مقدمة
لعبت التطورات في مجال الزراعة دوراً محورياً في الحد من الفقر، وتحسين الأمن الغذائي، ورفع مستويات المعيشة في جميع أنحاء العالم.
تُعد هذه التحسينات جزءاً من اتجاه أوسع نطاقاً حيث أصبحت الزراعة العالمية أكثر إنتاجية؛ وإحدى طرق قياس هذه الإنتاجية هي إنتاجية العوامل الكلية. تقارن إنتاجية العامل الكلي مقدار الإنتاج الذي ينتجه المزارعون بحجم الأرض والعمالة والآلات وغيرها من المدخلات التي يستخدمونها.
منذ أوائل القرن الحادي والعشرين، زادت إنتاجية العامل الكلي الزراعية العالمية بنسبة تقارب 2 في المائة سنوياً.
بالإضافة إلى ذلك، يواجه المزارعون تحديات مستمرة في الحفاظ على إنتاجية المحاصيل وزيادتها بسبب الآفات والأمراض وتغير المناخ. لذا، فإن اعتماد أصناف المحاصيل المحسّنة بشكل مستمر أمر ضروري. يوضح الشكل 2.3 كيف اعتمد المزارعون في الاقتصادات النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي أصنافاً جديدة من المحاصيل على مدار الفترة من 1961 إلى 2020، بغض النظر عما إذا كانت التحسينات قد طُورت من قبل مؤسسات البحث العامة أو الجامعات أو الشركات الخاصة.
والأهم من ذلك، يوضح الشكل قصة مماثلة حول الاعتماد غير المتكافئ للتكنولوجيات الجديدة. وعلى وجه الخصوص، تتخلف بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بشكل كبير عن المناطق الأخرى في اعتماد أصناف محاصيل محسّنة.
تثير هذه الأنماط سؤالين مهمين. أولاً، لماذا تعتمد بعض البلدان التكنولوجيات الزراعية الجديدة بسرعة أكبر من غيرها؟ وثانياً، ما الظروف التي تساعد على انتشار التكنولوجيات؟
يتناول هذا الفصل كيفية انتشار التكنولوجيات الزراعية عبر البلدان وما الذي يدفع إلى اعتمادها. ويركز على تكنولوجيتين حديثتين رئيسيتين، وهما المحاصيل المعدلة وراثياً وتكنولوجيات الزراعة الدقيقة.
يبحث القسم التالي في العوامل التي تحدد كيفية نشر التكنولوجيات الزراعية. ويُبين أن نجاح هذا النشر يتطلب تفاعلاً بين ثلاثة عوامل، ألا وهي؛ القرارات التي يتخذها المزارعون (بجانب الطلب)، والنظام الإيكولوجي للابتكار الذي ينتج التكنولوجيا (بجانب العرض)، والبيئة التمكينية. ويتوسع القسم الثالث من هذا الفصل في شرح دور الملكية الفكرية.
تبرز ثلاثة دروس رئيسية. أولاً، لا تنتشر التكنولوجيا تلقائياً. إذ تؤدي خصائص المزارعين، والقدرات الابتكارية الوطنية، والبنية التحتية، وخيارات السياسة دوراً هاماً. ثانياً، ثمة العديد من العوامل المختلفة التي تؤثر على الاعتماد. يُعد حجم المزرعة مثالاً على ذلك. فغالباً ما تعتمد المزارع الكبيرة التكنولوجيات الجديدة بشكل أسرع من المزارع الصغيرة. ثالثاً، تلعب الملكية الفكرية دوراً معقداً. يشجع ذلك الشركات الخاصة على الاستثمار في تطوير التكنولوجيات الجديدة، ولكنه قد يؤثر أيضاً على القدرة على تحمل التكاليف والتوافر بطرق مختلفة تبعاً للبلد ونوع التكنولوجيا.
محددات نشر التكنولوجيا في مجال الزراعة
تؤثر عوامل عديدة على كيفية انتشار التكنولوجيات الزراعية. يمكن تصنيف هذه العوامل بشكل عام إلى ثلاثة عناصر مترابطة؛ عوامل متعلقة بجانب الطلب، وعوامل متعلقة بجانب العرض، والبيئة التمكينية. تؤثر التحولات الديموغرافية، وتفشي الآفات والأمراض، وتفضيلات المستهلكين أيضاً على اعتماد المنتجات أو عدم اعتمادها.
عوامل متعلقة بجانب الطلب: قرارات المزارعين
العوامل التي تؤثر على رغبة المزارع في الدفع مقابل التكنولوجيات الجديدة هي عوامل تتعلق بجانب الطلب. إذ يواجه المزارعون حالة من عدم اليقين بشأن أداء المحاصيل الجديدة، ومن ثم يتعين عليهم الموازنة بين التكاليف المسبقة ومتطلبات التعليم وقيود التمويل وإشارات السوق مقابل العوائد المتوقعة.
فالمزارعون مستعدون لدفع ثمن التكنولوجيات الجديدة، حتى لو كانت أكثر تكلفة، عندما يثبت أنها تتفوق في الأداء على ما لديهم حالياً.
عوامل متعلقة بجانب العرض: القدرات الابتكارية
تُعتبر التكنولوجيات الزراعية مرتبطة بالنُّظم الإيكولوجية الزراعية وتعتمد على السياق المحلي. وهنا تبرز أهمية العوامل المتعلقة بجانب العرض التي تؤثر على نشر التكنولوجيا. تتمتع الأنظمة الإيكولوجية القوية للابتكار بالقدرة على اعتماد وتكييف وتوليد تكنولوجيات جديدة تتناسب مع الظروف المحلية.
يوضح الشكلان 3.3 أ و3.3 ب أن الاقتصادات المتقدمة تستفيد أكثر من نشر أنواع جديدة من الابتكار والمعرفة العلمية في العالم. تُعد أمريكا الشمالية وأوروبا، تليها آسيا مباشرةً، المستفيدين الرئيسيين من نشر التكنولوجيا في مجال الزراعة. فتُنتج هذه المناطق الثلاث 75 في المائة من التكنولوجيات الزراعية الجديدة القائمة على تكنولوجيات مبتكرة حاصلة على براءات، ونحو 95 في المائة منها قائم على معارف علمية حديثة.
البيئة التمكينية: المؤسسات والأسواق والبنية التحتية
تحد السياسات الداعمة من المخاطر وتقلل تكاليف المعاملات في نشر التكنولوجيات المناسبة. تُمكّن البنية التحتية والأسواق الفعالة وأطر الملكية الفكرية المناسبة من النشر. بالإضافة إلى ذلك، تشير الأدلة إلى أن دعم الوسطاء الموثوق بهم، مثل خدمات الإرشاد وشبكات المزارعين والموردين والتعاونيات، يؤدي دوراً مهماً في تسهيل استخدام التكنولوجيات الجديدة.
النشر يختلف حسب التكنولوجيا
إن احتياجات التكيف المحلية للمحاصيل ذات السمات المعدلة وراثياً وتخصيص تكنولوجيات الزراعة الدقيقة هي التي تحدد أنماط نشرها الخاصة.
المحاصيل المعدلة وراثياً
المحاصيل المعدلة وراثياً هي أصناف نباتية قام العلماء بتعديلها وراثياً باستخدام جينات مأخوذة من أنواع أخرى، أو عن طريق التركيب الاصطناعي، من أجل جعل المحاصيل أكثر قوة وتحملاً لتحديات زراعية محددة. يمكن للعلماء تعديل المحاصيل لمقاومة الآفات، وتحمل مبيدات الأعشاب، وإطالة فترة صلاحيتها، و/أو زيادة إنتاج الغلات، وذلك من بين السمات الشائعة للمحاصيل المعدّلة وراثياً.
يجب أولاً تكييف تكنولوجيات التعديل الوراثي مع الظروف الإيكولوجية الزراعية البيئية المحلية من خلال البحث والتطوير المحليين قبل أن يتمكن المزارعون من اعتمادها.
قد تستغرق عملية تطوير محاصيل جديدة وقتاً طويلاً. وجدت إحدى الدراسات أن تطوير منتجات مستقرة باستخدام تقنية الاستنبات التقليدية للفاكهة قد يستغرق حوالي سبع إلى عشر سنوات.
المؤسسات/ التنظيم: يشكّل التنظيم عملية نشر تكنولوجيات المحاصيل المعدلة وراثياً؛ إذ تنظم معظم البلدان كل من زراعة المحاصيل التي تحتوي على سمات معدلة وراثياً واستيرادها. فيجب أولاً أن تحصل هذه المحاصيل على موافقة الجهات التنظيمية قبل استيرادها أو زراعتها. وتضمن هذه الموافقة سلامة الأغذية والحماية البيئية للمحاصيل المعدلة وراثياً المتكيفة محلياً للاستهلاك والزراعة.
ومع ذلك، فإن الحصول على الموافقة التنظيمية قد يكون مكلفاً. فتكلفة تطوير محصول بسمات معدلة وراثياً من مرحلة الاكتشاف إلى التسويق تبلغ في المتوسط 64.2 مليون دولار أمريكي. وتضيف الموافقة التنظيمية لكل دولة تكلفة إضافية قدرها 43.2 مليون دولار أمريكي، وهو ما يمثل 37.6 بالمائة من التكلفة الإجمالية (أي من الاكتشاف إلى التسويق وصولاً إلى الموافقة التنظيمية).
ويظهر الشكل 4.3 أن عدد الموافقات الممنوحة لاستيراد المحاصيل المعدلة وراثياً أكبر من تلك الممنوحة لزراعتها. ويشير هذا إلى أن البلدان قد تكون أكثر استعداداً لاستيراد هذه المحاصيل من السماح للمزارعين بزراعتها محلياً. ومع ذلك، قامت عدة بلدان بتبسيط عملية الموافقة، بحيث تمتد لتشمل الاستيراد والزراعة معاً، ومن بين هذه الدول الأرجنتين وجنوب أفريقيا.
ولا تضمن الموافقة التنظيمية اعتماد المزارعين للتكنولوجيات في أحد البلدان. إذ تبرز عوامل مهمة أخرى، مثل التسعير، وتوافر المدخلات، ووعي المزارعين، والبنية التحتية.
التوافر: تُعد البلدان التي تمتلك أنظمة ابتكار إيكولوجية قوية هي الأكثر قدرة على استحداث التكنولوجيات المعدلة وراثياً، وتكييفها، واعتمادها بما يتناسب مع ظروفها البيئية الزراعية المحلية. وتعتبر الأرجنتين والبرازيل وكندا والهند والولايات المتحدة من أكبر الدول التي اعتمدت هذه التكنولوجيات.
القدرة على تحمل التكاليف: تميل المحاصيل والأشجار والنباتات التي تحتوي على تكنولوجيات معدلة وراثياً إلى أن تكون أكثر تكلفة مقارنةً بالأصناف المحسنة المستحدثة باستخدام تكنولوجيا البذور التقليدية. ومع ذلك، قد يقتنع المزارعون بشراء التكنولوجيا المعدلة وراثياً الأكثر تكلفة إذا كانت الأرباح المتوقعة تفوق التكاليف (انظر الجدول 1.3 للمقارنة بين تكاليف تكنولوجيا البذور ذات السمات المعدلة وراثياً ومتوسط إجمالي دخل المزرعة من استخدام هذه البذور لمحاصيل القطن وفول الصويا والذرة).
ثمة تكلفة أخرى يأخذها المزارعون في الاعتبار، وهي سعر منتجات حماية النباتات وتوفرها. ففي كينيا، وجدت دراسة استقصائية للمزارعين حول اعتماد الذرة الهجينة والأسمدة أن التغيرات في سعر هذه المدخلات وتوفرها كان له دوراً هاماً في تحديد إذا ما كانوا سيعتمدون هذه التكنولوجيات أم لا.
الوعي والتدريب: تُعد خدمات الإرشاد الزراعي وبرامج الإشراف مهمة في إثبات كفاءة المحاصيل المعدلة وراثياً للمزارعين والمساعدة على الحفاظ على أداء المحاصيل طوال دورة حياتها.
إن الإلمام بالتكنولوجيا يزيد من سرعة اعتمادها. ففي الهند، اعتمد المزارعون الملمون بزراعة القطن الهجين القطن المعدل وراثياً على نحوٍ أسرع. وقد لوحظ هذا النمط نفسه في حالات الصين والمكسيك والولايات المتحدة.
البنية التحتية: يُعد النفاذ إلى البذور ذات السمات المعدلة وراثياً أمراً حيوياً للمزارعين في المناطق الريفية. وقد ساهمت البنية التحتية الضعيفة في كينيا، وتحديداً صعوبة النفاذ إلى موزعي البذور والأسمدة وعدم توفرهم، في انخفاض معدل اعتماد الذرة الهجينة والأسمدة بين المزارعين، حتى عندما كانت العوائد الإجمالية المقدّرة لاعتماد هذه التكنولوجيا مرتفعة.
ويوضح الشكل 5.3 المدة التي استغرقتها محاصيل معينة معدلة وراثياً لتحقيق انتشار واسع النطاق في بلدان مختارة، وهو ما يُعرف بزراعة 80 في المائة من الأراضي الزراعية. وفي حين أن الولايات المتحدة هي من طورت التكنولوجيا المعدلة وراثياً، فإن بعض الاقتصادات النامية وصلت إلى مرحلة الاعتماد واسع النطاق على نحوٍ أسرع، مثل القطن المعدل وراثياً في جنوب أفريقيا، وفول الصويا المعدل وراثياً في الأرجنتين، والذرة المعدلة وراثياً في البرازيل.
ثمة العديد من العوامل التي تفسر ذلك. ففي الأرجنتين، ساعد التسعير المحلي وتوفر المدخلات والدعم المؤسسي في تفسير سبب تمكن المزارعين من اعتماد التكنولوجيات المعدلة وراثياً بسرعة.
بينما أدى تردد المستهلكين والحذر التنظيمي إلى إبطاء اعتماد التكنولوجيات المعدلة وراثياً في الولايات المتحدة، لا سيما في الحالات التي كانت فيها المحاصيل المعدلة وراثياً مخصصة للاستهلاك الغذائي.
تكنولوجيات الزراعة الدقيقة
تستخدم تكنولوجيات الزراعة الدقيقة المستشعرات، وسواتل الملاحة، وتحليلات البيانات لتحسين عمليات الزراعة. وبشكل عام، تندرج هذه التكنولوجيات تحت ثلاث فئات رئيسية: (1) جمع البيانات (المستشعرات، وسواتل الملاحة)، و(2) معالجة و/أو تحليل البيانات: (مراقبة الغلال، ورسم خرائط التربة)، و(3) توجيه اتخاذ القرارات (الجرارات ذاتية التوجيه، وتطبيقات المعدل المتغير للأسمدة ومبيدات الآفات).
ويتصدر المزارعون في أستراليا وكندا وأوروبا والولايات المتحدة اعتماد تكنولوجيات الزراعة الدقيقة.
وقد كانت الولايات المتحدة سبّاقة في مجال تكنولوجيات الزراعة الدقيقة منذ ثمانينيات القرن العشرين، إذ تسارع معدل الاعتماد بمجرد توفر أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) على نطاق واسع بعد عام 1983.
ومع ذلك، لا يزال اعتماد تكنولوجيات الزراعة الدقيقة يجري بالتدريج. إذ تشير الدراسات إلى أن المزارعين عادةً ما يعتمدون مكونات فردية من هذه التكنولوجيات بدلاً من النظام الكامل.
ويستخدم أقل من ثلث المزارعين في الولايات المتحدة أي من أدوات تكنولوجيات الزراعة الدقيقة، ويحدث الاعتماد في شكل وحدات وليس كأنظمة كاملة.
علاوة على ذلك، تختلف تكنولوجيات الزراعة الدقيقة المعتمدة بشكل أساسي حسب الحاجة الزراعية. فعلى سبيل المثال، أدت ندرة المياه في الهند إلى اعتماد الري على نطاق صغير، بينما يركز المزارعون في الولايات المتحدة وأستراليا بشكل أكبر على اعتماد أنظمة التوجيه لزراعة المحاصيل واسعة النطاق.
ويوضح الشكل 6.3 مدى بطء المزارعين في الولايات المتحدة في تكييف تكنولوجيات الزراعة الدقيقة مقارنةً بالمحاصيل المعدلة وراثياً. كما يظهر كيف يمكن للمزارعين اعتماد هذه التكنولوجيات كعناصر منفصلة، مثل التوجيه الذاتي وتكنولوجيات المعدل المتغير.
التوافر: نظراً للطبيعة النمطية لتكنولوجيات الزراعة الدقيقة، تبرز أهمية التوافق مع الآلات الحالية والجديدة على حدٍ سواء. حيث يخاطر المزارعون بالتعرض للوقوع في فخ نظام إيكولوجي يعتمد على مورد واحد في غياب معايير لقابلية التشغيل البيني.
القدرة على تحمل التكاليف: تُعد التكلفة والتعقيد من العوائق الرئيسية أمام اعتماد تكنولوجيات الزراعة الدقيقة. فهذه التكنولوجيات تتطلب استثمارات أولية في الأجهزة، والبرمجيات، ووسائل الاتصال. ويقارن الجدول 2.3 بين تكاليف استخدام ثلاث تكنولوجيات رسم خرائط مختلفة بُغية تحليل صحة المحاصيل وإدارة مدخلات حماية النباتات لمزارع الكروم. كما يوضح مكونات تكنولوجيا الزراعة الدقيقة المختلفة المطلوبة، وهي: منصة، وجهاز استشعار، ومُصحِّح نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية (نظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الصناعية بتقنية التموضع الحركي الآني (RTK-GNSS))، وذلك في مختلف التكنولوجيات. وبغض النظر عن حجم مزارعهم، يتكبد المزارعون تكاليف تبدأ من أكثر من 16,500 يورو لتنفيذ أي من تكنولوجيات رسم الخرائط هذه. ومع ذلك، وكما هو موضح في الجدول 2.3، فإن تكلفة الوحدة الواحدة لاعتماد أي من هذه التكنولوجيات تنخفض مع زيادة حجم المزرعة.
وفي بعض البلدان، تخلى المزارعون عن استخدام تكنولوجيات الزراعة الدقيقة بسبب نقص الربحية.
الوعي والتدريب: تؤثر المهارات والتدريب في استخدام تكنولوجيات الزراعة الدقيقة. وقد وجد استبيان للمزارعين في أوروبا أن تكنولوجيات الزراعة الدقيقة ليست سهلة الاستخدام، وأن ذلك إلى جانب نقص الدعم في استخدام هذه التكنولوجيات يُعدّان من العوائق الرئيسية لاعتمادها.
ومع ذلك، فإن المزارعين الذين اعتمدوا بعض تكنولوجيات الزراعة الدقيقة للمبتدئين هم الأكثر عرضة لاعتماد مكونات أخرى من هذه التكنولوجيات. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام الانتشار الواسع لنظام تحديد المواقع العالمي في الجرارات ذاتية التوجيه أيضاً لتوجيه تطبيقات المدخلات الزراعية، مثل الأسمدة ذات المعدل المتغير. ربما هذا ما يفسر سبب اعتماد تكنولوجيا الأسمدة ذات المعدل المتغير بشكل محدود.
البنية التحتية: تُقيّد البنية التحتية اعتماد تكنولوجيات الزراعة الدقيقة. حيث تعتمد هذه التكنولوجيات الزراعية بشكل كبير على البنية التحتية المادية والرقمية المتوفرة في بلد معين، مثل توفر مصدر موثوق به للكهرباء والاتصال الخلوي أو عبر الأقمار الصناعية، لضمان تدفق البيانات.
ولن تعمل تكنولوجيات الزراعة الدقيقة التي تعتمد على أحدث تكنولوجيات النطاق العريض والاتصال اللاسلكي من الجيل الخامس في المناطق التي تكون فيها الكهرباء والاتصال الرقمي ضعيفين.
يوضح الشكل 7.3 التحدي المتمثّل في البنية التحتية على الصعيد العالمي. حيث تتمتع معظم المزارع الكبيرة بإمكانية النفاذ إلى اتصال الجيل الرابع، بينما يرتبط غالبية المزارع الصغيرة بالتكنولوجيا الأقدم، ألا وهي الجيل الثاني.
ويمكن أن يسهم انتشار التكنولوجيات المتنقلة في تسهيل النفاذ إلى تكنولوجيات الزراعة الدقيقة، خصوصاً عند تكييفها مع قيود الاتصال الرقمي. فعلى سبيل المثال، تستثمر الهند في البحث والتطوير لتكييف تكنولوجيات الزراعة الدقيقة لتناسب المزارعين المحليين في المناطق التي تعاني من ضعف الاتصال الرقمي.
النشر يختلف باختلاف حجم المزرعة
تعتمد المزارع الكبيرة المحاصيل المعدلة وراثياً وتكنولوجيات الزراعة الدقيقة بشكل أسرع من نظيراتها الصغيرة لأنها قادرة على توزيع التكاليف الثابتة على ناتج أكبر، ولديها نفاذ أفضل إلى التمويل والمعلومات.
وبالمقابل، تواجه المزارع الصغيرة قيوداً ائتمانية، وتكاليف أعلى للوحدة الواحدة، ونقصاً في الوعي بالتكنولوجيات الجديدة وطريقة استخدامها. وتؤثر هذه العوامل في الربحية وتزيد من المخاطر وحالة عدم اليقين الناجمة عن اعتماد تكنولوجيات جديدة.
توجد فجوة بين البلدان، خاصة فيما يتعلق بتكنولوجيات الزراعة الدقيقة. حيث تشير المزارع الكبيرة في أستراليا والولايات المتحدة إلى استخدام أعلى لأنظمة التوجيه الآلي بسبب حاجتها إلى زراعة المحاصيل على نطاق واسع. بينما يستخدم عشرة في المائة من المزارع الكبيرة في الأرجنتين، التي تشغل 78 في المائة من إجمالي الأراضي الزراعية، تكنولوجيات الزراعة الدقيقة المتقدمة.
وتظهر أنماط مماثلة في مناطق أخرى.
وعلى الصعيد العالمي، تُشكّل المزارع الصغيرة – التي تقل مساحتها عن هكتارين – الأغلبية من حيث العدد، لكنها تحتل نسبة صغيرة فقط من إجمالي الأراضي الزراعية.
ويؤثر التفاوت التكنولوجي بين أحجام المزارع بشكل غير متناسب في المزارعين ذوي الدخل المنخفض. ويلخص الجدول 3.3 العوامل المحددة المختلفة لنشر تكنولوجيات المحاصيل المعدلة وراثياً وتكنولوجيات الزراعة الدقيقة. فبالنسبة للمزارع الصغيرة، يمكن أن تكون هذه العوامل أكثر حدة وتشكل عائقاً أكبر أمام اعتماد هذه التكنولوجيات الجديدة.
ويشير تباطؤ اعتماد التكنولوجيات الجديدة إلى تباطؤ في تحقيق مكاسب في الإنتاجية، وانخفاض في مستويات الدخل.
وبدون دعم موجه، يمكن أن يؤدي التقدم التكنولوجي إلى توسيع الفجوات في الدخل وتقليل الشمولية.
النشر يحدث أسرع في بيئة داعمة
يمكن للدعم الحكومي عبر السياسات واللوائح وخطط التمويل تضييق الفجوة الكائنة في اعتماد نشر التكنولوجيات. وحتى المبادرات التي تقودها الصناعة تسهم في تسريع نشر التكنولوجيات.
اللوائح تحدد الشروط الحدية للنشر
تتطلب المحاصيل المعدلة وراثياً تقييم المخاطر على صحة الإنسان والبيئة. لذا، تعمل العمليات التي تتسم بالكفاءة والشفافية على الحد من عدم اليقين وتسريع الاعتماد الآمن. وفي الحالات التي تكون فيها العمليات بطيئة أو غير متوقعة، تؤجل الشركات الاستثمار وينتظر المزارعون.
السياسات تعزز الاعتماد بفاعلية
تساعد العديد من الحكومات في تمويل شراء التكنولوجيات الجديدة أو العروض الإيضاحية، وتدعم بحوث التكيّف المحلية، وتستثمر في الإرشاد الزراعي. وفي مجال التكنولوجيات المعدلة وراثياً، لطالما كان القطاع العام عنصراً مُمكّناً فعالاً لنشر تكنولوجيات المحاصيل المُحسِّنة للإنتاجية من خلال تقديم خدمات الإرشاد وتدريب المزارعين.
وكذلك قد تضع الحكومات أهدافاً للاستدامة لتشجيع استخدام تكنولوجيات الزراعة الدقيقة. فعلى سبيل المثال، استفاد المزارعون في البرازيل وكندا من برامج وسياسات الدعم العام المصممة لتشجيع اعتماد تكنولوجيات الزراعة الدقيقة. وفي الولايات المتحدة، تُسهم خطط التمويل المختلفة والشراكات بين القطاعين العام والخاص في زيادة اعتماد هذه التكنولوجيات.
كما يلعب القطاع الخاص، وكذلك المبادرات التي يقودها المزارعون، دوراً مهماً في سرعة وانتشار المحاصيل المعدلة وراثياً وتكنولوجيات الزراعة الدقيقة بين المزارعين. ففي بعض البلدان، تتعاون الشركات المنتجة للتكنولوجيات الزراعية مع القطاع العام لتقديم خدمات الإرشاد للمزارعين، فضلاً عن التدريب للمساعدة في الحفاظ على سلامة المحاصيل المعدلة وراثياً طوال دورة حياتها. وعلى سبيل المثال، عملت المبادرات التي تقودها الصناعة على تسهيل استخدام تكنولوجيات الزراعة الدقيقة من جانب المزارعين في أستراليا.
أهمية البنية التحتية
تؤدي الحكومات أيضاً دوراً مهماً في توفير البنية التحتية المناسبة لاعتماد المحاصيل المعدلة وراثياً وتكنولوجيات الزراعة الدقيقة، وفي الزراعة عموماً. فعلى سبيل المثال، توفر البنية التحتية للري ظروف نمو مهمة ومستقرة دعمت اعتماد القطن المعدل وراثياً في الصين والمكسيك والولايات المتحدة. وفيما يتعلق بتكنولوجيات الزراعة الدقيقة، فإن نقص أو ضعف الاتصال المادي والرقمي يحد من قابلية استخدام هذه التكنولوجيات فيما بين البلدان وداخلها.
أهمية المعايير وسياسة المنافسة
بالنسبة لتكنولوجيات الزراعة الدقيقة، تُمكّن المعايير المفتوحة من قابلية التشغيل البيني عبر الأجهزة والعلامات التجارية. إذ يمكن للبراءات الأساسية المعيارية (SEPs) المرخَّصة بالشروط العادلة والمعقولة وغير التمييزية (FRAND) أن تتيح التوافق وتقلل من تكاليف التحول (انظر الفصل 5 للاطلاع على مناقشة بشأن البراءات الأساسية المعيارية).
ويمكن للرقابة على المنافسة أن تردع التجميع غير التنافسي الذي يُقيّد المزارعين ضمن أنظمة إيكولوجية احتكارية.
دور الملكية الفكرية
إن حماية الملكية الفكرية لديها تأثير دقيق في نشر التكنولوجيات الزراعية. فهي توفر حوافز لاستثمار القطاع الخاص في البحث والتطوير، لكنها قد تسفر عن وجود عوائق أمام النفاذ إلى التكنولوجيات الاحتكارية وتطوير الاختراعات اللاحقة. وتختلف هذه الآثار بحسب التكنولوجيا، والسياق القطري، وبنية السوق.
حماية الملكية الفكرية تدفع عجلة الابتكار
توفر حماية الملكية الفكرية حقاً استئثارياً مؤقتاً لتقييد استخدام التكنولوجيات المحمية وبيعها.
وفي مجال الابتكار النباتي، جاء قدر كبير من التقدم المحرز تاريخياً من برامج الاستيلاد للقطاع العام. ولا يزال هذا الأمر صحيحاً إلى حد كبير في العديد من الاقتصادات النامية. غير أنه في بعض الاقتصادات، مثل الولايات المتحدة، تجاوزت استثمارات القطاع الخاص في الابتكار النباتي الإنفاق العام.
يمكن حماية التقدم التكنولوجي في استيلاد النباتات باستخدام أدوات الملكية الفكرية التالية في الولايات المتحدة:
قانون براءات النباتات (1930): يمنح حقوقاً استئثارية على النباتات التي تتكاثر لا جنسياً، ومن بينها نباتات الزينة والفواكه.
قانون حماية الأصناف النباتية (1970):يوفر حماية للأصناف النباتية التي تنتج من المحاصيل المُتكاثَرة جنسياً، والتي تشمل محاصيل البذور الزيتية، والأعشاب، والحبوب.
البراءات (براءات المنفعة): أدى حكم المحكمة العليا الأمريكية في قضية دايموند ضد تشاكرابارتي (1980)، وقرار مجلس طعون البراءات والتدخلات التابع لمكتب الولايات المتحدة الأمريكية للبراءات والعلامات التجارية (1985) في قضية هيبرد التي كان هيبرد فيها الطرف الوحيد في الدعوى، إلى توسيع نظام حماية البراءات في تلك الولاية القضائية ليشمل البذور، وأجزاء النباتات، والأصناف النباتية، والكائنات المُهندسة وراثياً، والمنتجات الجينية.
وهذه التغييرات التدريجية في كيفية حماية الابتكار في استيلاد النباتات جعلت الابتكار في هذا المجال جذاباً للقطاع الخاص.
بالنسبة للشركات الخاصة، تُمكّن حقوق الملكية الفكرية من تحقيق عوائد على استثمارات البحث والتطوير، ما يخلق حوافز أقوى للابتكار.
علاوة على ذلك، فإن هذا المجال محفوف بالمخاطر بسبب ارتفاع معدلات الاستنزاف وعدم وجود ضمان للنجاح. وقد وجدت إحدى الدراسات أن خمس سمات وراثية فقط جرى تسويقها في نهاية المطاف للمزارعين من أصل 560 سمة وراثية تم تحديدها خلال إحدى عمليات البحث والتطوير.
ويستخدم القطاع العام أيضاً حماية الملكية الفكرية. فعلى سبيل المثال، تتقدم مؤسسات البحث العامة في الولايات المتحدة بطلبات للحصول على حماية البراءات للابتكارات الزراعية من أجل تمكين نقل التكنولوجيا إلى الشركات الخاصة وتيسير تسويقها.
ومع ذلك، لا يعتمد القطاع العام على حماية الملكية الفكرية بنفس القدر الذي يعتمده القطاع الخاص. ففي العديد من الحالات، يختلف نطاق الاختراعات الزراعية، حيث يركز القطاع الخاص على الاختراعات القابلة للتوسع، بينما يركز القطاع العام على أنواع الاختراعات الخاصة بكل منطقة.
وتصوغ حماية الملكية الفكرية التعاون. إذ تتيح اتفاقات الترخيص والمشروعات المشتركة للشركات المحلية والأنظمة الوطنية للبحوث الزراعية (NARSs) النفاذ إلى التكنولوجيات الأجنبية، ما يمكنها من تكييف الابتكارات مع الجبلات الجرثومية المحلية وتعزيز القدرات المحلية. كما تسهم في بناء القدرات الابتكارية للأنظمة الإيكولوجية المحلية للابتكار في البلدان. وفي العديد من الحالات، عقدت الشركات الخاصة شراكات مع مؤسسات البحث العامة لتكييف التكنولوجيا المُعدَّلة وراثياً مع ظروف بيئية زراعية محددة، ما يعزز الأنظمة الإيكولوجية المحلية للابتكار.
رغم ذلك، يمكن للملكية الفكرية تقييد النفاذ
قد يكون النفاذ إلى التكنولوجيات المحمية بحقوق الملكية الفكرية مكلفاً، ما يؤثر بدوره على تطوير الابتكارات الجديدة واستخدامها المحتمل على حد سواء.
فغالباً ما يسعى المزارعون إلى استزراع أصناف محاصيل تجمع بين عدة سمات مرغوبة، مثل مقاومة الآفات، وتحمل الجفاف، والغلات العالية. ويمكن أن يكون تطوير مثل هذه البذور متعددة السمات مكلفاً لمنتجي البذور، لا سيّما حين تكون هذه السمات مملوكة لأصحاب حقوق ملكية فكرية مختلفين. إذ قد يؤدي التفاوض بشأن التراخيص مع أطراف متعددة إلى "تراكم" رسوم الإتاوات، حيث يسعى كل صاحب حق إلى الحصول على نسبة كبيرة. ومن ثم، تضغط هذه التكاليف التراكمية على هوامش ربح منتجي البذور، وقد تُثنيهم عن تسويق البذور التي تجمع أفضل تركيبات السمات.
وفي حالة التكنولوجيا المُعدَّلة وراثياً، تشير إحدى الدراسات إلى أن معدلات الإتاوات تمثل أكثر من نصف إجمالي هامش الربح المضاف على البذور.
وقد ركزت الشواغل المتعلقة بحماية الملكية الفكرية في مجال الابتكار النباتي عوضاً عن ذلك على مسائل مجتمعية وأخلاقية أوسع نطاقاً. حيث أُثيرت تساؤلات بشأن ما إذا كان ينبغي أن تخضع المواد البيولوجية للملكية الخاصة، وإذا ما كانت القيود التي تفرضها الملكية الفكرية تحد من النفاذ إلى التكنولوجيات الزراعية، لا سيما بطرق قد تتعارض مع الأهداف الإنسانية. وتكمن إحدى بؤر التوتر البارزة بين أصحاب البراءات من جهة، وامتيازات المزارعين من جهة أخرى، ما يعكس النقاشات المستمرة حول كيفية تحقيق التوازن بين حوافز الابتكار والنفاذ العادل (انظر الإطار 2.3).
وفي عام 1996، طورت شركة مونسانتو (التي أصبحت الآن جزءاً من شركة باير) فول الصويا المعدل وراثياً "راوند أب ريدي"، والذي تم تعديله وراثياً لتحمل مبيد الأعشاب "راوند أب" الخاص بالشركة. وقد اعتمد المزارعون هذه التكنولوجيا المعدلة وراثياً بسرعة، نظراً لفعاليتها وأدائها المثبتين.
ومع ذلك، واجهت الشركة بين عامي 2007 وحتى 2023 عدة دعاوى قضائية تتعلق بكيفية إنفاذ حقوق براءاتها.
وعادةً، يدفع المزارعون رسوم التكنولوجيا عند شراء أصناف المحاصيل المحسّنة. وفي العديد من البلدان، يؤدي هذا الشراء إلى استنفاد حقوق صاحب البراءة، ما يتيح للمزارعين استخدام التكنولوجيا كما يشاؤون، بما يشمل ادّخار البذور غير المستخدمة للموسم التالي.
واتبعت شركة مونسانتو نهجاً مختلفاً. فعند تسويق تكنولوجيتها المعدلة وراثياً، اشترطت على منتجي البذور وشركات الحبوب والمزارعين توقيع اتفاقات ترخيص تكنولوجيا تحظر على المزارعين ادخار البذور المشتراة وإعادة زراعتها لأكثر من موسم واحد. وقد تعارض هذا القيد مع الممارسة التقليدية للمزارعين في ادخار البذور.
حيث كان المزارعون الذين يستخدموا بذوراً تحتوي على سمات معدلة وراثياً، سواء عن علم أو دون علم، مطالبين بدفع رسوم تعويض بناءً على حصادهم. وقد أدى ذلك إلى رفع دعاوى قضائية ضد شركة مونسانتو في عدة بلدان مثل البرازيل وكندا والولايات المتحدة، من بين بلدان أخرى.
وفي البرازيل، زعم المزارعون بأن رسوم التعويض "أضرت بالحقوق الجماعية لملايين المزارعين"، ورفعوا دعوى جماعية في 9 أبريل 2009. وبعد سنوات من الإجراءات القانونية، قضت محكمة الاستئناف البرازيلية لصالح شركة مونسانتو في عام 2019، محددةً أن امتياز المزارعين في ادخار البذور لا ينطبق على التكنولوجيات المحمية ببراءات.
وبالنسبة لتكنولوجيات الزراعة الدقيقة، قد يؤدي عدم وجود معايير لقابلية التشغيل البيني إلى إبطاء عملية الاعتماد. فالتصميم المعياري لهذه التكنولوجيات يعني أنه يمكن للمزارعين شراء كل مكوّن على حدة. غير أن المزارعين قد يواجهون مشكلات توافق بين العناصر (الرقمية) للأجهزة والبرمجيات. وكذلك، قد يواجهون تحديات في دمج أنظمة تكنولوجيات الزراعة الدقيقة مع المعدات الزراعية القائمة.
وتعتمد العديد من المكونات الرقمية في تكنولوجيات الزراعة الدقيقة على تكنولوجيات احتكارية متداخلة ومتكاملة، قد تكون تكاليف ترخيصها باهظة. ويمكن حل هذه المعضلة من خلال معايير توافق تشغيل بيني متفق عليها. فإذا اعتمد مقدمو تكنولوجيا الزراعة الدقيقة معايير تُمكِن من التكامل السلس بين أنظمة تكنولوجيات الزراعة الدقيقة والمعدات القائمة، يمكن أن يتسارع الاعتماد. وهذا من شأنه أن يعكس نجاح توحيد المعايير في قطاعات التكنولوجيا الرقمية الأخرى (انظر الفصل 5 حول البراءات الأساسية المعيارية).
غير أن غموض ملكية الملكية الفكرية يخلق عوائقه الخاصة
في حين قد تثير حماية الملكية الفكرية مسألة اعتماد تكنولوجيات جديدة في مجال الزراعة، فإن انعدام اليقين بشأن ملكية حقوق الملكية الفكرية يشكل أيضاً عائقاً من خلال تعقيد عملية التسويق والحد من الفوائد المحتملة للابتكار.
وفي مجال استيلاد النباتات المتقدم، تؤدي حقوق الملكية غير المحسومة المتعلقة بالتكنولوجيات الأساسية إلى خلق توترات أمام المبتكرين اللاحقين. وخير مثال على ذلك هو النزاع المستمر حول ترخيص أداة تحرير الجينات "كريسبر-كاس 9". إذ تتيح هذه التكنولوجيا للعلماء إجراء تعديلات محددة للغاية على الشفرة الجينية للنباتات والحيوانات والكائنات الأخرى، من خلال تصحيح أخطاء الجينوم أو إدخال سمات مفيدة. وقد اكتسبت كريسبر-كاس 9 شعبية سريعة نظراً لسهولة استخدامها النسبية وكفاءتها ومرونتها، ما يتيح تطوير سمات محسّنة بسرعة تقارب ضعف سرعة تكنولوجيات الاستيلاد الأقدم.
ويتركز النزاع حول مطالبات براءات متداخلة وحقوق ترخيص غير واضحة من أجل الاختراعات اللاحقة. إذ تستند تكنولوجيا كريسبر-كاس 9 إلى براءتين أساسيتين: إحداهما مودعة من جينيفر دودنا وإيمانويل شاربنتييه من جامعة كاليفورنيا بيركيلي، وجامعة فيينا؛ والأخرى مودعة من فنج زانغ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نيابةً عن معهد برود. حيث تغطي كلتا البراءتين استخدام تقنية كريسبر-كاس 9، ولكنهما تنطبقان على فئات مختلفة من الكائنات الحية القائمة على الحمض النووي. وقد رُخِّصت حقوق دودنا/ شاربنتييه لشركة كورتيفا، بينما يحتفظ معهد برود ببراءة زانغ.
ونظراً لأن المطالبات تبدو متداخلة، يمكن لكل صاحب حق، نظرياً، منع الآخر من تسويق الاختراعات اللاحقة التي تنتهك براءاته. ويخلق ذلك حالة كبيرة من عدم اليقين بشأن التراخيص؛ إذ قد لا يعرف المخترعون المحتملون أي طرف ينبغي التوجه إليه للحصول على حقوق التسويق.
وقد ازداد تعقيد المسألة عندما أعادت محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الفيدرالية القضية إلى مجلس الدعاوى والطعون في مجال البراءات، لتحديد أولوية الاختراع، ما أدى إلى إطالة أمد التسوية.
ويتجنب بعض الباحثين فخ التراخيص من خلال اللجوء إلى بدائل مثل تكنولوجيات كريسبر 3.0، بما يشمل كريسبر Cms1 وكريسبر C2c2، المملوكة لشركة Benson Hill Systems. وعلى الرغم من أن هذه الأدوات قد لا تضاهي كفاءة كريسبر-كاس 9، فإنها توفر مساراً أوضح للتسويق لأن ملكية البراءات فيها محددة بوضوح.
ويمتد عدم اليقين في الملكية أيضاً إلى تكنولوجيات الزراعة الدقيقة، لا سيّما فيما يتعلق بالبيانات على مستوى المزرعة. إذ تجمع المستشعرات المدمجة في هذه التكنولوجيات الملايين من نقاط البيانات يومياً، بما يشمل ظروف التربة، واستخدام المدخلات، وأنماط الطقس، وغيرها من المقاييس المحددة للمزرعة. وعند تجميع هذه البيانات على المستويين الإقليمي أو الوطني، يمكن أن تكون من الأهمية بمكان لتحسين ممارسات إدارة المزارع وتوجيه قرارات الاستثمار الزراعي.
ومع ذلك، لا تزال حقوق الملكية والنفاذ إلى هذه البيانات على مستوى المزرعة غير محددة بشكل واضح. فعلى سبيل المثال، من الذي يتحكم في هذه البيانات؛ هل هو المزارع، أم الشركة المصنعة لتكنولوجيات الزراعة الدقيقة، أم مزود مكونات النظام المحددة، أم مشغل الخدمة السحابية الذي يخزن المعلومات، أم مطور المستشعر الذي التقطها في البداية؟
وتشمل الحلول المحتملة تعاونيات البيانات والصناديق الاستئمانية للبيانات، التي تضع أطر حوكمة لاستخدام البيانات مع ضمان تقاسم المزارعين لمنافعها. ومن خلال توضيح حقوق الملكية والاستخدام، يمكن لمثل هذه البُنى إطلاق العنان للإمكانات الكاملة للبيانات على مستوى المزرعة بُغية تحسين الزراعة على المستويين الفردي والإقليمي.