.ترأس فرانسس غري الويبو كمدير عام من 1 أكتوبر 1008 إلى 30 سبتمبر 2020

الموسيقى: من لحن المستقبل، المنتدى الدولي لحق المؤلف

بيجين، 18 و19 نوفمبر 2010

الخطاب الافتتاحي

فرانسس غري
المدير العام
للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)

معالي الوزير ليو بنجي، الإدارة الوطنية الصينية لحق المؤلف،
أصحاب السعادة،
الضيوف الموقرون

إنه لمن عظيم شرفي أن أكون بينكم هنا في هذه المدينة النابضة بيجين وأن انضم إلى السيد الوزير ليو بنجي للمشاركة في هذه الاحتفالية الافتتاحية لتظاهرة تكتسي أهمية كبرى بعنوان "الموسيقى: من لحن المستقبل." يسعدني نوال المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) مرة أخرى شرف التعاون مع الإدارة الوطنية الصينية لحق المؤلف، وأود أن أتوجه بالشكر وأن أعرب عن امتناني للإدارة لاستضافتها هذا المنتدى.

قليلة هي الأنشطة الجوهرية لبني البشر كما هو حال الموسيقى. فالموسيقى محورية لجميع الثقافات، بل تنبع تلقائيا من كل طفل، ويُقال عنها أنها من الأساسيات الضرورية لجنس البشر تماما مثل اللغة، وقد ثار بالفعل جدل واسع على مدار مئات السنين بشأن أسبقية منشأ واحدة على الأخرى: فهل اشتقت اللغة من الموسيقى على حسب اعتقاد داروين أم أن الموسيقى نشأت وتطورت من الكلام المنغم.

وعلى الرغم من صدارة الموسيقى ومحوريتها بالنسبة للوجود الإنساني، فقد بدأت تنحسر بوصفها نشاطا اقتصاديا. فقد قُدر إجمالي سوق الترفيه والإعلام على مستوى العالم بمبلغ يصل إلى 1,32 ترليون دولار أمريكي سنة 2009 ولم تكن حصة الموسيقى المسجلة أكثر من 1,9%، أو ما يعادل 30 مليار دولار فقط. وتبدو القيمة الاقتصادية لسوق الموسيقى تعاني من القصور علما بأنها من مقومات الترفيه المحببة وواحد من مواطن الشغف التي تصاحب أعدادا متزايدة من الناس في حياتهم اليومية سواء باستخدام السماعات أو أية أجهزة أخرى.

والسبب وراء هذا القصور معروف. لقد هزت التكنولوجيا الرقمية بإتقانها التقليد والإنترنت وبقدرتها الهائلة على التوزيع الأساس الذي يرتكز إليه نشاط الموسيقى التجاري. ليست هذه بالتغييرات التكنولوجية الأولى المؤثرة على الموسيقى التي تشهد توسعا في جمهورها نتيجة للطباعة التي أتاحت الفرصة أمام نشر المؤلفات، أو نتيجة للتسجيل الذي أوصلها إلى الجمهور العريض. ولكنها من أكثر التغيرات التكنولوجية تحديا في التعامل معها. فمن الواضح من خلال الأمثلة المختلفة أن نماذج الأعمال التجارية تتكيف مع الأوضاع ولكن تكيفها لا يتم بالبراعة الكافية التي تضمن الحفاظ على السوق. فالمبيعات الرقمية وإن كانت تزيد لكنها لا تزيد بالقدر الكافي الذي يعوض عن خسارة المبيعات المادية ولذا نرى أن السوق العالمية الإجمالية آخذة في الانحسار.

حسنا كيف يبدو المستقبل؟ نجد في العالم العديد من المقاربات التي من شأنها التأثير على الإجابة عن السؤال. بعض المسارات تشريعية وتركز على التعامل مع ظاهرة القرصنة المتفشية المتمثلة في المساحة الهائلة غير المشروعة للتحميل من على الإنترنت، من خلال تشديد العقوبات على المستهلكين المخالفين ومن خلال تأسيس مسؤولية وسيطة. بينما تركز المسارات الأخرى على نماذج جديدة للأعمال التجارية تتصل بسلسلة القيمة في البيئة الرقمية، ومن المأمول أن تؤدي هذه إلى إنشاء الحوافز المناسبة للتداول المشروع ملفات الموسيقى عبر الإنترنت. ودون المساس بأهمية المسارات المذكورة أود أن أقترح ضرورة توافر شرط أساسي كي تصبح هذه المسارات فعالة بشكل حقيقي. ويتمثل هذا الشرط في تحقيق المواءمة بين الأشكال القانونية للاستغلال عبر الإنترنت وتوقعات الفاعلين في البيئة الإلكترونية.

فتطلعات الفاعلين في البيئة الإلكترونية منشأها التكنولوجيا. وتتمثل هذه التطلعات ببساطة في سوق عالمي وتوفير مساحة يصل فيها الملحنون وفنانو الأداء وشركاؤهم التجاريون إلى جمهور عالمي ويصل فيها المستهلكون إلى المؤلفات العالمية وتتم فيها الصفقات اللازمة لتحقيق تلك التطلعات ببساطة وبسرعة، إن لم يكن بتلقائية. ولكن هذه الصفقات لا تتم ببساطة نتيجة للعديد من الأسباب التاريخية. حيث تتآمر الأراضي وتقسيم الحقوق في مجال الموسيقى على إسهامات الأشخاص الذين أنتجوا الموسيقى المسوقة بما يقوض البساطة والفعالية. ولكن المستهلكين الذين يتعاملون مع البيئة الإلكترونية لا يفكرون في الأراضي ولا في المساهمات الفردية في كل مكون من مكونات القطعة النهائية. فالتكنولوجيا بالفعل تشجعهم على التفكير بشكل مختلف المتمثل في التفكير في فورية توافر الموسيقى بغض النظر عن منشأها، وفي تجربة الاستمتاع بالقطعة الموسيقية بغض النظر عن المساهمات الفردية في كل مكون من مكوناتها.

إن عدم المواءمة بين الأشكال القانونية وتطلعات الفاعلين في البيئة الإلكترونية تفاقم من مشكلة القرصنة، لأن من الأسهل تلبية تلك التطلعات من خلال الوسائل غير القانونية عن تلبيتها من خلال الوسائل القانونية. ومن أجل تحقيق المواءمة اللازمة، من الضروري إنشاء نظام بسيط وسريع للترخيص عالميا، وهو ما يستلزم أولا إنشاء قاعدة بيانات عالمية للمؤلفات يمكن الاعتماد عليها لإجراء عمليات الترخيص. إن الوقت أصبح مواتيا لتنفيذ فكرة إنشاء قاعدة بيانات عالمية للمؤلفات. فهي تشكل عنصرا أساسيا في البنية التحتية العالمية بالنسبة للاقتصاد والمجتمع الرقميين. حان الوقت للعمل على التعبير عن الفكرة.

ولكن تجسيد الفكرة الخاصة بقاعدة بيانات للمؤلفات العالمية ليس بالعملية اليسيرة. ولكي تحقق الفكرة قدرا من النجاح، أظن أن قاعدة بيانات المؤلفات العالمية سوف تحتاج إلى أن تصبح أصلا عاما قائما على المشاركة الطوعية، على أن تكون قاعدة البيانات متاحة للجميع بوصفها أساس لتشغيل أو نماذج الأعمال التجارية أو بنائها لإدارة الحقوق أو استغلالها. بل ويتعين تضامن جميع قطاعات صناعة الموسيقى معها كما تتطلب بنية إدارية تأخذ في الاعتبار المصالح العامة والخاصة التي سوف تخدمها قاعدة البيانات.

ويتيح المنتدى الدولي فرصة رائعة أمامنا جميعا لكي نتخيل مستقبل البنى الاقتصادية والتنظيم الاجتماعي للموسيقى. وأتطلع إلى الاستماع إلى أفكار العديد من المتحدثين ذوي الموهبة والخبرة الذين أشكرهم على انضمامهم إلينا. ومرة أخرى أود أن أعرب عن مدى سرور الويبو بانعقاد المنتدى في بيجين بالتعاون مع الإدارة الوطنية الصينية لحق المؤلف، وأن أتقدم بالشكر لمستضيفينا عن تنظيمهم الرائع للمنتدى علاوة على تنظيمهم لسلسة رائعة من الفعاليات التي تصاحبه. وأتطلع على وجه الخصوص إلى مشاهدة الفنانين الرائعين والاستماع إليهم، وهم الفنانون الذين سيذكروننا بالتأكيد بمدى أهمية تصور المستقبل بشكل جيد.