.ترأس فرانسس غري الويبو كمدير عام من 1 أكتوبر 1008 إلى 30 سبتمبر 2020

خطاب المدير العام أمام جمعيات الويبو - 2018

جمعيات الويبو، 24 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 2018

[Check against delivery]

فيديو Video

معالي الوزراء،
سعادة الممثلين الدائمين والسفراء،
المندوبون الموقرون،

يسرني عظيم السرور أن أنضم إلى رئيس الجمعية العامة للويبو وأرحب أحر الترحيب بجميع الوفود إلى جمعيات 2018. إن هذه المشاركة الكبيرة مدعاة للرضا والسعادة، وعلامة على الانخراط النشط في عمل المنظمة والدعم الذي تلقاه من جانب العديد من الدول الأعضاء.

وأوجّه جزيل الشكر للسفير دونغ على قيادته والتزامه وتوجيهاته الحكيمة طوال العام الماضي رئيسا للجمعية العامة. وأعرب عن تقديري لكل السفراء وممثلي الدول الأعضاء الذين كرسوا وقتهم وطاقتهم للعمل كرؤساء للهيئات الإدارية واللجان والأفرقة العاملة في المنظمة. فالأداء السلس للمنظمة والتقدم المحرز في عملها، يعتمد كل الاعتماد على سخاء من يؤدون هذه المهام الجليلة والتزامهم.

ولم ينقطع نمو الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للملكية الفكرية على المستوى العالمي. وهذا الدفق المتزايد يحرّكه التغير التكنولوجي السريع والعميق والواسع النطاق، الذي يشكل اقتصاد المستقبل ويعطي للمعرفة في تعبيراتها الاقتصادية والتجارية قيمة متنامية كأصول غير ملموسة.

ونلحظ رأي العين السبل المتعددة لهذا التغيير في مكانة الملكية الفكرية – فنراه في الطلب على حقوق الملكية الفكرية، والاهتمام بها كحجر أساس في الابتكار والاستراتيجيات الصناعية للحكومات والشركات على حد سواء، وفي المناقشات التجارية والأخبار وتحليلاتها في وسائل الإعلام وبين عامة الناس.

وإن استشهدنا بالطلب على حقوق الملكية الفكرية، كأحد مؤشرات التغيير، لوجدنا أنّ رقعة التغيير رحبة الامتداد. فسنة 2016، وهي آخر سنة كاملة وصلتنا إحصاءاتها من الدول الأعضاء، أودع ما قدره 3.1 مليون طلب براءة و7 ملايين طلب علامة تجارية و000 963 طلب تصميم في مكاتب الملكية الفكرية حول العالم. أرقام ليست مذهلة فحسب، بل تمثل زيادات على مدار السنوات العشرين الماضية تبلغ نسبها 189% و253% و388% على التوالي. والتفسيرات لهذه الزيادات الضخمة عديدة، أبرزها هو هيمنة التكنولوجيا على الاقتصاد والطبيعة العالمية للنشاط الاقتصادي وظهور عناصر فاعلة جديدة انتجتها التغيّرات الجيوسياسية، فكانت الحصيلة ابتكارا متعدد الأقطاب في طبيعته. ولا جدل في أنّ آخر هذه التفسيرات يستحق إعمال الفكر والتوقف هُنيهةً لنلحظ هيمنة آسيا كمصدر لطلبات الملكية الفكرية المودعة في جميع أصقاع المعمورة، إذ تستأثر وسطيا بأكثر من 60% من مختلف طلبات حقوق الملكية الفكرية.

وأمّا احتداد نشاط الملكية الفكرية عالميا، فقد أثمر نتائج إيجابية في حياة المنظمة. وهذا الأثر النافع يبدو جليّاً بطرقٍ عدّة.

فتزايد الطلب العالمي على الملكية الفكرية واضح في معدلات النمو الإيجابية في عضوية واستخدام أنظمة الويبو للملكية الفكرية العالمية ومعاهدة التعاون بشأن البراءات ونظام مدريد للعلامات التجارية ونظام لاهاي للتصاميم، وكذلك في معدّلات الاستعانة بخدمات مركز الويبو للتحكيم والوساطة. إذ أودع بموجب معاهدة البراءات 500 243 طلب دولي عام 2017، أي بزيادة قدرها 4.5% عن العام السابق، وأودع في نظام مدريد 200 56 طلب دولي، أي بزيادة قدرها 5% عن عام 2016، وأودع بموجب نظام لاهاي 429 19 طلب تصميم، أي بمعدل نمو بلغ 3.8% عن العام السابق. وفي عام 2017، تلقى مركز التحكيم والوساطة 074 3 حالة من المنازعات على أسماء الحقول على الإنترنت و52 حالة وساطة دولية وتحكيم بشأن منازعات ملكية فكرية دولية عامة، وكلاهما رقمان قياسيان للمركز. وحتى الآن، تشير نتائج العام الحالي 2018 إلى اتجاهات مماثلة لمجريات عام 2017 لجميع الأنظمة المذكورة.

إنّ الخدمات التي تقدمها المنظمة في إطار أنظمة الملكية الفكرية العالمية المختلفة تولّد 92% من إيرادات المنظمة. والأداء القوي لهذه الأنظمة، مرتفقا بالإدارة الرشيدة والحصيفة للنفقات، هما عماد الاستقرار المالي للمنظمة. وقد اختتمنا الثنائية 2016-2017 بفائض إجمالي قدره 55.9 مليون فرنك سويسري. وللوصول إلى هذه النتيجة، حققنا إنجازات في الإدارة المالية شملت احتواء الزيادة في نفقات الموظفين وسداد جميع القروض المستحقة على مقرّ المنظمة ومبانيها والاستفادة من النقد الأساسي والاستراتيجي وفقا لسياسة المنظمة الاستثمارية المنقّحة التي وافقت عليها الدول الأعضاء.

ولم تزل المعاهدات التي تديرها المنظمة تجتذب زيادات ثابتة في العضوية. ويذكر أن معاهدة مراكش لتيسير النفاذ إلى المصنفات المنشورة لفائدة الأشخاص المكفوفين أو معاقي البصر أو ذوي إعاقات أخرى في قراءة المطبوعات هي أسرع معاهدات الويبو اجتذابا للأعضاء، لا في العام الماضي فقط، ولكن في تاريخ المنظمة ككل على الأرجح. إذ وصل عدد وثائق الانضمام المودعة إلى 41 بعد خمس سنوات. ومن المتوقع أن ينضم الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل. وهو ما سيرفع عدد البلدان المنضمّة للمعاهدة إلى 70 بلدا تقريبا. وتستعد بلدان كثيرة أخرى للانضمام إلى المعاهدة، ونتطلّع بعين واثقة إلى يوم تصبح فيه المعاهدة عالمية، ما سيكون إنجازا عظيما للمنظمة.

وما أكثر المجالات التي تظهر فيها الأهمية المتنامية للملكية الفكرية عبر المشاركة الشديدة للدول الأعضاء في خدمات المنظمة وبرامجها. وتسهّل المنظمة تعاونا واسع النطاق بين الدول الأعضاء في مجال أنظمة تكنولوجيا المعلومات ومنصاتها. وتستخدم المكاتب الوطنية في أكثر من 80 بلداً نظام أتمتة الملكية الصناعية (IPAS)، وهو نظام تكنولوجيا معلومات مخصص لإدارة المكاتب طورته المنظمة. وأمّا قواعد البيانات العالمية، التي تعتمد على تعاون الدول الأعضاء، فتزداد رقعة تغطيتها اتساعا وتقدم مجموعة متطورة من الأدوات للمستخدمين. وقد وصل حجم شبكة مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار التابعة للويبو إلى 642 مركزًا في 76 بلدا. وهذه البرامج ومنصات التعاون الأخرى فرصة لتوثيق التعاون القائم على البيانات وتوفّر فرصا لتعزيز الكفاءة والجودة والشفافية في نظام الملكية الفكرية في جميع أنحاء العالم.

ولم نغفل البعد الإنمائي فهو حاضر في جميع جزئيات عمل المنظمة. ومنصات تكنولوجيا المعلومات التي ذكرتها للتو موجّهة في المقام الأول للبلدان النامية والبلدان الأقل نمواً والبلدان المنتقلة التي تستخدمها على نطاق واسع. ويزداد الطلب على أنشطة تكوين الكفاءات كل عام، نظرا لتغلغل الملكية الفكرية في نطاق أوسع من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية. وتشهد أكاديمية الويبو مستويات مشاركة قياسية في الطيف الواسع من الدورات التي تقدّمها سواء مباشرة أو عبر الإنترنت.

وتدعم برامج المنظمة أهداف التنمية المستدامة بعدّة سبل. وتشارك الدول الأعضاء في رسم خرائط أكثر دقة لمختلف أشكال التفاع مع هذه الأهداف في دورات اللجنة المعنية بالتنمية والملكية الفكرية (لجنة التنمية). واسترشدت المنظمة بجوهر أهداف التنمية المستدامة في إقامة شراكات جديدة "تجمع بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني ومنظومة الأمم المتحدة والجهات الفاعلة الأخرى، وتحشد جميع الموارد المتاحة"[1] عن طريق عدد من الشراكات الناجحة بين القطاعين العام والخاص، مثل ويبو ريسيرتش واتحاد الكتب الميسّرة، وهما مثالان نشطان وناجحان ومتناميان. وستُعلن هذا الأسبوع شراكة جديدة بين القطاعين العام والخاص، وهي قاعدة البيانات (PAT-Informed). وهي شراكة تلتزم بموجبها 20 من كبرى شركات الأدوية في العالم بتوفير البيانات التي تربط البراءات بالأدوية في جميع أنحاء العالم، بغية تسهيل عمليات شراء الأدوية. وقدّ قدّرت إحدى المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال شراء الأدوية، التي اختبرت قاعدة البيانات الجديدة، أن قاعدة البيانات رفعت بنسبة 30% كفاءة عمليات الشراء.

ويسرّني عظيم السرور أن أنقل لكم أن المبادرتين الجديدتين اللتين أُعلن عنهما في الجمعيات الأخيرة قد أثمرتا نتائج وافرة. فأولاهما وهي إنشاء مركز التطبيقات التكنولوجية المتقدمة (ATAC) تحت إطار الأمانة العامة، في قطاع البنية التحتية العالمية. ونفّذ المركز تطبيقين رائدين عالميا في مجال الذكاء الاصطناعي. وأحد التطبيقين هو برنامج للترجمة الآلية العصبية، أصبح يستخدم على نطاق واسع في قواعد البيانات العالمية وأعمال الترجمة في المنظمة. وقد منحت 14 منظمة دولية ترخيصا مجانيا باستخدامه، بهدف المساعدة في تحسين كفاءة أعمال الترجمة وتكلفتها وجودتها. وأمّا التطبيق الثاني الجديد فهو أوّل نظام في العالم للبحث في الصور والتعرف عليها، ووضع للمساعدة في معالجة طلبات العلامات التجارية والتصاميم وعمليات البحث التي يجريها المستخدمون عن العناصر الرسومية الموجودة في علاماتهم التجارية أو تصميماتهم.

ويأتي تطبيقا الذكاء الاصطناعي استجابة للحاجة إلى مساعدة الآلة في معالجة الكم الهائل للطلبات الناجمة عن الطلب المتزايد على الملكية الفكرية. ولا شكّ في أن حجم طلبات الملكية الفكرية على الصعيد العالمي يحفّز تطوّر الذكاء الاصطناعي. وتعمل المنظمة على تطوير مزيد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لأنّها مجال واعد للنهوض بالتعاون الدولي في إدارة الملكية الفكرية من خلال تبادل المعرفة والأنظمة التي ستضطلع أيضا بدور هام في تكوين الكفاءات.

وأمّا المبادرة الجديدة الثانية فكانت إنشاء قسم مخصص في مكتب المستشار القانوني بشأن الإدارة القضائية للملكية الفكرية لتنسيق برامج المنظمة، الموجّهة للسلطة القضائية، وتطويرها بطرق جديدة. وقد أنشئت مجموعة استشارية من القضاة. وفي شهر أغسطس من هذا العام، عُقدت في بيجين دورة تدريبية متقدمة جديدة بشأن الفصل في قضايا الملكية الفكرية بالتعاون مع المحكمة الشعبية العليا في الصين، ولاقت الدورة نجاحا منقطع النظير. وسيعقد منتدى الويبو الأول لقضاة الملكية الفكرية في مقر الويبو بجنيف في شهر نوفمبر من هذا العام. وما زالت الدول الأعضاء تستجيب بحماس شديد لهذه المبادرة.

ولا أخفيكم أنّ وضع القواعد هو أكبر التحديات التي تواجهها المنظمة في المضي قدماً، وهذه للأسف ظاهرة شائعة في كافة المنظمات الدولية في الوقت الحاضر. والافتقار إلى القدرة على إحراز تقدم في المجال المعياري أمر معقد تعدّدت أسبابه. وفوق ذلك، يأتي هذا الافتقار في غير موعده، فالتغيّرات التكنولوجية تحدث تغييراً اقتصادياً واجتماعياً عميقاً. وتتبادر إلى الأذهان أسئلة كثيرة بخصوص تلك التغيّرات وآثارها. ومن مجموعات الأسئلة هذه ما يرتبط بحقوق الملكية الفكرية وملاءمتها للغرض في سياق الاقتصاد غير الملموس القائم على البيانات أو اقتصاد المعرفة. ويظنّ البعض أنّ نظام الملكية الفكرية قد يبدي ثغرات في تطبيقاته على البيانات والذكاء الاصطناعي. ولا أرى إلّا المنفعة في طرح مناقشة بشأن هذه القضايا المعقدة داخل المنظمة. ولا أدّعي أنّ العالم أصبح قاب قوسين من صياغة أي قواعد جديدة. فجوهر النقاش هو محاولة طرح الأسئلة الصحيحة لا تقديم الإجابات. ولا ضير أن ننتفع جميعًا من تقاسم المعرفة وتبادل الآراء وتشاطر وجهات النظر بشأن هذه القضايا، تعزيزاً لفهم مشترك.

وتعريجا على مشروع جدول أعمال الدورة الحالية للجمعيات، فلا يزال عدد من المسائل المؤسسية دون حل، وهي تكوين لجنة الويبو للتنسيق وتكوين لجنة البرنامج والميزانية ومسائل متصلة بالمكاتب الخارجية. وتزاد إلى هذه المسائل أسئلة موضوعية معينة، لا سيما تلك المتعلقة بإمكانية عقد مؤتمر دبلوماسي بشأن معاهدة قانون التصاميم المقترحة، وشقّ مسار يفضي لاحتمال عقد مؤتمر دبلوماسي بشأن البث. وإن أنهت الدول الأعضاء هذه الجمعيات بحسم واحدة على الأقل، أو أكثر، من هذه المسائل المعلقة، فلا أسمى منه إنجازا وشهادة طيّبة لتعددية الأطراف.

وقبل الختام، دعوني أشيد بالموظفين الرائعين في هذه المنظمة. فالمنظمة تفيض بالموظفين المحترفين المهرة المتفانين والموهوبين، الذين يسعون جاهدين أن تحقق المنظمة أفضل النتائج وتخدم مصالح الدول الأعضاء فيها. وأنسب لهم الفضل في النتائج الإيجابية التي أحرزتها المنظمة على مدار الأشهر الاثني عشر الماضية. وأذكّر بأن تطوير رأس المال البشري والحفاظ على المواهب وازدهار التنوع الجغرافي وتحقيق المساواة بين الجنسين، هي أهداف رئيسية للإدارة. وفي هذا الصدد، أودّ أن أؤكد من جديد التزامنا المبدئي بالقضاء على جميع أشكال الاستغلال والعنف الجنسيين، وبمبادرات الأمين العام وغيرها لوضع حد لهذه الخروقات. فدعمنا لمكان عمل وبيئة عمل ملؤها الاحترام، دعم مطلق كامل.

وختاما، أتمنّى لجميع الوفود عقد اجتماعات مثمرة، على أمل أن تخلص الجمعيات بنتائج إيجابية للمنظمة.

Footnotes

1 الفقرة 39 من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتماد أهداف التنمية المستدامة في 25 سبتمبر 2015.