تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من الاستفادة من الملكية الفكرية من أجل الابتكار

يونيو 2021

فرانك تيتز، رئيس مختبر إدارة الملكية الفكرية، قسم الهندسة، جامعة كامبريدج، المملكة المتحدة

تستأثر الشركات الصغيرة والمتوسطة بنسبة كبيرة من الأنظمة الاقتصادية، سواء في البلدان المتقدمة أو البلدان الأقل نموا. وهي تساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي كما أنها مصدر مهم للابتكار في جميع القطاعات والأسواق وجوانب الحياة. وخلال جائحة كوفيد-19 الحالية، ساهمت الشركات الصغيرة والمتوسطة في تطوير منتجات حاسمة لمواجهة الأزمة. وتشمل الأمثلة إس إم إي بيوإنتيك ومقرها ألمانيا في مجال اللقاحات وبينيفولنت إيه آي في مجال تحديد علاج لكوفيد-19 والذي حصل مؤخرًا على موافقة إدارة الغذاء والدواء. وتقف الشركات الصغيرة والمتوسطة أيضًا وراء العديد من أدوات التواصل الرقمي التي نستخدمها الآن بصفة يومية.

فطنت نوتريست إلى قوة الملكية الفكرية، وتهدف هذه الشركة إلى توفير التغذية للفئات الضعيفة في البلدان الأقل نموا، وقد أنشأت نموذج الامتياز الذي أسست من خلاله مصانع محلية في غرب أفريقيا، وخلقت 400 وظيفة دائمة. وفي عام 2020 وحده، استفاد مليون طفل من نوتريست. (الصورة: بإذن من نوتريست)

وتعتبر الملكية الفكرية بأشكالها المختلفة، بدءًا من البراءات والعلامات التجارية إلى حقوق التصميم وحق المؤلف، ذات أهمية كبيرة للشركات الصغيرة والمتوسطة. ويظهر عدد من الدراسات أن الشركات بشكل عام، والشركات الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص، تعمل بشكل أفضل عندما تهتم بالملكية الفكرية الخاصة بها. ويمكن القول إن الملكية الفكرية تحدث فرقًا كبيرًا، ولا سيما في ثروات شركات الغزلان "Gazelles" (الشركات الصغيرة والمتوسطة الطموحة وذات النمو المرتفع)؛ والشركات الناشئة عندما تكون أصغر؛ والشركات الكبيرة عندما تنجح. ولنأخذ بعض الأمثلة لتوضيح كيف أحدثت الملكية الفكرية فرقًا.

تظهر الدراسات أن الشركات بشكل عام، والشركات الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص، تعمل بشكل أفضل عندما تهتم بالملكية الفكرية الخاصة بها.

سويفتكي

سويفتكي هي شركة ذكاء اصطناعي تأسست في عام 2008 من قبل خريجين من جامعة كامبريدج. وفي عام 2016، استحوذت مايكروسوفت على الشركة التي كانت آنذاك في فئة الشركات الصغيرة والمتوسطة مقابل 250 مليون دولار أمريكي. وبالطبع، هناك العديد من الأسباب لهذا التقييم الضخم، لكنني أجد صعوبة في تخيل أن المؤسسين كانوا سيحققون مثل هذا الخروج إذا لم يولوا اهتمامًا بالملكية الفكرية. فمن المثير للاهتمام أن سويفتكي وظفت في عام 2013 غاريث جونز، مدير الملكية الفكرية ذي الخبرة الذي جلب الخبرة من شركتين خبيرتين في الملكية الفكرية، وهما فودافون و آي بي إم. وربما شكك البعض في قرار سويفتكي بتعيين خبير في الملكية الفكرية بتكلفة باهظة في ذلك الوقت، لكنني أقول بأنه كان قرارًا ذكيًا حقًا؛ فقد أتى هذا الاستثمار ثماره بالتأكيد. فقد عُين السيد جونز لرعاية الملكية الفكرية الخاصة بسويفتكي حتى تتمكن من اجتياز إجراءات العناية الواجبة التي تجريها الشركات المتعددة الجنسيات للتمحيص في الشركات التي تهدف إلى الاستحواذ عليها. وعندما سمعت عن هذه القضية، ذكّرتني بزيارة وحدة المشاريع التابعة لمجموعة فولفو في السويد في أيام دراستي. فخلال الزيارة، أخبرني رئيس وحدة المشاريع في ذلك الوقت أنهم سرعان ما يفقدون الرغبة في الاستحواذ على الشركات الصغيرة والمتوسطة إذا لم تستطع إثبات أنها كفلت حماية ملكيتها الفكرية في الأسواق المعنية على مستوى العالم. ولذلك، على الرغم من صعوبة إثبات ذلك، إلا أنني أعتقد أنه على الرغم من أن سويفتكي ربما كانت ستتمكن من بيع شركتها إلى مايكروسوفت أو إلى شركة أخرى متعددة الجنسيات دون أن تكون ملكيتها الفكرية مكفولة، إلا أنها من المؤكد أنها كانت ستفعل ذلك بسعر أقل بكثير. وأخمن أنها كانت ستتمكن من بيع الشركة بحوالي 50 مليون دولار أمريكي. وهذا أقل بخمس مرات مما دفعته مايكروسوفت للحصول عليها.

نوتريست

(الصورة: بإذن نوتريست)

قد تقول إن هذه حالة واحدة من قطاع الذكاء الاصطناعي "المعاصر"، لذا اسمح لي أن أقدم لك مثالاً آخر عن كيفية استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة من الملكية الفكرية. ففيما يخص مشروع البحث المعنون "الملكية الفكرية لتسريع التحولات المستدامة" الذي يموله منتدى بلمونت، أجرينا مؤخرًا مقابلة مع الرئيس التنفيذي لشركة نوتريست، وهي شركة فرنسية تعمل في القطاع الإنساني. تعكف هذه الشركة الرائعة على مهمة توفير الغذاء للجميع، ولا سيما الأطفال المعرضين للخطر والنساء الحوامل في البلدان الأقل نمواً، وفي الغالب في إفريقيا. ويبدو جليًا أن نوتريست فطنت إلى قوة الملكية الفكرية واستغلتها بنجاح بعدة طرق مختلفة. فلم تكن نوتريست ترغب في إنتاج منتج إنساني في مصنع آلي عالي الكفاءة في أوروبا ثم شحنه إلى البلدان الأقل تقدمًا. بدلاً من ذلك، طورت الشركة نموذج عمل يهدف إلى إحداث تأثير مستدام وتمكين خلق فرص العمل وتنمية المهارات. ولكي ينجح ذلك، استخدمت نوتريست البراءات لحماية المنتفعين من حق الامتياز المحليين في البلدان الجنوبية من المنافسين من شمال العالم. فقد كان من الممكن أن ينتج هؤلاء الآخرون منتجات مقلدة على نطاق واسع بتكاليف أقل من تلك التي يمكن أن يتكبدها المنتفعون من امتياز نوتريست. وكان هذا من شأنه أن يقوض مهمة نوتريست المتمثلة في خلق تأثير مستدام في البلدان النامية من خلال تعزيز قدرات التصنيع المحلية. وفي الواقع، ينافس نوتريست اليوم حوالي 20 منافسًا، اثنان منهم فقط من شمال العالم. وقد استخدمت نوتريست براءاتها لتأمين مهلة كافية لإنشاء نموذج امتياز تكشف من خلاله عن الملكية الفكرية المحمية بالبراءات والمعرفة التكميلية، مثل المعرفة العملية والتراخيص الخاصة باستخدام علامتها التجارية. ومن خلال هذا النموذج، أسست مصانع محلية في غرب إفريقيا، مما أدى إلى خلق حوالي 400 فرصة عمل دائمة. وفي عام 2020 وحده، استفاد من منتجات نوتريست حوالي مليون طفل، وكان لها تأثير إيجابي غير مباشر على الصناعات المحلية.

يمكن استخدام الملكية الفكرية في تحقيق كل من النجاح الاقتصادي وإحداث تأثير اجتماعي إيجابي.

التحديات المتعلقة بالملكية الفكرية التي يواجهها العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة

توضح هذه الأمثلة أنه يمكن استخدام الملكية الفكرية في تحقيق كل من النجاح الاقتصادي وإحداث تأثير اجتماعي إيجابي. ومع ذلك، يواجه العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة تحديات تتعلق بالملكية الفكرية. أولاً، يُقال إن المديرين التنفيذيين للشركات الصغيرة والمتوسطة يرون أن البراءات مكلفة. وهذا صحيح، فهي تكلف أموالاً، لكن يجب وضع هذه التكلفة في الميزان. أولاً، من المهم أن تضع في اعتبارك أن الأصول غير الملموسة هذه الأيام تشكل عادةً ما لا يقل عن 70 في المائة من الأصول الأساسية للشركة. ثانيًا، تشير الإحصائيات إلى أن أسرة البراءات المتوسطة، التي تغطي ما يصل إلى 10 مقاطعات ويُحتفظ بها لمدة 10 سنوات فقط (من 20 بحد أقصى) تؤدي إلى تراكم تكاليف إجمالية قدرها حوالي50,000 جنيه إسترليني (حوالي 70,000 دولار أمريكي). ومع وضع هذه العوامل في الاعتبار، إذا كانت براءة معينة تحمي الأصول الأساسية للشركة، ألا يستحق الأمر إنفاق مبلغ يعادل راتب سنوي لمهندس بحث وتطوير للحفاظ على ملكية اختراعك، والذي تتوزع تكلفته على عدة سنوات؟ وبغض النظر عن التكاليف، تنشئ الشركات الصغيرة والمتوسطة وتملك أصول ملكية فكرية قابلة للحماية بموجب براءة، بالإضافة إلى العديد من الأصول القابلة للحماية بموجب حق المؤلف في شكل كود برمجي ومحتوى صفحة إلكترونية ومواد تجارية أخرى، مثل الكتيبات والمعرفة السرية والخوارزميات والبيانات، وفي العديد من الحالات، العلامات التجارية. وحتى اليوم، وبعد خوضها غمار اقتصاد المعرفة لسنوات عديدة، غالبًا ما تفتقر الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الفهم العام لحقوق الملكية الفكرية وكيفية استخدامها.

طور مختبر إدارة الابتكار والملكية الفكرية في قسم الهندسة بجامعة كامبريدج أداة لرسم خرائط طريق الملكية الفكرية لمساعدة المديرين التنفيذيين للشركات الصغيرة والمتوسطة على إجراء محادثات منظمة حول أفضل استخدام للملكية الفكرية لفائدة شركاتهم. (الصورة: بإذن من فرانك تيتز)

وعلى الرغم من أهمية إنشاء الملكية الفكرية والقدرة على المطالبة بالملكية، إلا أنه يتعين على المرء أن يضع في اعتباره أن منح حقوق الملكية الفكرية لا يحدد مسبقًا كيفية استخدام الأصول التي تحميها. فهذا متروك للمالك. وتمكّن حقوق الملكية الفكرية أصحابها من اتخاذ قرارات بشأن كيفية استخدامها ومن قبل من. ولنطرح سيناريو للتوضيح. تخيل أنك تمتلك منزلًا بدون باب أمامي. حينها سيكون من الصعب عليك منع الغرباء من الدخول وتناول ما في ثلاجتك أو الاستمتاع بمشاهدة الأفلام على الأريكة أو أخذ قيلولة في سريرك، أليس كذلك؟ إذن حقوق الملكية الفكرية هي الباب الأمامي لمنزلك. فهي تسمح لك باتخاذ قرارات بشأن من تحب أن يكون موجودًا. وإذا رغبت، يمكنك إبقاء الباب مغلقًا وعدم السماح لأي شخص بالدخول. أو يمكنك تطبيق سياسة المنزل المفتوح التي تدعو الأصدقاء والعائلة للزيارة. وقد تقرر حتى إدراج ممتلكاتك على إير بي إن بي وجني بعض المال منها. ولكن بدون باب أمامي، سيكون من الصعب الاستفادة من هذه الخيارات.

فضلاً عن ذلك، بينما يمكن للشركات الصغيرة والمتوسطة أن تعثر على الكثير من معلومات الملكية الفكرية عبر الإنترنت، إلا أنه للأسف، لا يتوفر سوى عدد قليل من الأدوات الفعالة التي تساعد المديرين التنفيذيين على استكشاف الخيارات الاستراتيجية لتحقيق أهداف تجارية معينة. وفي الوقت نفسه، بينما يوجد العديد من وكلاء البراءات الأكفاء، إلا أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تجد في كثير من الأحيان مشقة في الحصول على مشورة مستقلة حقًا، على الأقل دون الحاجة إلى تخصيص موارد مالية كبيرة. وكجزء من بحثنا في مختبر إدارة الابتكار والملكية الفكرية في قسم الهندسة بالجامعة، شرعنا في تطوير مجموعات أدوات ذات عتبات وصول منخفضة للشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة. ومن الأمثلة على ذلك أداة رسم خرائط طريق الملكية الفكرية التي وُضعت بالاشتراك مع أكثر من 20 شركة، معظمها من الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة. وهي مصممة لمساعدة المديرين التنفيذيين للشركات الصغيرة والمتوسطة على إجراء محادثات منظمة حول أفضل استخدام للملكية الفكرية لفائدة شركاتهم. وتُستخدم أداة رسم خرائط طريق الملكية الفكرية في شكل حلقة عمل، باستخدام قوالب مرئية توجه المشاركين خلال عملية من أربع خطوات.

(الصورة: بإذن من فرانك تيتز)

إدارة الملكية الفكرية في سياق الابتكار المفتوح

تثير إدارة الملكية الفكرية في إطار مشاريع الابتكار المفتوح مجموعة أخرى من التحديات المهمة المتعلقة بالملكية الفكرية في مواجهة الشركات الصغيرة والمتوسطة. حيث يشارك المزيد والمزيد من الشركات في أنشطة تعاونية، بما في ذلك مع الشركات المتعددة الجنسيات الكبيرة والجامعات لتطوير منتجات وخدمات وحلول مبتكرة بشكل مشترك. وفي الواقع، نظرًا لأن الحكومات، بما في ذلك المفوضية الأوروبية، تتبنى الابتكار المفتوح، فقد تجد الشركات الصغيرة والمتوسطة نفسها منخرطة في مشاريع الابتكار المفتوح الثنائية أو المتعددة الأطراف، مثل اتحادات هوريزون الممولة من المعهد الأوروبي للإبداع والتكنولوجيا. وبينما لا يزال يمثل كل من تطوير الملكية الفكرية واستخدامها تحديًا للشركات الصغيرة والمتوسطة، إلا أن مشاريع الابتكار المفتوح هذه تأتي مع مشاكلها الخاصة المتعلقة بالملكية الفكرية. على سبيل المثال، عند الانخراط في مشاريع ابتكار مفتوحة، يتعين على الشركات الصغيرة والمتوسطة التفاوض على اتفاقات تعاون مع شركائها، والتي قد تكون شركة كبيرة متعددة الجنسيات مع فريق كبير من المحامين. وعند المشاركة في مثل هذه الأنشطة التعاونية، يجب على الشركات الصغيرة والمتوسطة أن تجري تقييمات لمخاطر الملكية الفكرية، وتحديد الملكية الفكرية الأساسية الخاصة بها والتفاوض بشأن من سيمتلك أي ملكية فكرية لاحقة، والتي سيشرع الشركاء في تطويرها معًا.

الشركات الصغيرة والمتوسطة تفتقر إلى الدعم المخصص لمواجهة تحديات معينة تتعلق بالملكية الفكرية عند الانخراط في الابتكار المفتوح.

في مشروع بوينت الجاري للمفوضية الأوروبية أجرى فريقي مقابلات مع شركات صغيرة ومتوسطة في جميع أنحاء أوروبا لبناء تصور حول التحديات التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة عند الابتكار في سياق الشراكات التعاونية. ويهدف هذا المشروع إلى تحديد التدخلات المثلى وتقديم توصيات حول الكيفية التي يمكن أن تساعد بها المفوضية الأوروبية في معالجة التحديات. وتظهر نتائجنا الأولية أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تفتقر إلى الدعم المخصص لمواجهة تحديات معينة تتعلق بالملكية الفكرية عند الانخراط في الابتكار المفتوح. ويبدو أن تقديم المزيد من الدعم في هذا الصدد يعتبر استثمارًا أفضل يُساعد في توسيع أفق الجيل القادم من الشركات الصغيرة والمتوسطة الناجحة بدلاً من إتاحة نماذج الترخيص عبر الإنترنت أو أدلة صياغة العقود.

الغرض من مجلة الويبو مساعدة عامة الجمهور على فهم الملكية الفكرية وعمل الويبو، وليست المجلة وثيقة من وثائق الويبو الرسمية. ولا يراد بالتسميات المستخدمة وبطريقة عرض المادة في هذا المنشور بأكمله أن تعبر عن أي رأي كان من جهة الويبو بشأن الوضع القانوني لأي بلد أو إقليم أو منطقة أو سلطاتها أو بشأن تعيين حدودها أو تخومها. ولا يراد بهذا المنشور أن يعبر عن آراء الدول الأعضاء أو أمانة الويبو. ولا يراد بذكر شركات أو منتجات صناعية محددة أن الويبو تؤيدها أو توصي بها على حساب شركات أو منتجات أخرى ذات طبيعة مماثلة وغير مذكورة.