نوعية المياه وعدم المساواة

مارس 2020

بقلم فيليب ديفيز، أستاذ تكنولوجيا المياه، كلية الهندسة، جامعة برمنغهام، المملكة المتحدة

يعاني حوالي نصف مليار شخص حالياً ندرة حادة في المياه طوال السنة، ويواجه ما بين 1.8 و2.9 مليار شخص ندرة شديدة لعدة أشهر من السنة. وبحلول عام 2025، سيعيش نصف سكان العالم في مناطق تعاني الإجهاد المائي.

بحلول عام 2025، سيعيش نصف سكان العالم في مناطق تعاني الإجهاد المائي. (الصورة: Max2611 / iStock / Getty Images Plus)

ومن حيث الجودة، فإن الموارد المائية في العالم موزَّعة توزيعاً غير ملائم. إذ تقع معظم المياه (97.5 في المئة) في المحيطات، وهي مياه مالحة جداً للشرب. وتشكل المياه السطحية الجيدة أقل من نصف في المئة من الموارد المائية في العالم. وبين هذين الحدين، توجد مصادر أخرى للمياه مثل المياه الجوفية التي تكون في العديد من المواقع مالحة جداً فلا يمكن استهلاكها دون معالجة، ومجاري النفايات الصناعية التي قد تحتوي على مجموعة كبيرة من الملوثات الطبيعية والبشرية الصنع.

والمناطق الأكثر عرضة للإجهاد المائي هي المناطق التي تتجاوز فيها احتياجات الشرب والري التجديد الطبيعي من الأمطار. وتشمل المناطق الصحراوية (بين خطَي العرض 15 و45 درجة تقريباً) وخاصةً في نصف الكرة الشمالي. وتتفاوت قدرات البلدان في هذه المناطق فيما يخص تشييد البنى الأساسية مثل السدود وخطوط الأنابيب ومحطات تحلية المياه.

وإذ تحتاج الزراعة كمية أكبر بكثير من المياه مقارنةً بالاستهلاك المباشر، فإن القدرة الاقتصادية على استيراد الأغذية عامل مهم أيضاً. وفي الوقت الحالي، تقوم بلدان مثل الكويت وقطر - وهي بلدان لا تملك تقريباً أي إمدادات طبيعية متجددة من المياه - بمعالجة هذه المشكلة عن طريق تحلية مياه الشرب واستيراد الأغذية. وفي الوقت نفسه، تعاني بلدان مثل الصومال واليمن ندرة حادة في المياه ونقصاً كارثياً في المياه نظراً إلى اقتصاداتها الضعيفة وسياقها السياسي الصعب. ومن حيث التوقعات، تشمل بؤر تفاقم ندرة المياه مصر وباكستان والهند وشمال الصين وشمال غرب الصين.

تعدّ تحلية مياه البحر بديلاً جذاباً لزيادة إمدادات المياه الخاصة بنسبة كبيرة من سكان العالم الذين يعانون الإجهاد المائي. وبفضل الابتكارات التكنولوجية، شهدت قدرة محطات تحلية المياه على إنتاج المياه العذبة زيادة كبيرة مع انخفاض الطاقة المستهلكة في تحلية مياه البحر على مدى السنوات العشرين الماضية إلى النصف، فأصبحت أسعارها أيسر بكثير. (الصورة: PhotoStock-Israel / Alamy Stock Photo)

محطات تحلية المياه الساحلية

تميل الحضارات إلى القيام على طول السواحل. ويعني ذلك أن تحلية مياه البحر بديل جذاب لزيادة إمدادات المياه الخاصة بنسبة كبيرة من سكان العالم الذين يعانون الإجهاد المائي. ومع ذلك، فإن بناء محطات تحلية المياه مكلف، وكانت تلك المحطات تستخدم حتى وقت قريب ثلاثة أضعاف الطاقة المستخدمة في العمليات التقليدية لمعالجة المياه. ويعني ذلك من الناحية العملية أن أكبر مستخدمي تحلية مياه البحر هي البلدان الثرية والغنية بالوقود الأحفوري في منطقة الخليج.

وتقوم هذه المحطات بإزالة الملح من المياه المالحة عن طريق عملية "التناضح العكسي" التي تستخدم قوة الضغط ليمر الماء عبر غشاء يتيح مرور جزيئات الماء والأيونات دون جزيئات الملح الأكبر حجماً. وبفضل التطورات المبتكرة، تحسنت نوعية هذه الأغشية تدريجياً فزادت إنتاجية المياه العذبة. ونتيجة لذلك، تضاعفت قدرة محطات تحلية المياه مع إنتاج المحطات الفردية الآن ما يقرب من مليون متر مكعب من المياه العذبة يومياً.

وقد أدت هذه التحسينات وغيرها في تقنيات محطات التحلية إلى خفض كمية الطاقة المستهلكة في تحلية مياه البحر إلى النصف على مدى السنوات العشرين الماضية، فأصبحت أسعارها أيسر بكثير. وسيستمر هذا التوجه إلى حد ما، ولكن يوجد حد أدنى من الطاقة اللازمة لعملية تحلية مياه البحر لا يمكن النزول عنه؛ وسنتمكن في أحسن الأحوال من خفض الطاقة المستهلكة حالياً إلى النصف.

ما الحل للسكان الداخليين؟

توجد العديد من الشعوب الداخلية، منهم جزء كبير في الصين والهند والولايات المتحدة، حيث لا يكون نقل مياه البحر المحلاة عملياً أو بسعر معقول. ويعتمد الناس في هذه المناطق غالباً على مياه جوفية رديئة النوعية.

وقد تبيَّنت هذه المعضلة لي في إطار بحوثي في شمال غرب الهند. ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، فإن 64 في المئة من الزراعة تعتمد على المياه الجوفية. وتبيِّن الدراسات الاستقصائية للمياه الجوفية أن حوالي نصف مساحة الأراضي في الهند تقع فوق طبقات مياه جوفية مالحة جداً فلا تفي بالمعايير العادية لمياه الشرب.

ومع ذلك، فإن هذه المياه الجوفية تكون عادة أقل ملوحة بكثير من مياه البحر؛ ويعني ذلك من الناحية النظرية أنه يمكن خفض الطاقة المستخدمة في تحليتها. ويترك ذلك مجالاً لإيجاد حلول ابتكارية تقلل تكلفة تحلية المياه الجوفية بغية إتاحتها لعدد أكبر من السكان المحرومين اقتصادياً.

تكنولوجيتنا

قمنا في جامعة برمنغهام باستحداث تقنية موجَّهة أساساً إلى معالجة المياه الجوفية. ومن الصعوبات الخاصة بمعالجة المياه الجوفية التخلص من الأجاج المتبقي. وتقنيتنا هي "الاسترداد المرتفع" - أي تحويل أقصى حد من المياه الجوفية إلى مياه عذبة مع الحد الأدنى من رواسب الأجاج. ويصعب تحقيق ذلك لأن زيادة نسب الاسترداد تتعارض مع خفض الطاقة المستهلكة.

وقد بدأنا بنمذجة استهلاك الطاقة في أنظمة التناضح العكسي القائمة وتصميم نظام مخصص لتوفير الطاقة. وقدمنا حلاً لتحلية المياه يعمل بالطاقة المتجددة "خارج الشبكة".

وتحدد قوانين الديناميكا الحرارية "ميزانية الطاقة" لأنظمة التناضح العكسي - فكلما زاد ضغط المياه الداخلة، انخفض الحجم (في ظل درجة حرارة عادية). والجزء الحاسم من المعادلة هو الطاقة المستخدمة للحفاظ على المياه المحلاة تحت الضغط. وتوفَّر هذه الطاقة عن طريق مضخة ضغط عالٍ، وهي المكون الأكثر استهلاكاً للطاقة في أنظمة تحلية المياه. ولا يحتاج نظامنا سوى إلى استخدام مستوى ضغط أعلى قليلاً من المستوى الذي تحدده قوانين الديناميكا الحرارية في حين تستخدم الأنظمة التقليدية أضعاف ذلك المستوى.

تعليق الصورة، ص 25/24: من حيث الجودة، فإن الموارد المائية في العالم موزَّعة توزيعاً غير ملائم. إذ تقع معظم المياه (97,5 في المئة) في المحيطات، وهي مياه مالحة جداً للشرب. وتشكل المياه السطحية الجيدة أقل من نصف في المئة من الموارد المائية في العالم. (الصورة: Tom Hanley / Alamy Stock Photo)

وكان التحدي من البداية هو تصميم نظام يمكن بناؤه بالكامل من مكونات قائمة. فاخترنا تصميم "حلقة مختومة" تعيد تدوير التركيز المالح للحفاظ على أدنى حد ممكن من الضغط. ويستخدم تصميمنا توزيعاً للصمامات يمنع التركيز المعاد تدويره من الاختلاط بمياه التغذية لأن ذلك الاختلاط يخل بالكفاءة ويزيد من الطاقة المستهلكة.

وأتاح لنا هذا التوزيع الجديد للصمامات استبدال مرحلتَي التطهير وإعادة الملء المنفصلتين بمرحلة موحدة ومجمعة تطرد المياه بسرعة كبيرة وتنظف الغشاء من الرواسب. وتقلل هذه المرحلة الموحدة أيضاً فترة توقف النظام وتزيد من مخرجاته.

وأطلقنا على هذا النظام اسم "التناضح العكسي الحلقي المختوم" لتمييزه عن أنظمة التناضح العكسي السابقة. وبالمقارنة مع الأنظمة القائمة، من المتوقع أن يحقق نهجنا وفورات في الطاقة تتراوح بين 33 و66 في المئة بمعدل استرداد يبلغ 80 في المئة.

ولكن مزايا نظام التناضح العكسي الحلقي المختوم لا تتوقف عند هذا الحد. ويمهد التصميم الطريق لاستخدام أغشية ذات ضغط منخفض تعمل بضخ مستويات ضغط أقل. ونتوقع أن يكون لهذه الأغشية عمر نفعي طويل فيخفض ذلك من تكاليف الصيانة. وتعني عملية الطرد أيضاً أن النظام يتسم بالتنظيف الذاتي، فيمكن لموظفين غير فنيين تشغيله في مواقع نائية.

ما فائدة البراءات؟

صنعنا النظام من مكونات متاحة بسهولة وجاهزة للاستخدام. ومع ذلك، فإننا منفتحون على كل نماذج التسويق، بما في ذلك المشاريع الاجتماعية، ولكننا اخترنا تقديم طلب براءة للاحتفاظ بأكبر قدر من الخيارات. ونسعى إلى حماية تقنيتنا في أسواق متعددة عن طريق نظام معاهدة التعاون بشأن البراءات.

نظام التناضح العكسي الحلقي المختوم الذي استحدثه باحثو جامعة برمنغهام في المملكة المتحدة هو حل موفِّر للطاقة يعمل بالطاقة المتجددة خارج الشبكة. وهو حل مثالي للمجتمعات المحرومة اقتصادياً. (الصورة: ABHISHEK KUMAR SAH / iStock / Getty Images Plus)

وقد شرعنا في تنفيذ مشروع في غور الأردن الذي سيكون حقل تجربة جيد لتقنيتنا. وغور الأردن منطقة مسدودة هيدرولوجياً، فيتجمع فيها الملح بطبيعة الحال مما يجعل منطقة حوض نهر الأردن منطقة تكتنفها المشكلات من حيث إدارة مياه الزراعة.

ويشكل نضوب المياه الجوفية في هذه المنطقة من العالم شاغلاً عبر وطني. وتحد الاتفاقات الدولية من إمكانية حصول الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية على المياه الجوفية، وقد أدى سوء الإدارة إلى الإفراط في الضخ مع ارتفاع قياسي في ملوحة المياه مما أدى إلى تغييرات في أنماط المحاصيل. وقد استعيض عن المحاصيل الربحية غير القادرة على تحمل الملوحة بنخيل تمور مدجول - وهي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه ويمكن أن تتسبب في نفاد مخزون المياه الجوفية في غضون خمس سنوات.

وهذا المشروع متابعة لعمل سابق مع طلاب معهد وادي عربة في إسرائيل الذين ساعدوا في بناء النموذج التجريبي لتقنيتنا. وإننا نعود الآن إلى المنطقة لبناء واختبار نسخة موسَّعة من نظامنا. ويقوم شركاؤنا في رام الله بجمع هذه المكونات حالياً ومن المتوقع أن تبدأ أعمال البناء في وقت لاحق من هذا العام.

الغرض من مجلة الويبو مساعدة عامة الجمهور على فهم الملكية الفكرية وعمل الويبو، وليست المجلة وثيقة من وثائق الويبو الرسمية. ولا يراد بالتسميات المستخدمة وبطريقة عرض المادة في هذا المنشور بأكمله أن تعبر عن أي رأي كان من جهة الويبو بشأن الوضع القانوني لأي بلد أو إقليم أو منطقة أو سلطاتها أو بشأن تعيين حدودها أو تخومها. ولا يراد بهذا المنشور أن يعبر عن آراء الدول الأعضاء أو أمانة الويبو. ولا يراد بذكر شركات أو منتجات صناعية محددة أن الويبو تؤيدها أو توصي بها على حساب شركات أو منتجات أخرى ذات طبيعة مماثلة وغير مذكورة.