تقرير المدير العام إلى جمعيات الويبو – من 7 إلى 15 يوليو 2026

#

السفير كارلوس سوريتا، رئيس الجمعيات العامة للويبو،

أصحاب السعادة، أيها الوزراء،

رؤساء مكاتب الملكية الفكرية، رؤساء الوفود،

أصدقائي الأعزاء، زملائي الأعزاء،

يسرني جدا أن أرحب بكم في السلسلة الثامنة والستين من اجتماعات جمعيات الدول الأعضاء في الويبو.

***

زملائي الأعزاء،

نجتمع كل عام في هذه الجمعيات بصفتنا مجتمع الملكية الفكرية العالمي لتقييم العام المنصرم، والتطلع إلى المستقبل.

في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد، أصبح من المسلمات أننا نشهد تغييرات كبيرة في المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي والتكنولوجي العالمي. لكن لا يسعني إلا أن أشير إلى أن هذه التغييرات بدت جذرية بشكل خاص خلال العام الماضي.

على الصعيد السياسي، ازدادت حدة الصراعات والانقسامات. على الصعيد الاقتصادي، لا تزال مستويات عدم اليقين مرتفعة، مع نمو اقتصادي متفاوت. أما الثقافة، فهي تتجه نحو العولمة بشكل متزايد، لكنها في الوقت نفسه أصبحت مصدراً للتوتر داخل البلدان. وعلى الصعيد التكنولوجي، فإن ظهور الذكاء الاصطناعي بصدد إعادة تشكيل الطريقة التي نبتكر ونبدع بها بشكل جذري.

في ظل هذه الفترة من عدم اليقين، فإن المسار أمامنا غير واضح بطبيعة الحال.

لكنني أعتقد أن هذه الفترة هي أيضاً فرصة للتفكير، والرّجوع إلى الأسس، والاستفادة منها لتوضيح المسار المستقبلي.

لذا اسمحوا لي أن أشارككم بعض الأفكار.

قبل وقت طويل من ظهور مكاتب الملكية الفكرية أو سجلات البراءات أو العلامات التجارية – بل قبل ظهور الحضارة نفسها – كانت البشرية تبتكر وتبدع وتصنع بالفعل. ما عليكم سوى التفكير في الأدوات الحجرية، والسهام، واللوحات الصخرية، والمنحوتات العظمية، وقلائد الصدف – فقد سمحت لنا فضولنا وإبداعنا وابتكارنا بإعادة تشكيل عالمنا بشكل جذري، مما أدى في النهاية إلى ظهور الزراعة والمدن والحضارة.

نحن جنس من المبتكرين والمبدعين منذ الأزل – لكن منذ أكثر من 500 عام، اندلعت ثورة في الطريقة التي نبتكر بها من مدينة البندقية، ثم انتشرت عبر أوروبا، قبل أن تصل إلى جميع أنحاء العالم. تلك الثورة كانت الملكية الفكرية.

أعطت الملكية الفكرية زخماً للابتكار، حيث مكنت المخترعين أو المبدعين من ربط أفكارهم وتعبيراتهم مباشرة بالاقتصاد والمجتمع، بدلاً من الحاجة إلى طلب الإذن أو الدعم من اللوردات أو الملوك. وقد منحت الملكية الفكرية قيمة اقتصادية للاختراع من خلال إضفاء حقوق ملكية عليه يمكن إنفاذها وتحويلها إلى عائدات مالية. كما دعمت انتشار المعرفة من خلال إنشاء سجلات عامة مفتوحة للآخرين للاطلاع عليها والتعرف على أحدث الاختراعات. وقد ساعدت الملكية الفكرية في تشكيل عالمنا الحديث الذي يشهد ازدهاراً في مجالات التكنولوجيا والابتكار والعلوم والتصميم والثقافة والفنون.

إذا فهمنا الملكية الفكرية من هذا المنظور، فمن الطبيعي أن نرى عملنا كمجتمع عالمي للملكية الفكرية لا يقتصر على إدارة تسجيل حقوق الملكية الفكرية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى بناء عالم يدعم مبتكرينا ومبدعينا، ويحافظ على روح الابتكار والإبداع البشري.

الفوز الجماعي عبر الملكية الفكرية

لا ترتبط الملكية الفكرية بغريزة بشرية عميقة فحسب، بل تتمتع أيضًا بخاصية فريدة. وعلى عكس الممتلكات الملموسة والثابتة، فإنها توفر إمكانية توسيع نطاق القيمة ومشاركتها بشكل قد يكون بلا حدود. ما عليكم سوى التفكير في كيفية منح حق الامتياز لعلامة تجارية واحدة عبر البلدان، أو ترخيص التكنولوجيا ليستفيد منها الكثيرون، أو كيفية بث المحتوى – مثل مباريات كأس العالم – إلى المليارات في الوقت نفسه. الملكية الفكرية هي التي تجعل ذلك ممكناً.

ونظراً لهذه الخاصية التي تتمتع بها الملكية الفكرية، يجب أن نتجنب إغراء الانكفاء على الذات في هذه الأوقات الصعبة والنظر إلى الملكية الفكرية من منظور أن تحقيق الربح يعتمد حتماً على خسارة الآخرين. بدلاً من ذلك، ينبغي أن ندرك أن التعاون والتآزر أمران أساسيان في عالم الملكية الفكرية. ولهذا السبب تعتقد الويبو أن هذا المجال يمكن أن يكون مكانًا تربح فيه الدول الأعضاء معًا، حتى في عالم يتزايد فيه التشكك تجاه التعددية والمؤسسات متعددة الأطراف.

في الواقع، تظهر بياناتنا وتفاعلنا تقاربا متزايدا في كيفية نظرة العالم إلى الملكية الفكرية واستخدامها، بينما تتحول الملكية الفكرية من أمر ثانوي إلى شأن مركزي.

في العام الماضي، تجاوزت الاستثمارات في الأصول غير الملموسة 10 تريليونات دولار أمريكي للمرة الأولى، حيث نمت بوتيرة أسرع بثلاث مرات من الاستثمارات في الأصول الملموسة. والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو مدى اتساع نطاق هذا الزخم. فإلى جانب رواد الابتكار الراسخين مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، تشهد الاقتصادات الناشئة، بما في ذلك الهند والفلبين والبرازيل، نمواً قوياً ومستمراً في الاستثمارات في الأصول غير الملموسة.

وعلى نطاق أوسع، تجاوز حجم التجارة في الملكية الفكرية 1.2 تريليون دولار العام الماضي، أي ما يزيد عن ضعف حجمها منذ عام 2010، حيث تتصدر الولايات المتحدة والصين واليابان هذا المجال، إلى جانب المكسيك وتركيا اللتين تعدان من بين أكبر المتاجرين في مجال الملكية الفكرية.

وبلغ حجم التجارة في السلع الثقافية العالمية رقماً قياسياً قدره 250 مليار دولار أمريكي، حيث تتشكل الثقافة العالمية بشكل متزايد بفضل موسيقى «أفروبيتس» والبوب اللاتيني والكي-بوب، فضلاً عن الأفلام والرسوم المتحركة من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

لذا، في عالم تُتاح لنا فيه فرص هائلة بفضل إمكانات الملكية الفكرية في تسخير الابتكار والإبداع، وحيث يمكن للملكية الفكرية أن تساعد في تقاسم القيمة وتوسيع نطاقها، وحيث يتبنى المزيد والمزيد من البلدان الملكية الفكرية كمسار نحو الازدهار والنمو والتنمية، يمكن للويبو أن تكون المكان الذي نحقق فيه النجاح معاً.

رحلة التحول

أصدقائي الأعزاء، زملائي الأعزاء،

وبما أن هذه هي كلمتي الأخيرة إليكم خلال ولايتي الأولى كمدير عام، فلا يسعني إلا أن ألقي نظرة سريعة إلى الوراء حيث بدأت هذه الرحلة، حتى وأنا أتطلع إلى السنوات الست المقبلة معكم.

عندما جلستُ خلف مكتبي لأول مرة بصفتي المدير العام للويبو في 1 أكتوبر 2020، كان العالم قد انقلب رأساً على عقب. فقد تسببت جائحة كوفيد-19 في اضطراب شديد لا يقتصر على الاقتصادات فحسب، بل امتد ليشمل طريقة عيشنا وعملنا. فقد علقت التفاعلات المباشرة، وجعلتنا نرتدي الأقنعة ونجلس خلف شاشات الحواسيب. كما وضعت ثقتنا في المؤسسات على المحك. ووجد الابتكار والملكية الفكرية نفسيهما في قلب نقاشات صعبة.

كنتُ قد ركزتُ حملتي الانتخابية على وعدين.

أولاً، أنه على الرغم من أن الويبو والملكية الفكرية تتمتعان بأسس قوية، إلا أننا بحاجة إلى إثبات أن الملكية الفكرية ليست مجرد مسألة قانونية وتقنية، بل هي أيضاً محفز قوي للابتكار والإبداع والاستثمارات وفرص العمل ونمو الأعمال التجارية، والتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في نهاية المطاف.

وثانيا، أن الويبو وأنا سنكون جسرا بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب.

لكن في خضم أزمة كوفيد، شعرتُ بأن التحول في مجال الملكية الفكرية يجب أن يصبح أكثر تأثيراً وأن يتسارع وتيرته، وفي ظل العزلة التي فرضتها الجائحة، كان العالم بحاجة إلى هذه الجسور أكثر من أي وقت مضى.

أنا فخور بأننا خلال السنوات الست الماضية، عملنا جميعا بجد كل يوم – كلّكم هنا – لتحقيق هذه الرؤية.

معاً، جعلنا الملكية الفكرية أبسط في الفهم، وفي متناول الجميع، وأكثر صلة بالواقع. لقد وسعنا نطاق الحوار ليتجاوز مجتمع الملكية الفكرية نفسه، وربطنا الملكية الفكرية بالابتكار والإبداع والاقتصاد والمالية والتجارة والثقافة والتكنولوجيا وريادة الأعمال، ليس فقط على المستوى الرفيع بل على مستوى القاعدة الشعبية أيضاً.

تفاعل عدد أكبر من الناس من أي وقت مضى مع الويبو عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصاتنا الرقمية. احتفالات اليوم العالمي بالملكية الفكرية هذا العام حول "الملكية الفكرية والرياضة" وصلت إلى جمهور عالمي قياسي بلغ 85 مليون شخص، مما يثبت أنه عندما نربط الملكية الفكرية بقضايا تهم الناس، يمكننا إثارة حماس الجميع تجاهها.

لذا، يسرني أن أعلن أن موضوع اليوم العالمي للملكية الفكرية العام المقبل سيكون الملكية الفكرية والموضة، وهو مجال آخر مرتبط بكل أنواع الملكية الفكرية.

وفي الوقت نفسه، عززت الويبو دورها كمكان يتشكل فيه مستقبل الملكية الفكرية. معا، أثبتنا أن التعددية يمكن أن تحقق نتائج رغم التحديات، من خلال إبرام معاهدتين تاريخيتين بنجاح في عام 2024، معاهدة الويبو بشأن الملكية الفكرية والموارد الوراثية والمعارف التقليدية المرتبطة بها، ومعاهدة الرياض لقانون التصاميم.

لكن هذا العمل لا يقتصر على المفاوضات الرسمية فحسب. فقد أصبحت الويبو، بشكل متزايد، المكان الذي تجتمع فيه الحكومات والقضاة والشركات والمبتكرون والمبدعون والخبراء والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني لاستكشاف القضايا الناشئة - بدءًا من استخدام تكنولوجيا المعلومات في مكاتب الملكية الفكرية وصولاً إلى تمويل الملكية الفكرية، وتحليلات البراءات، وبشكل متزايد، الفرص والتحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي. وفي عالم سريع التغير، لا يمكن أن تقتصر مسؤوليتنا على الاستجابة السلبية للتغيير، بل يجب أن نعمل بشكل استباقي على تشكيل المستقبل.

كما واصلنا تعزيز قوتنا الدافعة – وهي السجلات العالمية للملكية الفكرية الخاصة بمعاهدة التعاون بشأن البراءات واتفاقية مدريد واتفاقية لاهاي ولشبونة. فقد حصل ما يقرب من مليوني براءة وعلامة تجارية وتصميم على الحماية الدولية عبر سجلات الويبو خلال السنوات الست الماضية، في الوقت الذي واصلنا فيه تحديث الخدمات العالمية للملكية الفكرية التي نقدمها لجعلها أسرع وأسهل في الاستخدام وأكثر تركيزاً على العملاء. تواصل خدماتنا في مجال تسوية المنازعات، المقدمة من خلال مركز الويبو للتحكيم والوساطة، تحقيق نتائج قياسية، وقد قمنا بتوسيع نطاق الدعم المقدم لإنفاذ حقوق الملكية الفكرية من خلال التشريعات، وبناء القدرات، ومنصات مكافحة القرصنة مثل WIPO Alert وWIPO Alert Pay، وتحسين إجراءات التسجيل الجمركي.

كما قدمنا دعماً قوياً لرقمنة مؤسسات الملكية الفكرية. ويستخدم أكثر من 90 مكتباً للملكية الفكرية منصة «IPAS» الخاصة بنا لتحديث عملياتها، وتستفيد منظمات الإدارة الجماعية فيما يقرب من 60 بلداً من منصة «WIPO Connect». كما نعمل على تكثيف المبادرات العملية مثل «المنصة العالمية لتخصيص حقوق الملكية الفكرية»، التي تسعى إلى تقليل العقبات والتعقيدات التي تواجه نقل وتخصيص حقوق الملكية الفكرية.

وفي الوقت نفسه، يتزايد عدد الحكومات التي تستخدم بياناتنا وتحليلاتنا بشكل أعمق، بما في ذلك مؤشر الابتكار العالمي، لتنسيق السياسات وتعزيز الابتكار والنظام الإيكولوجي للابتكار. ومن خلال التطوير المستمر لمنصات مثل WIPO GREEN، نُظهر كيف تساهم حقوق الملكية الفكرية في حل التحديات العالمية المشتركة.

تتمحور جميع هذه الجهود حول السياسات والمؤسسات، لكن أحد أهم التغييرات في أسلوب عملنا هو إيصال فوائد الملكية الفكرية بطريقة ملموسة وواضحة إلى المستفيدين على أرض الواقع. فقد كان التركيز على التأثير والشمولية محور اهتمامنا.

في جميع أنحاء العالم، ندعم النساء والشباب والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وسكان المناطق الريفية والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية لاستخدام الملكية الفكرية في تحقيق مختلف تطلعاتهم.

وتعكس مبادرات مثل IP GAP، وهي خطة العمل الأولى الخاصة بنا في مجال المساواة بين الجنسين، وIP YES!، وهي استراتيجيتنا الأولى لتمكين الشباب، ومنصة المبدعين لتعلم الملكية الفكريةCLIP – هذا التصميم على ضمان وصول فوائد الملكية الفكرية إلى عدد أكبر من الناس على أرض الواقع أكثر من أي وقت مضى.

النتائج تتحدث عن نفسها.

منذ عام 2020، دربت أكاديمية الويبو أكثر من 800,000 شخص، وبلغ العدد الإجمالي مع معاهد التدريب على الملكية الفكرية 1.3 مليون شخص. واستخدمت أكثر من 100,000 مؤسسة صغيرة ومتوسطة الحجم أداة تشخيص الملكية الفكرية الخاصة بنا، بما في ذلك 60,000 مؤسسة في العام الماضي وحده.

وقد استجابت شبكتنا المكونة من 1,800 مركز لدعم التكنولوجيا والابتكار لأكثر من 2.5 مليون طلب العام الماضي في ما يقرب من 100 دولة. كما تجاوز عدد المستفيدين من مشاريعنا المخصصة في مجال الملكية الفكرية حول العالم 25,000 مستفيد، وهي مشاريع تستمر لمدة تتراوح بين 6 و12 شهراً، ليس فقط في المناطق النامية بل في البلدان المتقدمة أيضاً.

ويكمن الأساس في إدارة الويبو المالية وإدارتها للأداء القوية بالطبع. وقد أولينا اهتماماً وثيقاً لهذا الأمر وحافظنا على وضع مالي قوي، حيث اختتمنا فترة السنتين بنتيجة تشغيلية بلغت 144.1 مليون فرنك سويسري وفائض إجمالي قدره 224.5 مليون فرنك سويسري. وقد نمت احتياطاتنا بما يسمح لنا بالاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية ومواردنا لخدمتكم بشكل جيد دون إثقال كاهلكم بمزيد من الاشتراكات. وقد حققنا ذلك مع العمل في الوقت نفسه على تحديث عملياتنا، والاستثمار في موظفينا، وبناء منظمة أكثر مرونة وكفاءة واستعدادًا للمستقبل.

ولكن وراء كل هذه الإحصاءات والتقارير يوجد أشخاص حقيقيون قد تغيرت حياتهم، وأود أن أروي قصة واحدة فقط بين تلك القصص البالغ عددها 1.3 مليون قصة أثرنا فيها خلال السنوات الست الماضية، وهذه هي قصة بيسيرفيرانس موزيا، وهي سيدة أعمال من زيمبابوي.

عندما سافرت بيسيرفيرانس إلى رواندا في عام 2023 لحضور قمة الويبو للأعمال الزراعية، أحضرت معها مشروعًا تجاريًّا استثنائيًّا، بنته بفضل العزيمة والإبداع وسنوات من العمل الدؤوب. ومع ذلك، وعلى الرغم من جودة منتجاتها، لم تكن لشركتها، Alzanael Group، علامة تجارية مميزة، ولا حماية للملكية الفكرية، وكان حضورها في الأسواق الدولية محدودًا.

من خلال برنامجنا للإرشاد في مجال الملكية الفكرية، ساعدنا بيسيرفيرانس على تطوير علامة تجارية مميزة، وإعادة تصميم العبوات، والحصول على حماية للعلامة التجارية.

وكانت النتائج مؤثرة. فقد حصلت بيسيرفيرانس على منحة دولية كبرى للابتكار، وزادت مبيعاتها بنسبة 50 في المائة، ووسعت نطاق حماية علاماتها التجارية في جميع أنحاء أفريقيا، وأسست حضوراً لها عبر الإنترنت. وفي العام الماضي، أبرمت مشروعاً مشتركاً بقيمة 20 مليون دولار مع شركة دولية، وهو ما أصبح ممكناً لأن مشروعها أصبح علامة تجارية معروفة وجذابة للاستثمار.

ولكن ربما يكون الجزء الأهم من هذه القصة هو ما تلا ذلك. بعد أن اختبرت بيسيرفيرانس بنفسها قيمة الملكية الفكرية، أصبحت الآن توجه رواد أعمال آخرين، وتساعدهم على بناء أعمالهم الخاصة. تذكرنا قصتها بأن الملكية الفكرية لا تقتصر على حماية الأفكار فحسب، بل تفتح آفاق الفرص، وتخلق القيمة، وتغير حياة الناس.

التطلع إلى المستقبل

زملاء وأصدقائي الأعزاء،

على مدى السنوات الست الماضية، بنينا أسساً متينة وبدأنا عملية التحول في الويبو وفي مفهوم الملكية الفكرية. وقد أكدتم مراراً وتكراراً على هذا التحول، وسنواصل بالفعل هذه الرحلة معاً.

ولكن، كثيرون منكم يتساءلون عن طموحاتي للسنوات الست المقبلة، لذا اسمحوا لي أن أغتنم هذه الفرصة لأشارككم 4 أهداف لدي.

حلمي الأول هو أن تصبح الملكية الفكرية جزءاً لا يتجزأ من الحياة العامة حقاً: ألا يُنظر إليها بعد الآن على أنها أمر تقني أو بعيد المنال أو يقتصر على الخبراء، بل أن يُعترف بها في كل مكان باعتبارها إحدى أهم الأدوات لدعم رواد الأعمال والمبدعين والباحثين والشركات والمجتمعات. عندما يتحدث أحد عن التكنولوجيا أو العلامات التجارية أو التصاميم أو الفنون أو الثقافة أو الزراعة أو التجارة أو الاقتصاد، يجب أن يدرك أن الملكية الفكرية ذات أهمية حاسمة في جميع هذه المجالات. لقد قطعنا شوطاً في هذا الاتجاه، لكن لا يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به.

أولاً، سنحتاج إلى مواصلة تحديث وتعزيز قوتنا الدافعة – وهي خدمات الملكية الفكرية العالمية – من خلال تسخير أقصى إمكانات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الأخرى دون التخلي عن اللمسة الإنسانية. كما سنواصل تغطية دورة حياة الملكية الفكرية بأكملها، بدءاً من الحماية والتسجيل وتسوية المنازعات، وصولاً إلى التسويق التجاري للملكية الفكرية وتحويلها إلى عائدات مالية وتمويلها. نريد أن تحظى الأفكار الجيدة بحماية قوية من خلال تسجيلها كملكية فكرية، لكننا نريد أيضاً أن تصل هذه الملكية الفكرية المسجلة إلى السوق حيث تصبح قيمتها القانونية قيمة اقتصادية.

ثانياً، سنحتاج إلى توسيع نطاق تأثيرنا. يجب أن نبني على ما تعلمناه خلال السنوات الست الماضية، وأن ننتقل من المشاريع المخصصة إلى البرامج القابلة للتوسع. يجب أن يمتد نطاق عملنا من مئات الآلاف إلى الملايين. لكننا لا نستطيع تحقيق ذلك بمفردنا. فتوسيع نطاق التأثير سيعتمد بشكل كبير على الشراكات، وهنا سيكون دعمكم بالغ الأهمية.

ثالثًا، سنحتاج إلى دعم واضعي السياسات كي ينظروا إلى الملكية الفكرية ليس فقط كإطار قانوني، بل كجزء لا يتجزأ من مستقبل بلدانهم وشركاتهم ومجتمعاتهم، وذلك من خلال البيانات والأفكار وبناء النظام الإيكولوجي للابتكار والإبداع الذي يساهم في النمو والتصدي للتحديات العالمية التي تواجهنا.

وحلمي الثاني هو بناء حركة عالمية واحدة للملكية الفكرية: تكون فيها البلدان المتقدمة والنامية، والاقتصادات الناشئة والبلدان الأقل نمواً على حد سواء، مبدعين ومستخدمين ومستفيدين من النظام الدولي للملكية الفكرية؛ ولا يقتصر الابتكار على أماكن قليلة فحسب، بل يزدهر في كل منطقة من مناطق العالم؛ وتتاح لكل بلد الفرصة للمساهمة في الاقتصاد العالمي للملكية الفكرية والابتكار والإبداع والاستفادة منه.

وسيتطلب تحقيق هذه الرؤية منا سد الفجوات والتباينات، وبناء الثقة، ومواصلة البحث عن مجالات التوافق والتقارب التي تساعد على دفع أجندة الملكية الفكرية إلى الأمام. لكنه يتطلب منا أيضًا بناء منظومة أكثر شمولًا للملكية الفكرية: منظومة تتمكن فيها النساء والشباب والشركات الصغيرة والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية وغيرها من المشاركة بشكل كامل والاستفادة من الفرص التي يخلقها الابتكار والإبداع.

حلمي الثالث هو ضمان أن يكون النظام الإيكولوجي العالمي للملكية الفكرية جاهزاً للمستقبل ومناسباً للمبتكرين والمبدعين والشركات المستقبلية وليس تلك التي تنتمي إلى الماضي.

ولتحقيق ذلك، سنواصل تحديث النظام الإيكولوجي العالمي للملكية الفكرية، وضمان أن تتطور معاهداتنا وخدماتنا ومنصات البيانات والأدوات الرقمية لدينا بسرعة الابتكار نفسه — بحيث نستبق التغيير بدلاً من الرد عليه، ونقدم خدمات أسرع وأكثر ذكاءً وأكثر سهولة في الوصول إليها للجميع.

لكن التحديث لا يقتصر على الأدوات فحسب، بل يشمل النظام الإيكولوجي والبنية أيضًا. نحن بحاجة إلى أن نكون مستعدين للمستقبل، حتى لا تظل الملكية الفكرية ذات صلة فحسب، بل مزدهرة أيضًا، في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت طريقة ابتكارنا مزيجًا متزايدًا من الابتكار في المجال الصناعي والرقمي والثقافي.

وسنكثف عملنا في مجال الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي، وسننظمه على غرار العجلات الأربع للسيارة.

أولاً، سنوفر للدول الأعضاء منتدى لمناقشة قضايا الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي بشكل شامل واستراتيجي من خلال المنتدى العالمي الجديد للملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي، الذي سيعقد في الفترة من 9 إلى 10 نوفمبر من هذا العام. ونرحب بانضمام الوزراء وكبار صانعي السياسات إلينا في هذه المناسبة.

ثانياً، أطلقنا في أبريل من هذا العام منصة تبادل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لمنح الخبراء من مختلف القطاعات مكاناً محايداً وآمناً لمناقشة القضايا الفنية المتعلقة بالبنية التحتية للملكية الفكرية، مثل المعرّفات الرقمية والبيانات الوصفية والعلامات المائية، من بين أمور أخرى. وسيتم إبلاغ الدول الأعضاء بانتظام بالرؤى التي يقدمها هؤلاء الخبراء، وستُدرج في مناقشاتكم.

ثالثًا، تعمل الويبو بالفعل على تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التي ستُقدَّم إلى الدول الأعضاء لاستخدامها. وسيبدأ ذلك بفحص العلامات التجارية ثم يمتد إلى مجالات أخرى، ونعتزم تجربة ذلك بشكل تجريبي مع عدد قليل من البلدان بحلول منتصف العام المقبل، قبل تطويره ونشره على نطاق أوسع بكثير. ونرحب بمكاتب الملكية الفكرية الأخرى للانضمام إلينا في المشاركة في إنشاء وتبادل الأدوات التي تقومون بتطويرها، حتى نحد من الازدواجية ونعزز التعاون.

رابعاً، سنواصل تقديم المشورة الفنية والمساعدة التشريعية والجهود الأخرى لبناء القدرات، بما في ذلك تدريب رواد الأعمال في مجال الذكاء الاصطناعي على استخدام هذه التقنيات القوية لصالح الآخرين. ومن المشاريع المثيرة في هذا الصدد تعاوننا مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى لتدريب رواد الأعمال في مجال الذكاء الاصطناعي في أفريقيا على معالجة قضايا الرعاية الصحية.

وحلمي الأخير هو مواصلة تطوير الويبو لتصبح منظمة جديرة بالثقة التي تضعها الدول الأعضاء فينا، وذلك أيضًا كجزء من عملية الأمم المتحدة 80: نريد أن نكون مسؤولين ماليًا، وذوي خبرة رقمية، ومتميزين تشغيليًا، وموثوقين في جميع أنحاء العالم بفضل احترافنا ونزاهتنا.

وفي عالم تواجه فيه المؤسسات المتعددة الأطراف شكوكاً متزايدة، آمل أن تتمكن الويبو من إثبات أن وكالات الأمم المتحدة في القرن الحادي والعشرين رقمية وفعالة واستباقية وحيوية، والأهم من ذلك، أنها تحقق تأثيراً ملموساً وملحوظاً على أرض الواقع.

زملائي الأعزاء، أصدقائي الأعزاء،

تنبع هذه الأحلام من القناعتين اللتين شاركتكم إياهما سابقاً – بأن دور الملكية الفكرية يرتبط ارتباطاً جوهرياً بروح الابتكار والإبداع الإنسانية، وأن الملكية الفكرية هي وسيلة لنا للتعاون والتآزر.

هذا العمل لا يحدث في فراغ، ويجب أن تكون الرؤية متوافقة مع انشغالات العالم الواقعي. لكن، على حد تعبير الرئيس كينيدي، نختار القيام بهذه الأمور ليس لأنها سهلة، بل لأنها صعبة. وفي هذا المسعى، يمكننا أن نستمد الثقة من أولئك الذين نخدمهم، ومن التاريخ الرائع لنظام الملكية الفكرية العالمي نفسه.

لقد شهد العالم مرارًا وتكرارًا تحولات سياسية واقتصادية وثقافية وتكنولوجية. ومع ذلك، فإن نظام الملكية الفكرية لم يكتفِ بالبقاء فحسب، بل تطور وتكيف وأصبح أقوى لأنه ظل وفياً لغرضه الأساسي المتمثل في خدمة المبتكر والمبدع البشري.

وسنبقى أوفياء لهذا الغرض، وسنواصل معاً بناء عالم تكون فيه الملكية الفكرية للجميع، في كل مكان.

شكراً لكم.