هل يمكننا قراءة الإشارات الدقيقة التي ترسلها خلايانا للتنبؤ بالإصابة بالأمراض؟ كيف تساعد الملكية الفكرية شركة Lumnora في نقل الأبحاث العلمية إلى السوق
كل يوم، ترسل خلايانا إشارات صغيرة إلى جميع أنحاء أجسامنا. ولكن، ماذا لو تمكنا من قراءة تلك الإشارات واكتشاف التغيرات المرتبطة بالمرض قبل أن تظهر في شكل أعراض؟
هذا هو السؤال الذي يشكل جوهر شركة Lumnora، وهي شركة ناشئة إيطالية متخصصة في مجال التكنولوجيا المتقدمة، تعمل على تطوير تقنية تهدف إلى تسهيل رؤية بعض أصغر الناقلات البيولوجية في الجسم وفهمها.
جهاز قياس التدفق الخلوي بالتصوير المدعوم بالذكاء الاصطناعي من شركة Lumnora أثناء العمل (الصورة: بإذن من شركة Lumnora).
في مجال الرعاية الصحية، قد تفتح القدرة على اكتشاف التغيرات البيولوجية الطفيفة وتحديد خصائصها آفاقًا جديدة للبحث والتشخيص وتطوير العلاجات للعديد من الأمراض والعلل. ويُعد السرطان أحد هذه المجالات المعنية: ففي عام 2022، تم تشخيص إصابة حوالي 20 مليون شخص بالسرطان في جميع أنحاء العالم، وتوفي 9.7 مليون شخص جراء هذا المرض، وفقًا للوكالة الدولية لأبحاث السرطان.1 وبحلول عام 2050، من المتوقع أن يصل عدد حالات السرطان الجديدة سنويًّا إلى 35 مليون حالة.2
ويمكن للكشف المبكر أن يزيد من فرص نجاح العلاج.3
من هذا المنطلق، يجد الفيزيائي جوليو كوتشيا وفريقه في شركة Lumnora فرصةً واعدة يمكن البناء عليها.
إذ تعمل شركة Lumnora على تطوير تقنية لدراسة الحويصلات خارج الخلوية، وهي جسيمات دقيقة تطلقها الخلايا في سوائل الجسم. وهذه الحويصلات تحمل معلومات بيولوجية، بما في ذلك البروتينات والمواد الجينية، ويمكن أن توفر أدلة بشأن ما يحدث داخل أجسامنا.
لكن هناك مشكلة واحدة فقط وهي أن هذه الحويصلات صغيرة جدًّا ويصعب تحليلها بشكل موثوق.
لذلك، تعمل شركة Lumnora على تطوير منصة تجمع بين تقنيات التصوير المتطورة والرقائق المصممة خصيصًا لهذا الغرض والذكاء الاصطناعي، من أجل الكشف عن هذه الجسيمات ودراستها، بهدف تسريع العملية وزيادة موثوقيتها وتسهيل توحيد إجراءات تنفيذها.
شركة ناشئة غير تقليدية
لم تبدأ شركة Lumnora كشركة ناشئة تقليدية، بل كمشروع بحثي أوروبي.
إذ نشأت شركة Lumnora في إطار مشروع nanoSCAN، وهو مشروع يموله البرنامج الانتقالي التابع لمجلس الابتكار الأوروبي (EIC)، ويضم باحثين وشركاء من القطاع الصناعي من مختلف أنحاء أوروبا بهدف تطوير تقنيات تصوير جديدة.
ومن بين نتائج المشروع رقائق ضوئية طورتها مجموعات بحثية في جامعة بوليتكنيكو دي ميلانو ومعهد الضوئيات والتقنيات النانوية التابع للمجلس الوطني للأبحاث (IFN-CNR).
وقد صُممت هذه الرقائق لمساعدة العلماء على رؤية الهياكل البيولوجية الصغيرة جدًّا وقياسها. ومع تطور التكنولوجيا، بدأ الباحثون في طرح سؤال عملي: في أي مجال يمكن أن تُحدث هذه التكنولوجيا فرقًا حقيقيًّا؟ ووجدوا فرصة في الحويصلات خارج الخلوية، التي تحظى إمكاناتها في مجالي التشخيص والعلاج باهتمام علمي متزايد.
وفي عام 2025، تأسست شركة Lumnora كشركة منبثقة عن جامعة بوليتكنيكو دي ميلانو والمجلس الوطني للأبحاث (CNR)، مما أتاح لفريق الشركة فرصة لنقل هذه التكنولوجيا من المختبر إلى الواقع وتطويرها كشركة. وبالنسبة لكوتشيا، كان هذا الانتقال أمراً شخصياً أيضاً.

جوليو كوتشيا، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة Lumnora، أثناء إلقائه كلمة في مؤتمر (الصورة: بإذن من شركة Lumnora).
وهو متخصص في الفيزياء، وقد بدأ دراسة الدكتوراه في فيينا، حيث أمضى ما بين سنتين وثلاث سنوات في العمل في مجال العلوم المتعلقة بالسرعات الفائقة. ثم قرر ترك ذلك البرنامج والبدء في دراسة دكتوراه جديدة في ميلانو تركز على تطوير التقنيات الكمومية، بتمويل من منحة Marie Curie ITN المقدمة من الاتحاد الأوروبي.
وقد عكست هذه الخطوة اهتمامه المتزايد بالبحوث التطبيقية التي تنطوي على إمكانية إحداث تأثير ملموس في الواقع، وهو ما كان يجذبه منذ دراسته للماجستير.
ويقول كوتشيا: "أنا شخص فضولي، وأحب أن يضفي عملي معنىً على العالم". "كنت أعتقد أن البحث العلمي وسيلة جيدة لإحداث تأثير، لكنه في الحقيقة ليس أفضل وسيلة."
وقد أظهرت له خبرته في العمل على استكشاف الفرص السوقية للتقنيات المنبثقة عن الأبحاث أن الانتقال من المختبر إلى العالم الواقعي يتطلب عقلية مختلفة.
ويقول كوتشيا "هناك فجوة بين عقلية الباحث وعقلية رائد الأعمال: فالتفكير في أن شيئًا ما قد يكون مفيدًا أمرٌ، وإيجاد طريقة فعليّة لتجسيده أمرٌ آخر."
حماية التكنولوجيا
إن الانتقال من مرحلة البحث إلى مرحلة تأسيس شركة يطرح تحدياً آخر، وهو الملكية الفكرية.
وقد امتلكت شركة Lumnora بالفعل براءتي اختراع تحميان تقنيتها الأساسية. ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من الأبحاث التي استندت إليها الشركة قد جرى تطويره عبر علاقات تعاون طويلة الأمد شاركت فيها جامعة بوليتكنيكو دي ميلانو والمجلس الوطني الإيطالي للأبحاث (CNR).
ومع بدء شركة Lumnora في استكشاف الشراكات التجارية، احتاج الفريق إلى فهم ما تمتلكه الشركة وما يمكن ترخيصه وكيف يمكن إدارة ملكيتها الفكرية مع استمرار تطور التكنولوجيا.
ويقول كوتشيا "نحن باحثون. وحقوق الملكية الفكرية أمر أساسي". "لقد نشأت شركتنا على أساس الابتكار وبراءات الاختراع."
كما انضمت شركة Lumnora إلى عيادة الويبو لإدارة الملكية الفكرية للمساعدة في الإجابة عن تلك الأسئلة.
إذ ساعدت عيادة الويبو فريق الشركة على تحسين الفهم الذي يمتلكه الفريق بالفعل في مجال الملكية الفكرية وكيفية الاستفادة منها. كما ساعدت الشركة على إضفاء الطابع الرسمي على ترتيبات الترخيص مع الجامعة، وجعلها أكثر استعدادًا لاتفاقات التطوير المشترك التي ستزداد أهميتها مع تزايد تعاون الشركة مع الشركاء الخارجيين.
وقد غيّرت هذه التجربة طريقة تفكير الفريق بشأن ميزته التنافسية. فبينما تعد براءات الاختراع إحدى حقوق الملكية الفكرية المحمية لدى شركة Lumnora، فإن الشركة تعمل أيضًا على بناء قيمة إضافية من خلال خبراتها التقنية وبرمجياتها وبياناتها.
وبالنسبة لشركة Lumnora، أصبحت حقوق الملكية الفكرية جزءًا من الأساس الذي يُبنى عليه إقامة الشراكات، وهيكلة مشاريع التطوير المشترك، وخلق ميزة تنافسية مستدامة تساعد على نقل التكنولوجيا إلى ما وراء حدود المختبر.
من المختبر إلى السوق
منذ ذلك الحين، شاركت شركة Lumnora في برامج تسريع النمو، وحظيت بالتقدير في مسابقات الشركات الناشئة، وهي الآن بصدد جمع التمويل مع استمرارها في تطوير تقنيتها والتحقق من فعاليتها.
جوليو كوتشيا برفقة فريق شركة Lumnora (الصورة: بإذن من شركة Lumnora).
ولا يزال الطريق طويلاً فيما يتعلق بالانتقال من تكنولوجيا واعدة إلى ما يمكن استخدامه في مجال الرعاية الصحية. إذ يجب اختبار هذه التكنولوجيا والتحقق منها، كما يجب أن تستوفي المتطلبات التنظيمية عندما يكون ذلك ضرورياً.
ومع ذلك، فإن مسار الشركة واضح.
وبالنسبة لكوتشيا، عززت هذه التجربة فهمه لما يتطلبه تحويل الأبحاث في مجال التكنولوجيا المتقدمة إلى شيء يمكن أن يصل إلى العالم أجمع. وتسعى شركة Lumnora حالياً إلى سد هذه الفجوة من خلال الاستفادة من التكنولوجيا التي جرى تطويرها بفضل الأبحاث الأوروبية، وتطبيقها على أحد التحديات الطبية الحيوية الملحة، وبناء حقوق الملكية الفكرية والشراكات اللازمة لتسويقها.
فهدف الشركة بسيط حتى وإن كان ينطوي على علوم معقدة، وهو تسهيل قراءة أصغر الإشارات التي يرسلها الجسم، ومعرفة ما يمكن أن تخبرنا به عن صحتنا.
نبذة عن عيادة الويبو لإدارة الملكية الفكرية
تساعد عيادة الويبو لإدارة الملكية الفكرية الشركات الناشئة المبتكرة والشركات الصغيرة والمتوسطة على وضع استراتيجيات الملكية الفكرية الخاصة بها وتنفيذها، بما يتماشى مع أهدافها التجارية. إذ تساعد هذه العيادات الشركات على تحديد ملكيتها الفكرية وأصولها غير الملموسة الأخرى وحمايتها وإدارتها واستغلالها لدعم نمو أعمالها وقدرتها التنافسية، وذلك عبر تقديم التوجيه الفردي المخصص والمشورة المتخصصة والتدريب.