الملخص التنفيذي

تُعرّف منظمة الصحة العالمية التكنولوجيات الصحية على أنها التكنولوجيات التي تشمل الأدوية، والأجهزة الطبية، والتكنولوجيات المساعدة، والتقنيات والإجراءات التي تم تطويرها لحل المشاكل الصحية وتحسين نوعية الحياة. (1)منظمة الصحة العالمية (2023). التكنولوجيات الصحية؛ متوفر على الرابط التالي: https://www.who.int/europe/news-room/fact-sheets/item/health-technologies.ولقد سلّطت جائحة كوفيد-19 الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه مختلف أنواع التكنولوجيات الصحية في تعزيز صحة الإنسان وحمايتها.

وتشكل الأجهزة الطبية مجموعة فرعية رئيسية ضمن إطار هذا المجال الواسع من التكنولوجيات الصحة. ويُستخدم مصطلح "الأجهزة الطبية" كمصطلح شامل، يشمل مجموعة واسعة من الأدوات والمعدات والآلات والمواد المستخدمة للوقاية من الأمراض أو الحالات الطبية وتشخيصها وعلاجها.  (2)المرجع نفسه. وتشمل الأجهزة الطبية أجهزة التشخيص المختبري (IVDs)، ومعدات التصوير، والأدوات الجراحية، ومعدات الإبقاء على الحياة، والأجهزة المساعدة، وأدوات طب الأسنان، ومُعينات الرؤية. وقد تختلف درجة تعقيد هذه الأجهزة بشكل كبير. فالبعض منها بسيط من حيث التصميم والوظيفة، مثل الضمادات، وموازين الحرارة، والسماعات الطبية، وأدوات وملاقط الجراحة، والضمادات المُطهِّرة. والبعض الآخر، أكثر تقدماً بكثير، ويستخدم تكنولوجيات متطورة، مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب، وأجهزة غسيل الكلى، وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، والأطراف الصناعية، ومضخات الأنسولين، ومعدات الجراحة بالليزر، وأجهزة السمع، وغيرها من الأجهزة. وعلى الرغم من دورها البارز في أنظمة الرعاية الصحية، فإن الأجهزة الطبية لم تحظ باهتمام كبير مقارنة بفئات أخرى من التكنولوجيات الصحية مثل الأدوية واللقاحات.

وتحتوي الأجهزة الطبية المتطورة عادة على مكونات معقدة جدًا من حيث هندستها ومواصفاتها. وتؤدي عمليات تطوير هذه الأجهزة وتصنيعها إلى خلق تحديات فريدة من نوعها. وتشمل هذه التحديات الحاجة إلى قدرات تصنيع متخصصة؛ ومواكبة التقدم التكنولوجي السريع؛ والحاجة المستمرة لتحسين هذه الأجهزة وللمزيد من الابتكار. وهي تتأثر أيضا بشكل كبير بالمشاكل التي تواجهها سلاسل التوريد العالمية.

التركيز على الأجهزة الطبية المتطورة

تُركّز هذه الدراسة بشكل خاص على الأجهزة الطبية المتطورة، والتي يشار إليها فيما بعد باسم "التكنولوجيات الطبية". وتتطرق إلى نظام الملكية الفكرية والابتكار المطلوب لدعم نمو قطاع التكنولوجيا الطبية وتحسين امكانية الوصول الى الأجهزة الطبية المتطورة في البلدان الأقل نمواً.

وتشير التحاليل المنهجية إلى أن بعض الأمراض غير المعدية (مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة) منتشرة أكثر في البلدان الأقل نموا مقارنة بالبلدان النامية والمتقدمة، وفي الوقت نفسه تعاني هذه البلدان من ضعف التوعية والإدارة فيما يتعلق بهذه الأمراض بسبب محدودية خيارات الكشف الطبي والعلاج المتوفرة. وتتم غالبًا إدارة الأمراض غير المعدية باستخدام التكنولوجيات الطبية، بما في ذلك الأجهزة المعقدة (على سبيل المثال، مضخات الأنسولين لمرض السكري أو أجهزة تنظيم ضربات القلب لأمراض القلب والأوعية الدموية) أو الأجهزة التي تتطلب بنية تحتية معقدة (على سبيل المثال، أجهزة التصوير المقطعي المحوسب وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي لتشخيص السكتة الدماغية، أو مختبرات أمراض القلب التداخلية لوضع أنابيب فتح الشرايين باستخدام تدخلات جراحية محدودة). (3)منظمة الصحة العالمية (2017). البلدان الأقل نمواً: الصحة ومنظمة الصحة العالمية: ملخص عن العمليات؛ متوفر على الرابط التالي: https://iris.who.int/handle/10665/255802.

نُدرة الحلول التي يوفرها قطاع التكنولوجيا الطبية في البلدان الأقل نمواً

على عكس نظرائهم في البلدان التي تتمتع بموارد أكثر، (4)أ. س. سرفيستاني وك. هـ. سينكو (2018). المشهد المتعلق بالأجهزة الطبية للأمراض المعدية وغير المعدية في البلدان المنخفضة الدخل.العولمة والصحة. لقد اعتمدنا على تقرير حديث حول البلدان المنخفضة الدخل لتوضيح حالة البلدان الأقل نمواً. ونحن ندرك أنه على الرغم من أن تعريف كل فئة يستند إلى معايير مختلفة، مثل الدخل بالنسبة للبلدان المنخفضة الدخل ومقاييس التنمية الأوسع نطاقا بالنسبة للبلدان الأقل نموا، فإن معظم البلدان الأقل نموا تندرج ضمن فئة البلدان المنخفضة الدخل. ونظراً لعدم وجود بيانات حديثة بشأن البلدان الأقل نمواً، فإن هذا التقرير يستند إلى المراجع المتاحة الأكثر صلة لفهم التوجهات المتعلقة بهذه البلدان.يَصعُب على سكان البلدان الأقل نمواً الوصول إلى الحلول التي يوفرها قطاع التكنولوجيا الطبية. ولضمان حصول المرضى في البلدان الأقل نمواً على الرعاية الصحية التي يحتاجون إليها، من الضروري تحديد التحديات التي تحُد حالياً من القدرة على الابتكار في التكنولوجيات الطبية وإمكانية الوصول إليها والعمل على معالجة هذه التحديات.

يفترض "نموذج الحلزون الثلاثي للابتكار" (triple helix model of innovation) أن القطاعين العام والخاص يدفعان عجلة الابتكار. ويحدد القطاع العام التوجه العام للابتكار ويحفزه، أما القطاع الخاص فهو يستفيد من برامج القطاع العام لاحراز تقدم سريع في مجالات جديدة. ويجري هذا التقرير تحليلا للقطاعين العام والخاص ويحدد العوامل المُمَكِّنة والمعرقلة للابتكار في مجال التكنولوجيا الطبية في البلدان الأقل نمواً. ويعرض جوانب متعددة من منظومة التكنولوجيا الطبية، بما في ذلك ثقافة الابتكار والقدرة على الابتكار في مجال التكنولوجيا الطبية، ونظام الملكية الفكرية، والأنظمة التنظيمية، وفرص التمويل، والسياسات التي يمكن أن تعزز الابتكار وامكانية الوصول إلى التكنولوجيات الطبية.

الدروس المستفادة

يتناول هذا التقرير بشكل مفصل الوضع الراهن للابتكار في التكنولوجيات الطبية وامكانية الوصول إليها في البلدان الأقل نمواً. ويدرس هذا التقرير الوضع في دولتي بنغلاديش ورواندا ويستخدمهما لتوفير أمثلة واقعية واستخلاص الدروس من التحديات التي واجهتها هاتان الدولتان والنجاحات التي حققتاها. ويُحدد الفرص المتاحة لدعم تطوير منتجات التكنولوجيا الطبية وامكانية الوصول إليها في البلدان الأقل نمواً.

وتحدد هذه الدراسة العديد من العوامل المُمَكِّنة والمعرقلة للابتكار في مجال التكنولوجيا الطبية ولامكانية الوصول إلى هذه التكنولوجيا في البلدان الأقل نمواً، في مختلف المجالات ذات الصلة:

الملكية الفكرية

تعمل العديد من البلدان الأقل نمواً، ضمن إطار استراتيجية النمو الشاملة الخاصة بها، على تطوير أنظمة الملكية الفكرية لديها من خلال سن القوانين المتعلقة بالملكية الصناعية وحق المؤلف، وإنشاء مكاتب للملكية الفكرية، وتوقيع معاهدات الملكية الفكرية. وبشكل عام، تفتقر البلدان الأقل نمواً إلى الموارد اللازمة لإدارة ايداعات الملكية الفكرية ومراجعتها ومعالجتها ولتسهيل إنفاذ حقوق الملكية الفكرية. ونتيجة لذلك، لا تسعى شركات التكنولوجيا الطبية العالمية عادة إلى ايداع طلبات الملكية الفكرية في مكاتب هذه البلدان. وبالاضافة إلى ذلك، وفي كثير من الأحيان، يفتقر المبتكرون المحليون إلى مستوى الوعي المناسب فيما يتعلق بالملكية الفكرية، فهم لا يعرفون غالبا كيفية الاستفادة من منظومة الملكية الفكرية. ولمعالجة هذا الموضوع، يمكن أن تتعاون الويبو والوكالات الحكومية في البلدان الأقل نمواً لتعزيز الجهود المبذولة في سبيل تدريب المبتكرين، والفاحصين العاملين في مكاتب الملكية الفكرية المحلية، والقضاة، وموظفي إنفاذ القانون، ليتمكنوا من الاستفادة بشكل أفضل من الحماية الوطنية التي توفرها الملكية الفكرية. وسيؤدي ذلك إلى تعزيز الابتكار وتحسين آليات الإنفاذ.

الأنظمة التنظيمية

قد تكون الأنظمة التنظيمية في البلدان الأقل نمواً أقل نضجاً من تلك الموجودة في البلدان النامية والمتقدمة، مما يعقد عملية تسجيل منتجات التكنولوجيا الطبية والحصول على الموافقة عليها داخل هذه البلدان. وقد يؤدي هذا الأمر إلى عدم تشجيع مطوري الأجهزة الطبية المحليين والدوليين على الشروع بعملية التسجيل للحصول على الموافقة التنظيمية داخل هذه البلدان. وحتى لو تقدم المبتكرون بطلب للحصول على الموافقة، تتأخر عادة عملية معالجة الطلبات، مما يشكل عائقًا أمام الابتكار في مجال التكنولوجيا الطبية وامكانية الوصول إليها في البلد المعني. وقد يساعد نهج "التناغم التنظيمي"، الذي يعمل على مواءمة المتطلبات التنظيمية بين البلدان المتعلقة بطلبات الحصول على الموافقة التنظيمية، على معالجة هذا التحدي. وقد يساعد أيضًا نهج "الاعتماد التنظيمي" (أي عملية تسريع الموافقة التنظيمية في نظام قضائي بناءً على الموافقة السابقة التي تم الحصول عليها في بلدان أخرى) على تخفيف الجهود التي يبذلها المبتكرون ومراجعو الطلبات للحصول على الموافقة التنظيمية رغم أن الأطر التنظيمية المحلية لا تزال قيد التطوير، مما يسمح بضمان جودة الأجهزة والتأكد من أنها آمنة. ومن المهم أيضًا معرفة الاختلافات بين الأدوية والأجهزة الطبية، والتي قد تتطلب اتباع مسارات تنظيمية مختلفة.

التمويل

يواجه المبتكرون المحليون عادة صعوبة في الحصول على الأموال الكافية لدعم المراحل الأولية من عملية تطوير الأجهزة الطبية الباهظة الثمن. فقد يتردد المستثمرون لدعم تكنولوجيا طبية ما زالت في مراحلها الأولى، لأنهم يعتبرون هذا الأمر محفوفًا بالمخاطر، أو قد يرون أن مبلغ المطلوب مقابل الحصة او الأرباح التي سيحصلون عليها مرتفع للغاية. وقد يتردد المبتكرون المخضرمون في دخول أسواق البلدان الأقل نمواً بسبب تكلفة الدخول إلى السوق التي تفوق الأرباح المتوقعة. ولمعالجة هذه التحديات، يمكن أن تعمل الدول على تصميم استراتيجيات لدعم تطوير منظومة شاملة للتكنولوجيا الطبية، بما في ذلك وضع برامج لجذب المستثمرين ودراسة الطرق التي تسمح للحكومات المحلية بتقديم حوافز لتشجيع تطوير التكنولوجيا المحلية في مراحلها المبكرة ودعمها. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للشركات الدولية استخدام استراتيجيات مبتكرة لدخول الأسواق وذلك ليتمكنوا من دخول السوق بسهولة والحفاظ على الاستدامة.

التدريب وتنمية المهارات

لا يعتمد تطوير التكنولوجيات الطبية واستخدامها بشكل صحيح على توافر المهندسين والفنيين المخضرمين فقط، فهو يعتمد أيضًا على الممارسين الطبيين. فبالاضافة إلى تحديد الحاجة إلى تكنولوجيات معينة، يُساهم الممارسون الطبيون أيضًا في عملية الابتكار وتحسين التكنولوجيات الموجودة، ونشرها بشكل صحيح، وتوفير المتابعة والمراقبة والصيانة المناسبة. وفي كثير من الأحيان، يشكل هذا الأمر تحديًا كبيرًا في البلدان الأقل نموًا حيث قد لا تتوافر الموارد البشرية اللازمة، بما في ذلك مقدمو الرعاية الصحية والمهندسون والفنيون. ويشكل هذا الأمر عائقا أمام الابتكار المحلي وتبني التكنولوجيا. ولمعالجة هذه المشكلة، يمكن للحكومات الاستثمار في تطوير المدارس الطبية والفنية/الهندسية لدعم احتياجات بلدانها التي تتغير بشكل مستمر. ويمكن للشركات المتعددة الجنسيات أن تقدم تدريبات لمقدمي الرعاية الصحية لتحسين معرفتهم في التكنولوجيات الجديدة وتسهيل عملية تبنيها واستخدامها. وبالاضافة إلى ذلك، فإن تحديات البنية التحتية يمكن أن تؤدي إلى زيادة الصعوبات التي يواجهها التصنيع المحلي للأجهزة الطبية. ولحل هذه المشاكل، يجب أن تعمل البلدان على تحسين بنيتها التحتية الأساسية، وينبغي أن تأخذ الشركات في الاعتبار الاحتياجات الخاصة بالبلدان الأقل نمواً عند تطوير المنتجات لهذه الأسواق.