والمعدات الذكية
المعدات الرياضية الذكية هي من أبرز العلامات المذكورة في بيانات الملكية الفكرية. إذ يساهم استخدام المستشعرات وتقنيات الاتصال اللاسلكي والتحليل في تحويل المعدات التقليدية إلى أنظمة ذكية قادرة على جمع بيانات تفصيلية عن الأداء.
في كرة القدم وكرة السلة والرجبي والكريكيت، يمكن قياس خصائص سرعة الكرة ودورانها ومسارها وارتطامها بواسطة المعدات المزودة بمستشعرات قصور ذاتي. إذ يمكن الاستفادة من هذه التكنولوجيا في تدريب اللاعبين وتحليل الأداء بشكل دقيق وأيضاً مساعدة الحكام في اتخاذ قراراتهم.
وفي هذا السياق، قامت شركة Gengee Technology الصينية بتطوير نظام كرة ذكي حاصل على براءة اختراع، يسمح بجمع بيانات تفصيلية عن الحركة والموقع أثناء اللعب. وكما يقول ويدان تشين، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة Gengee Technology: "في الرياضة، تُحسم النتيجة بفارق أجزاء من الألف من الثانية؛ وفي مجال التكنولوجيا، البراءات هي التي تُحدد الخروقات".
"في Gengee، نحمي ابتكاراتنا الأساسية لتحويل كل حركة وكل خطوة داخل الملعب إلى لغة بيانات تعزز صناعة الرياضة".
ومن البراءات التي حصلت عليها شركة Gengee هي كرة مزودة بمستشعر قصور ذاتي سداسي المحاور ووحدة تحكم دقيقة ووحدة اتصال لاسلكية ووحدة تخزين بيانات مدمجة. إذ يعمل النظام على جمع البيانات الخاصة بكل حركة وتسجيل وقت كل منها قبل إرسال المعلومات إلى الأجهزة المحمولة أو خوادم النُسخ الاحتياطية المتاحة على الشبكة لتحليلها.
ومن خلال دمج بيانات المستشعر مع أنظمة تحديد المواقع اللاسلكية، يمكن لهذه التكنولوجيا إعادة بناء مسار الكرة وأنماط حركتها بدقة عالية. كما يمكن استخدام النتائج لتحليل الأسلوب الفني وقياس الأداء، فضلاً عن دعم أساليب تدريب أكثر اعتماداً على البيانات.
من غير المرجح أن تتوقف مثل هذه التكنولوجيا عند الرياضات الكبرى. إذ مع تزايد صغر حجم أجهزة الاستشعار وانخفاض تكلفتها وزيادة استخدامها في المعدات اليومية، تتجه تكنولوجيا الاتصال اللاسلكي المستخدمة في الرياضة شيئاً فشيئاً نحو عامة الناس.
وقد يتمكن اللاعبون الشباب الذين يتدربون في الأندية المحلية، قريباً، من استخدام معدات، مثل الكرات الذكية أو واقيات الساق المزودة بأجهزة استشعار أو المضارب المتصلة لاسلكياً، تقوم بتعقب الإحصائيات الرئيسية وتقديم ملاحظات بواسطة تطبيقات الهواتف المحمولة.
ويعكس ذلك، في نواحٍ عديدة، ما رأيناه بالفعل من سلوك استهلاكي في مجال اللياقة البدنية. إذ على مدى العقد الماضي، أصبحت الأجهزة المحمولة التي تسجل المسافة وتراقب معدل ضربات القلب وساعات النوم وغير ذلك من المميزات، جزءاً اعتيادياً من أنشطة روتينية كالجري وركوب الدراجات والأنشطة الترفيهة.
ومن خلال دراسة أنماط البراءات والعلامات التجارية والتصاميم، يمكننا تتبع كيفية تطور الصناعات بمرور الوقت.
ويمكن الاستفادة أيضاً من بيانات الملكية الفكرية في رصد الابتكار في مجالات أكثر تخصصاً، مثل الرياضات البارالمبية.
وهنا، يبرز دور مؤسسات البحث الأكاديمي بشكل خاص. إذ ينشأ حوالي 26 في المائة من البراءات الخاصة بالرياضات البارالمبية من الجامعات أو مؤسسات البحث، مقارنة بـنسبة 17 في المائة في مجال التكنولوجيا الرياضية بشكل عام.
ويشير ذلك إلى وجود نظام إيكولوجي للابتكار يعتمد بشكل أكبر على البحث، مما يعكس كلاً من التعقيد التقني للتكنولوجيا المساعدة وأهمية البحث العام في دعم الرياضة الشاملة للجميع.
وغالباً ما تنشأ المعدات الرياضية المساعدة والأطراف الصناعية والكراسي المتحركة القابلة للتكيف، وتكنولوجيا إعادة التأهيل من التعاون بين الباحثين والمهندسين والرياضيين.
ويمكن لهذه الابتكارات أن توسع نطاق المشاركة في الرياضة بشكل كبير، مع تحقيق فوائد أوسع نطاقاً في مجال تكنولوجيا الرعاية الصحية والتنقل.
فهم الابتكار بشكل أوضح
تُعاش تجربة الرياضة من خلال اللحظات المثيرة: هدف في الدقائق الأخيرة، أو انطلاقة تحطم أرقاماً قياسية، أو تسديدة تحسم الفوز ببطولة. وهذه اللحظات من التألق لا تمثل سوى جزء بسيط من نظام تكنولوجي أكبر حجماً وأكثر تقدماً. لذلك، فإن تحليل بيانات الملكية الفكرية يساعدنا على التعرف على هذا النظام بشكل أكثر وضوحاً.
ومن خلال الاطلاع على النماذج الخاصة بالبراءات والعلامات التجارية والتصاميم، يمكننا تتبع كيفية ظهور الأفكار وتقارب التكنولوجيا وتطور الصناعات بمرور الوقت، فضلاً عن كيفية انتشار الابتكار من بيئة المنافسات الكبرى إلى الاستخدامات التجارية والاستهلاكية واسعة النطاق.
وتكشف هذه النماذج أيضاً عن روابط لا يمكن ملاحظتها بسهولة عند التركيز على بيانات الأداء فقط؛ على سبيل المثال، كيف تساهم الرياضة في انتشار التقدم في علوم المواد أو تكنولوجيا أجهزة الاستشعار أو المنصات الرقمية ليشمل القطاعات المجاورة مثل الصحة واللياقة البدنية والترفيه.
ويتضح من هذا المنظور أن الرياضة أكبر بكثير من مجرد منافسة ترفيهية. فهي مختبر فعال أيضاً للابتكار التكنولوجي الذي لا يتبلور على أرض الملعب فحسب، بل أيضاً في مختبرات الأبحاث وورش الهندسة واستوديوهات التصميم في جميع أنحاء العالم.
ولاستكشاف تفاصيل أكثر حول هذه الاتجاهات الرائجة، بما في ذلك تحليل بيانات البراءات الخاصة بكل رياضة، مثل الجولف وكرة القدم وألعاب المضرب والكريكيت والسباحة، بالإضافة إلى الدراسات التطبيقية في مجال المعدات الذكية والأجهزة المحمولة وأنظمة تتبع الكرة، يرجى الاطلاع على تقرير سبارك للتكنولوجيا الصادر عن الويبو لهذا العام حول تكنولوجيا الرياضة.
كما يمكن معرفة المزيد عن الابتكار في قطاع الصالات الرياضية واللياقة البدنية أو الاطلاع على العدد الخاص بمجلة الويبو المخصص للرياضة.