مقدمة
يستكشف هذا الفصل أنماط واتجاهات نشر المعرفة التكنولوجية الدولية عبر الزمن.
يشكل الابتكار عاملاً محفزاً في التقدم التكنولوجي. وتساعد المعرفة الجديدة الشركات على إنتاج السلع بكفاءة أكبر واستحداث منتجات أفضل وأكثر تنوعاً. كما تدفع هذه العملية النمو الاقتصادي وتساعد البلدان على التطور. تشير الأدلة الاقتصادية إلى أن الاختلافات في نمو الإنتاجية تفسر معظم الفجوات في الدخل بين البلدان خلال القرن العشرين.
لماذا تتواصل هذه الاختلافات في الإنتاجية؟ كما نوقش في الفصل الأول، فإن الابتكار لا يتوزع بالتساوي بين البلدان أو المناطق. ومع ذلك، تنتشر التكنولوجيا بسهولة أكبر عبر مسافات طويلة عندما تكون مضمّنة في السلع والمعدات الجاهزة للاستخدام. إذ كان انتشار التكنولوجيات الرئيسية أمراً حاسماً في نشر تأثيرات الثورة الصناعية بين البلدان، كما شكّل النشر عملية توزيع الدخل للفرد على مدى القرنين الماضيين.
ومع ذلك، فإن المعرفة التكنولوجية لا تكون دائماً مُتجسِّدة في المنتجات المادية. فجزء كبير منها يظل ضمنياً، إذ يوجد في صورة خبرات غير مكتوبة بدلاً من معلومات مُقنَّنة. وهذا يجعل من الصعب انتشار المعرفة التكنولوجية على مسافات طويلة ما لم ينتقل الأشخاص الذين يحملون هذه المعرفة أو يتم تدوينها ومشاركتها مع الآخرين. وتنتشر المعرفة الضمنية بشكل رئيسي من خلال التفاعلات المباشرة وجهاً لوجه والشبكات المهنية المتخصصة التي تميل إلى أن تكون متمركزة جغرافياً.
هل يمكن لتكنولوجيات الاتصالات الجديدة أن تغير من سرعة انتشار المعرفة التكنولوجية؟ على الرغم من التطورات التي حدثت في أدوات التعاون عن بُعد والاتصالات بعيدة المدى، لا تزال المسافة الجغرافية تؤثر في نشر الأفكار والمعرفة والتغير التكنولوجي.
إن للتدفقات المعرفية التكنولوجية تأثيراً اقتصادياً. فعلى الرغم من وجود عوائق أمام حركة التنقل عبر الحدود، فإن النشر الدولي للمعرفة يلعب دوراً حاسماً في تشكيل الأنماط الاقتصادية العالمية.
كما يُعد فهم نشر المعرفة التكنولوجية على الصعيد الدولي أمراً ضرورياً لواضعي السياسات الذين يرغبون في تعزيز النمو المدفوع بالابتكار، والحد من عدم المساواة العالمية، وزيادة الإنتاجية. ومع تطور العالم، ستظل وتيرة التدفقات المعرفية واتجاهها محورية في المناقشات الدائرة حول التنمية الاقتصادية والتنافسية العالمية.
ولا يزال قياس نشر المعرفة يمثل تحدياً للباحثين في مجال الابتكار. وقد أشار بول كروغمان في كتابه الجغرافيا والتجارة الصادر عام 1991، إلى أن الآثار المعرفية الجانبية "لا تترك سجلاً ورقياً يمكن من خلاله قياسها وتتبعها". وقد دفعت هذه الملاحظة خبراء اقتصاديين في مجال الابتكار إلى البحث عن طرق لقياس هذه التدفقات المعرفية غير المرئية، ما حفز عقوداً من البحث لتطوير أساليب تجريبية لتتبع الآثار المعرفية الجانبية.
باستخدام بيانات الملكية الفكرية على اعتبارها منظوراً تحليلياً، يحدّد هذا الفصل إطار نشر المعرفة التكنولوجية الدولية ويبحث في كيفية تغير الأنماط بمرور الوقت. وتُتيح وثائق البراءات إمكانية ملاحظة نشر المعرفة التكنولوجية من خلال تسجيل الاختراعات وتصنيفها حسب المجالات التكنولوجية عبر أنظمة مثل التصنيف الدولي للبراءات (IPC).
يهدف هذا الفصل إلى تحقيق هدفين رئيسيين: أولاً، تحديد إطار نشر المعرفة التكنولوجية الدولية وتتبع التغييرات بمرور الوقت باستخدام بيانات الملكية الفكرية (IP)؛ وثانياً، فحص هذه النتائج المستخلصة من وجهة نظر الأدبيات الاقتصادية حول القنوات الرئيسية لنشر المعرفة التكنولوجية الدولية.
يتبنى التحليل منظوراً عالمياً ويستخدم نُهُجاً متعددة لتتبع نشر المعرفة التكنولوجية الموثقة في البراءة والبيانات ذات الصلة. يتناول الإطار 1.2 الأساليب المتّبعة في قياس نشر المعرفة التكنولوجية الدولية.
وقد أكّد بول كروغمان في كتابه الجغرافيا والتجارة الصادر عام 1991، أن الآثار المعرفية الجانبية عبارة عن قوة تجميعية لا تترك "أي سجل ورقي يمكن من خلاله قياسها وتتبعها". وقد مثل هذا التصريح تحدياً مباشراً للاقتصاديين في الابتكار، ما أدى إلى سعي حثيث استمر لعقود من أجل إيجاد مؤشرات تجريبية على هذه الظاهرة غير المرئية.
وقد أقدم اقتصاديون خبراء في مجال الابتكار منذ ذلك الحين على وضع العديد من المقاييس، التي تعتمد في الغالب على بيانات البراءات، لتسجيل نشر المعرفة التكنولوجية. وهذه هي النُهُج الرئيسية المتّبعة:
مواقع البراءات توضح مكان ظهور المعرفة التكنولوجية الجديدة بمرور الوقت، من خلال تتبع الأصول الجغرافية لمودعي الطلبات أو المخترعين في إيداعات البراءات.
الاستشهادات ببراءات تمثل النهج الأكثر شيوعاً لتتبع النشر التكنولوجي. فحين تستشهد براءة جديدة ببراءة سابقة، يمثل هذا تدفقاً معرفياً محتملاً من الاختراع الأقدم إلى الاختراع الأحدث. وتهيمن الاستشهادات ببراءات على استراتيجيات إظهار التدفقات المعرفية غير المرئية، على الرغم من النقاشات الدائرة حول الاعتبارات الاستراتيجية والقيود المؤسسية في أنظمة البراءات.
(7)وقد كشف تومسون وفوكس-كين (2005) أن التصنيفات التكنولوجية المستخدمة في إجراء المطابقة الذي وضعه جافي وآخرون (1993) كانت عامة للغاية، ما قد يؤدي إلى الخلط بين التقارب التكنولوجي والقرب الجغرافي، وبالتالي إبطال نتائجهم المستخلصة المتعلقة بالتوطين. أما تومسون (2006) فقد احتج بأن الاستشهادات التي يضيفها مودعو الطلبات (بما في ذلك المخترعين والمحامين) من المرجح أن تمثل تدفقات معرفية حقيقية أكثر من تلك التي يضيفها فاحصو البراءات. وقد أدى ذلك إلى ظهور أدبيات تركز على تمييز أصول الاستشهادات. ومع ذلك، فإن هذا التمييز بين مودع الطلب والفاحص يمثل مشكلة بحد ذاته: فغالباً ما يتصرف مودعو الطلبات بشكل استراتيجي، وفي بعض الأحيان يحجبون الاستشهادات، في حين يعمل الفاحص الموجود خارج الولايات المتحدة بموجب قواعد مختلفة (لامبي، 2012). انظر مؤلف جافي، آدم ب، وتراتشتنبرغ، م، وهندرسون، ر "Geographic localization of knowledge spillovers as evidenced by patent citations". The Quarterly Journal of Economics 108، رقم. 3 (1993): 577–98. https://doi.org/10.2307/2118401؛ ولامبي، ر (2012). Strategic citation. The Review of Economics and Statistics، 94(1)، 320–33، https://doi.org/10.1162/REST_a_00159؛ وتومسون، ب (2006). Patent citations and the geography of knowledge spillovers: Evidence from inventor- and examiner-added citations. Review of Economics and Statistics، 88(2)، 383–88، https://doi.org/10.1162/rest.88.2.383؛ وتومسون، ب، وفوكس-كين، م (2005). Patent citations and the geography of knowledge spillovers: A reassessment. The American Economic Review, 95(1), 450–60. مسارات نشر الاختراعات الرائدة تفترض أن التكنولوجيات الرائدة الجديدة تظهر عندما يتم دمج المكونات الحالية لأول مرة في براءة اختراع جديدة. ويحدد الباحثون إطار مسارات نشر المعرفة باستخدام توليفات أولية من رموز تصنيف البراءات (مثل IPC) ويتتبعون ظهورها المتكرر لاحقاً بمرور الوقت وفي مناطق جغرافية مختلفة.
(8)وانطلاقاً من فرضية أن التكنولوجيات الرائدة تظهر عندما تتحد مكونات موجودة مسبقاً لأول مرة، (آرثر، 2009؛ فليمنغ، 2001؛ فيرهوفن وآخرون، 2016)، يستخدم بيتزوني وآخرون (2022، 2023) رموز تصنيف البراءات (مثل رموز IPC أو CPC) في بيانات البراءات لبناء مؤشرات للمكونات الموجودة مسبقاً في أساس التكنولوجيا. انظر آرثر، و ب (2009). The Nature of Technology: What It Is and How It Evolves. سايمون وشوستر؛ فليمنغ، ل (2001). Recombinant uncertainty in technological search. Management Science، 47(1)، 117–32، https://doi.org/10.1287/mnsc.47.1.117.10671؛ وفيرهوفن، د، وباكر، ج، وفيوغيلرز، ر (2016). Measuring technological novelty with patent-based indicators. Research Policy، 45(3): 707–23؛ وبيتزوني، م، فيوغيلرز ر، وفيسينتين، ف (2023). Technologies Fly on the Wings of Science. أوراق عمل معهد ماستريخت للبحوث الاقتصادية والاجتماعية بشأن الابتكار والتكنولوجيا 2023 حتى 2036، جامعة الأمم المتحدة – معهد ماستريخت للبحوث الاقتصادية والاجتماعية بشأن الابتكار والتكنولوجيا (MERIT)، https://ideas.repec.org//p/unm/unumer/2023036.html؛ وبيتزوني، م، وفيوغيلرز، ر، وفيسينتين، ف (2022). How fast is this novel technology going to be a hit? Antecedents predicting follow-on inventions. Research Policy، 51(3)، 104454، https://doi.org/10.1016/j.respol.2021.104454 الاستشهادات بالبراءات في المقالات العلمية تتتبع مسار تحويل العلوم إلى تكنولوجيا، والذي يُنتج ابتكارات "التكنولوجيا العميقة".
(9)انظر: أحمدبور، م، وجونز، ب ف (2017). The dual frontier: Patented inventions and prior scientific advance. Science 357, 583–87؛ أرورا، أ، بيلينزون، وسوه، ج (2021). العلم وسوق التكنولوجيا، سلسلة أوراق عمل المكتب الوطني للبحوث الاستراتيجية رقم 28534، كامبريدج، ماساتشوستس: المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، https://doi.org/10.3386/w28534؛ ماركس، م، وفوجي، أ (2020). Reliance on science: Worldwide front-page patent citations to scientific articles. Strategic Management Journal، 41، 1572–94. https://doi.org/10.1002/smj.3145؛ وماركس، م، وفويجي، أ (2022). Reliance on science by inventors: Hybrid extraction of in-text patent-to-article citations. Journal of Economics & Management Strategy، 31(2)، 369–92. https://doi.org/10.1111/jems.12455. تكشف هذه الاستشهادات كيف تترجم الاكتشافات العلمية الأساسية إلى تكنولوجيات رائدة في مجالات تعتمد بشكل كبير على العلوم، مثل البيوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والمواد المتقدمة.أسر البراءات تتتبع نشر المعرفة من خلال ربطها بمواقع إيداع المخترعين للبراءات لأول مرة وامتداداتها الدولية اللاحقة.
(10)انظر مارتينيز، ك (2011). Patent families: When do different definitions really matter? Scientometrics, 86, 39–63, https://doi.org/10.1007/s11192-010-0251-3، ومارتينيز، ك (2010). Insight into Different Types of Patent Families. أوراق عمل بشأن العلوم والتكنولوجيا والصناعة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية رقم 2010/02. باريس: دار النشر التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، https://doi.org/10.1787/5kml97dr6ptl-en تعكس هذه الامتدادات الأقاليم التي يعتزم مودعو الطلبات فيها إنفاذ حماية البراءات.أنماط التخصص في التجارة والعلوم والبراءات تُظهر أن البلدان تُنوع باستمرار في المنتجات والتكنولوجيات والمجالات العلمية المرتبطة بخبراتها الحالية، ما يشير إلى نشر المعرفة بين المناطق المجاورة تكنولوجياً.
(11)انظر، هيدالغو، س، أ، وكلينغر، ب، وباراباسي، أ-ل وآخرين (2007). The product space conditions the development of nations. Science, 317, 482–87؛ باهار، د، وهوسمان، ر، وهيدالغو، س أ (2014). Neighbors and the evolution of the comparative advantage of nations: Evidence of international knowledge diffusion? Journal of International Economics, 92(1), 111–23, https://doi.org/10.1016/j.jinteco.2013.11.001؛ بالاند، ب-أ، وبوشما، ر، وكريسبو، ج وآخرون. (2018). Smart specialization policy in the European Union: Relatedness, knowledge complexity and regional diversification. Regional Studies، 1–17؛ وبيتراليا، س، وبالاند، ب-أ، وموريسون، أ (2017). Climbing the ladder of technological development. Research Policy, 46, 956–69, https://doi.org/10.1016/j.respol.2017.03.012. بيانات الملكية الفكرية الأخرى تشمل تجارب حديثة باستخدام بيانات العلامات التجارية ومؤشرات الملكية الفكرية الأخرى لتحديد جغرافية الابتكار ونشر المعرفة.
(12)انظر كاستالدي، س (2020). All the great things you can do with trademark data: Taking stock and looking ahead. Strategic Organization، 18(3)، 472–84، https://journals.sagepub.com/doi/full/10.1177/1476127019847835؛ كاستالدي، ك، ودريفاس، ك (2023). Relatedness, cross-relatedness and regional innovation specializations: An analysis of technology, design, and market activities in Europe and the US. Economic Geography، 99، 253–84؛ كاستالدي، ك، وعباسي هروفتيه، م، وبتراليا، س (2019). From Patents to Trademarks: Towards a Concordance Map. تقرير برنامج المكتب الأوروبي للبراءات (EPO-ARP).
مزايا بيانات البراءات: توفر بيانات البراءات سجلات للنواتج الابتكارية ثرية بالمعلومات وقابلة للقياس ومتاحة للجمهور. وتُصنّف فيها البراءات حسب التكنولوجيا، وتتضمن معلومات جغرافية مفصّلة وتمتد لفترات زمنية طويلة، ما يسمح للباحثين بتتبع جغرافية الابتكار وتوقيته وطبيعته على مستوى العالم.
أوجه القصور في بيانات البراءات: لا تصدر براءات لجميع الابتكارات ببراءات؛ إذ يختلف التوجّه نحو إصدار البراءات باختلاف الصناعات والبلدان، كما تختلف جودة البراءات اختلافاً كبيراً. كما يمكن للاستشهادات بالبراءات أن تعالج هذه المشكلات جزئياً، لكنها تثير تعقيدات أخرى، مثل استفسارات حول الجهة المسؤولة عن إدراج هذه الاستشهادات في وثائق البراءات.
على الرغم من كونها مقاييس غير مثالية للآثار المعرفية الجانبية، فإن البراءات وبيانات الاستشهادات بها توفر معايير قابلة للقياس ومفيدة يمكن قياسها وتحليلها بسهولة. ولا تزال هي الأداة الرئيسية في الوثائق التجريبية حول نشر المعرفة، سواء داخل البلدان أو فيما بينها.
عندما يترك نشر المعرفة أثراً في الاستشهادات بالبراءات
غالباً ما يقوم خبراء الاقتصاد في مجال الابتكار بتحليل كيفية انتشار المعرفة التكنولوجية من خلال فحص الموقع الجغرافي للبراءات والاستشهادات بها.
توفر بيانات البراءات مزايا بحثية فريدة. كما توفر بيانات البراءات سجلاً للنشاط الابتكاري ثرياً بالمعلومات وقابلاً للقياس ومتاحاً للجمهور. وتُصنّف البراءات التي تستشهد ببراءات أخرى بعناية حسب التكنولوجيا كما تتضمن معلومات مفصّلة عن المخترعين ومودعي الطلبات. تودع البراءات على مدى فترات زمنية طويلة، ما يسمح للباحثين بتتبع جغرافية الابتكار وتوقيته وطبيعته على مستوى العالم.
يتطلب تفسير الاستشهادات بالبراءات توخي الحذر. إذ تتضمن بيانات الاستشهاد بالبراءات أوجه قصور ملحوظة تتطلب تفسيراً دقيقاً.
يمكن أن تكشف الاستشهادات بين البراءات عن تدفقات معرفية. إذ تمثل الاستشهادات بين البراءات النهج التجريبي الرئيسي لرصد "السجلات الورقية" لنشر المعرفة التكنولوجية الدولية.
المعرفة التكنولوجية تنشر على نحو أسرع
يُظهر تحليل تدفقات الاستشهادات الدولية بالبراءات بوضوح أن المعرفة التكنولوجية تنتشر اليوم بشكل أسرع مما كانت عليه في الماضي. وتشير جميع مقاييس الاستشهادات بالبراءات إلى أن التكنولوجيات تعمل على تسريع مسارات نشرها.
انخفضت مدة الاعتماد الدولي إلى النصف. ويوضح الشكل 1.2 أن التأخر في الاعتماد الدولي، الذي تم قياسه من خلال أول استشهاد دولي بأسرة براءات حالية، يستغرق الآن نصف الوقت الذي استغرقه قبل 50 عاماً. وفي أوائل سبعينيات القرن العشرين، كان متوسط الاستشهادات الدولية التي تتلقاها أسرة البراءات حوالي 2.8 سنة بعد الإيداع. وبحلول عام 2020، انخفض تأخر الاعتماد الدولي إلى أقل من عامين. وقد تواصل التراجع إلا في استثناء ملحوظ: إذ أنه من منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، استقر تأخر الاعتماد عند حوالي عامين. وتتزامن هذه الفترة مع الزيادات السريعة في إصدار البراءات من طرف الصين وغيرها من الجهات الفاعلة الناشئة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في عدد وثائق البراءات غير المتاحة على الفور باللغة الإنجليزية.
تشهد جميع المجالات التكنولوجية نشراً أسرع. ويحدث انخفاض في تأخر الاعتماد الدولي في جميع المجالات التكنولوجية، على الرغم من اختلاف متوسط فترات التأخير. ويوضح الشكل 1.2 فترات تأخير الاعتماد لأربعة مجالات تكنولوجية محدّدة وهي: الأدوية الحيوية؛ والمحركات والنقل؛ وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICTs)؛ وأشباه الموصلات والبصريات. وتتبع جميع المجالات الأربعة الاتجاه العام نحو اعتماد أسرع.
تُظهر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات باستمرار فترات تأخير اعتماد أقصر مقارنةً بمتوسط فترات التأخير، وتفرض هذه الميزة نفسها بمرور الوقت. بدأت الفجوة بنسبة 5 في المائة فقط في عام 1970 ووصلت إلى 15 في المائة بحلول عام 2020. وتُظهر المحركات والنقل نمطاً معاكساً، حيث كانت فترات الاعتماد أبطأ من المتوسط بنسبة 2 في المائة فقط في عام 1970، ولكنها أصبحت أبطأ بنسبة 6 في المائة بحلول عام 2020.
أما تكنولوجيات الأدوية الحيوية فتتبع مساراً مميزاً. إذ بدأت بفترات تأخر اعتماد أسرع من المتوسط بنسبة 5 في المائة، وتحسنت بشكل مطرد حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حين بلغت ذروتهم وأصبحت أسرع من المتوسط بنسبة 10 في المائة. إلا أن هذا الاتجاه انعكس في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حيث بلغ ذروته حين أصبحت فترات الاعتماد أبطأ من المتوسط بنسبة 25 في المائة.
يمكن أن تفسر التطورات الحادثة في التكنولوجيات الرقمية النشر الأسرع. إذ يمكن أن يُعزى هذا الاتجاه طويل الأمد إلى حد كبير إلى التطورات الملحوظة في تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات خلال الفترة نفسها. وتحولت وثائق البراءات من النشر الورقي فقط إلى الأنساق الرقمية بشكل أساسي. وقد حصل الباحثون والمخترعون على إمكانية نفاذ متزايدة إلى معلومات البراءات من خلال قواعد البيانات الإلكترونية التي وفرت ترجمة آلية إلى لغات متعددة. تطورت أساليب الاتصال من البريد التقليدي الذي يستغرق وقتاً طويلاً والمكالمات الهاتفية المكلفة إلى مكالمات الفيديو الفورية المجانية الافتراضية، والرسائل، ومشاركة الملفات على الأجهزة المحمولة.
الفجوة بين التدفقات المعرفية على الصعيد الوطني والدولي تصبح أضيق
تعكس الاتجاهات الرامية نحو تقليص فترات تأخر الاعتماد ما يسميه الباحثون بداية اقتصاد المعرفة.
لا تزال المسافة مهمة، ولكن بدرجة أقل من ذي قبل. إذ تؤكد النظرية البحثية والأدلة على السواء أن المسافة تؤثر في نشر المعرفة. وتنتشر الآثار المعرفية الجانبية بسهولة أكبر عندما تكون المسافة بين بلد المنشأ وبلد الوجهة أقصر. ويوضح الشكل 2.2 ذلك من خلال إظهار الفرق في فترات تأخر الاعتماد بين استشهادات بالبراءات على الصعيد الوطني والدولي. وكما هو متوقع، تحدث الاستشهادات بالبراءات بشكل أسرع داخل الحدود الوطنية مقارنةً بحدوثها عبر الحدود.
ومع ذلك، فإن الفجوة تتلاشى على الصعيد الدولي. فمنذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، بدأت هذه الفجوة تتقلص بشكل مطرد. حيث بلغ الفرق ذروته في عام 1988، حين كان متوسط تأخر الاعتماد الدولي أبطأ من متوسط تأخر الاعتماد الوطني بنسبة 12 في المائة. ومنذ ذلك الحين، تقلصت الفجوة بشكل ملحوظ. فبحلول أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كان الفرق حوالي 5 في المائة فقط، ويبدو أنه بحلول عام 2020 قد اختفى تماماً.
يشير هذا التقارب إلى أن الحواجز الجغرافية التي تعيق نشر المعرفة تضعف بمرور الوقت. إذ إن التطورات التكنولوجية ذاتها التي اختصرت مهل الاعتماد الإجمالية، سرّعت من تبادل المعرفة دولياً مثلما سرّعتها على الصعيد المحلي تقريباً.
الاقتصادات المتقدمة تستوعب المعرفة الأجنبية بوتيرة أسرع
يختلف نشر المعرفة اختلافاً كبيراً بين البلدان. إن سرعة نشر المعرفة التكنولوجية لا تتوزع بالتساوي على مستوى العالم. فعلى الرغم من تسارع النشر الدولي بشكل عام، إلا أن هناك اختلافات واضحة لا تزال قائمة حول مدى سرعة انتقال المعرفة بين مختلف البلدان والمناطق.
وتنتقل المعرفة المحلية دائماً بوتيرة أسرع. يوضِّح الشكل 3.2 متوسط الوقت بين تاريخ إيداع البراءة وأول استشهاد بها في مكان آخر. ويتضح أن للجغرافية أهمية كبيرة. ففي جميع الحالات، يستشهد المخترعون بالتكنولوجيات الصادرة من بلدانهم بوتيرة أسرع من استشهاد المخترعين الأجانب بالتكنولوجيات ذاتها. ويظل هذا النمط قائماً حتى بين الاقتصادات المتقدمة في مجال الابتكار. فعلى سبيل المثال، يستشهد مودعو الطلبات في الولايات المتحدة بتكنولوجياتهم الخاصة بمعدل أسرع بمرتين مقارنةً بمودعي الطلبات في ألمانيا أو الصين عند استشهادهم بأسر البراءات الأمريكية، وبمعدل أسرع بثلاث مرات مقارنةً بمودعي الطلبات في اليابان أو جمهورية كوريا. والعكس بالعكس صحيح. يستشهد مودعو الطلبات من ألمانيا وجمهورية كوريا واليابان والصين بتكنولوجياتهم الخاصة بمعدل أسرع بنحو 5.2 و4 و5 و6 مرات، على التوالي، مقارنةً بمعدل استشهاد مودعي الطلبات في الولايات المتحدة بالتكنولوجيات القادمة من هذه البلدان.
وتستوعب الاقتصادات المتقدمة المعرفة الأجنبية بوتيرة أسرع. حيث توجد فروق جوهرية في سرعة نشر المعرفة عبر مختلف الممرات الدولية للمعرفة. إذ تستفيد اقتصادات الابتكار ذات الأداء العالي – بما في ذلك الولايات المتحدة وبلدان شرق آسيا ودول أوروبا الغربية – من تدفقات داخلية أسرع للمعرفة التكنولوجية الأجنبية من معظم المناطق الأخرى في العالم، مقارنةً بالسرعة التي يستوعب بها بقية العالم معارفه. وفي المقابل، تشهد بلدان أفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي وأوروبا الشرقية عادةً معدلات أبطأ لنشر المعرفة الداخلية.
وتدعم تدفقات المعرفة الأنظمة الإيكولوجية الرائدة في مجال الابتكار. إذ يستغرق مودعو الطلبات في الولايات المتحدة وقتاً أقل بصورة منهجية للاستشهاد بالتكنولوجيات القادمة من بلدان أخرى مقارنةً بالوقت الذي تستغرقه تلك البلدان للاستشهاد بالتكنولوجيات الأمريكية. ويشير هذا النمط إلى أن اقتصادات الابتكار الرائدة طوّرت قدرات أقوى على تحديد التطورات التكنولوجية الأجنبية واستيعابها والاستفادة منها.
مساهمة عدد قليل من البلدان الرائدة في معظم المعرفة العالمية واستيعابها أيضاً
لا تكشف السرعة الصورة الكاملة لأحجام المعرفة. فقد أظهر التحليل السابق مدى سرعة دراية الاقتصادات بالتكنولوجيات الناشئة في أماكن أخرى، وهو ما يشير إلى مستوى تطور الابتكار لديها ومدى نشاطها في البحث عن تكنولوجيات محددة. ومع ذلك، فإن هذا التحليل يقدّم معلومات محدودة عن الحجم الفعلي للمعرفة التي تسهم بها الاقتصادات في المجمع العالمي للمعرفة التكنولوجية وتستقبلها.
وتهيمن بعض الاقتصادات على تدفقات المعرفة العالمية. ولا تمثل سوى مجموعة محدودة من الاقتصادات الغالبية العظمى من استشهادات البراءات المتدفقة دولياً – سواء بوصفها مصادر للمعرفة أو وجهات لها. ويعرض الشكل 4.2 أكبر 10 مساهمين ومستفيدين خلال الفترة 1970–2020. وتقود الولايات المتحدة الطليعة بوصفها المرسل الرئيسي للمعرفة التكنولوجية في الخارج على مدى العقود الخمسة الماضية. وتحتل أيضاً المرتبة الأولى بوصفها أهم متلقٍ للمعرفة خلال الفترة ذاتها.
وقد انضمت اقتصادات شرق آسيا إلى قائمة الدول الرائدة. والمتتبع للأحداث التاريخية، يرى أنه بعد الولايات المتحدة جاءت اليابان وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وسويسرا ومملكة هولندا وكندا. وفي أوائل القرن الحادي والعشرين، بدأت جمهورية كوريا والصين في تحقيق تقدم ملحوظ. وبحلول عام 2020، سجل هذان الاقتصادان في شرق آسيا أكبر الزيادات خلال فترة التحليل، وانضما إلى الولايات المتحدة ضمن المراكز الثلاثة الأولى.
ويتطابق المساهمون والمستفيدون إلى حدّ كبير. حيث تُظهر جميع الاقتصادات الرائدة أنماطاً متشابهة نسبياً من حيث حصصها بوصفها بلداناً يُستشهد بها وبلداناً مستشهدة، ويظل هذا التوازن ثابتاً عبر مختلف الفترات الزمنية. وينطبق النمط ذاته على بقية العالم ككل.
والمساهمون النشطون هم أيضاً مستوعبون نشطون. حيث يشير هذا التوازن إلى أن الاقتصادات التي تسهم بتكنولوجيات تجذب الانتباه الدولي هي ذاتها الاقتصادات التي تجد التكنولوجيات الأجنبية الأكثر إثارة للاهتمام. فالبلدان التي تستحدث ابتكارات ذات أهمية عالمية تسعى أيضاً بنشاط إلى استكشاف الابتكارات القادمة من أماكن أخرى والاستفادة منها. ويشير ذلك إلى أن نظم الابتكار الناجحة تنشئ المعرفة وتستهلكها أيضاً بأحجام كبيرة.
تضاعف كثافة نشر المعرفة التكنولوجية
لم تقتصر وتيرة المعرفة التكنولوجية على التسارع خلال العقود الأخيرة فحسب، بل تضاعفت أيضاً كثافة نشرها. ويكشف الشكل 5.2 عن نسبة أنماط تدفقات المعرفة الثنائية بين أبرز الاقتصادات والمناطق في العالم. الاتجاه العام هو زيادة واسعة النطاق في كثافة الاستشهاد.
وتعتمد البلدان في المقام الأول على معارفها الخاصة. وتظهر أكبر نسب الاستشهادات على طول القطر الرئيسي، مما يشير إلى أن جميع المناطق تعتمد بدرجة كبيرة على معارفها التكنولوجية الخاصة. ويكون هذا النمط قوي بشكل خاص في البلدان الكبيرة الراسخة تكنولوجياً، مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، واقتصادات أخرى في أوروبا الغربية.
وتستوعب الولايات المتحدة وأوروبا الغربية المعرفة على نطاق عالمي. وتُظهِر النسب الكبيرة من الاستشهادات للولايات المتحدة، وإلى حدٍ أقل، لأوروبا الغربية، باعتبارها بلدان وجهة أن هذه المناطق تستشهد بالمعرفة المنتَجة في جميع الأقاليم بشكل افتراضي. وتستفيد اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بشكل واسع من المعرفة التكنولوجية التي تم تطويرها عالمياً.
وتستخدم الاقتصادات الآسيوية المعرفة الأجنبية بشكل واسع، لكنها أصبحت أيضاً تعتمد اعتماداً كلياً على ذاتها. فقد أصبحت العديد من الأقاليم اقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على معارفها الخاصة، كما يتضح من زيادة القيم على طول القطر الرئيسي على مر العقود. ويبرز هذا الاتجاه بشكل كبير في الصين وجمهورية كوريا، وإلى حدٍ أقل في الهند. تعتمد هذه البلدان بشكل واسع على أسسها التكنولوجية الخاصة بدلاً من اعتمادها بشكل أساسي على المعرفة الأجنبية.
استقطاب التكنولوجيا العميقة: عندما تستفيد التكنولوجيات من المعرفة العلمية
هناك اهتمام متزايد بابتكارات "التكنولوجيا العميقة". حيث يدرك الباحثون وواضعو السياسات أن العلوم الأساسية تحفِّز الابتكار التكنولوجي والنمو الاقتصادي.
ويُنشئ العلم مستودعات المعارف القيّمة. وتعتبر البلدان والمناطق مستودعات للبحث العلمي. وتعزز الاستثمارات في العلوم والتعليم قدرة المناطق على تطوير تكنولوجيات جديدة وابتكارات متقدمة.
وتكشف بيانات جديدة عن روابط بين العلوم والتكنولوجيا. حيث اجتذب الكشف عن الروابط بين العلوم والتكنولوجيا اهتمام الباحثين لسنوات. ويلجأ واضعو السياسات بشكل متزايد إلى الأدلة من المجتمع الأكاديمي لتصميم سياساتهم وتقييمها. انظر مؤلف
وتنتقل المعرفة العلمية إلى آفاق أوسع من المعرفة التقنية. فكيف يؤثر العلم على نشر المعارف التكنولوجية الدولية؟ وتوضح البحوث الاقتصادية أن التكنولوجيات التي تحتوي على محتوى علمي أعلى تنتقل إلى مسافات أطول، ومن المرجح أنها تُنشئ مجموعات جديدة من المخترعين، خاصةً خلال مرحلتي نموها ونضجها.
ولا تزال ثمة قيود على القياس. حيث توجد قيود على الاستشهادات الخاصة بالبراءات فيما يخص الأوراق العلمية. ويقلل النهج من تأثير العلم لأنه يسجِّل فقط البحوث التي تُجرى بصورة علنية، في حين يحذف القنوات الخاصة مثل الاستشارات الأكاديمية أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
المعارف العلمية تستغرق وقتاً قبل أن تتحول إلى تطبيقات للتكنولوجيا العميقة
يتطلب تحويل العلم إلى تكنولوجيا قدراً من الصبر. ويُظهر تحليل الاستشهادات الخاصة بالبراءات العالمية بالمقالات العلمية أن البراءات تستغرق وقتاً أطول بكثير للاستشهاد بالمقالات العلمية مقارنةً بالاستشهاد ببراءات أخرى. ففي المتوسط، تتلقى المقالات العلمية أول استشهاد بالبراءة بعد نحو 10 سنوات من نشرها. ويتوافق هذا النمط مع الدراسات الاقتصادية التي تُظهر أن تحويل المعارف العلمية إلى معايير تطبيقات صناعية يتطلب جهداً كبيراً.
وتؤثر الجغرافيا في مصادر المعارف العلمية. وكما هو الحال في الاستشهادات الخاصة بالبراءات، تؤدي الجغرافيا دوراً مهماً عند الحصول على المعرفة العلمية. يوضح الشكل 6.2 المدة التي تستغرقها المعرفة العلمية الصادرة من منطقة ما حتى "تنتشر" في التكنولوجيات في مناطق أخرى. ويعتمد مودعو طلبات البراءات في جميع أنحاء العالم على معرفة علمية أحدث على المستوى الوطني أكثر من المعرفة القادمة من بلدان أو مناطق أخرى. ويظهر هذا النمط حتى بين اقتصادات الابتكارات المتقدمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا واليابان، وإن كان بدرجة أقل مقارنةً بالاستشهادات الخاصة بالبراءات. فعلى سبيل المثال، يستشهد مودعو الطلبات في الولايات المتحدة بعلوم الولايات المتحدة أسرع من ألمانيا بنسبة 3 وأسرع من الصين بنسبة 11 في المائة، في حين تكون أبطأ بنسبة 9 في المائة من مودعي الطلبات في اليابان. وعلى العكس من ذلك، عند الاستشهاد بالعلوم الألمانية، يكون مودعو الطلبات في الولايات المتحدة والصين واليابان أبطأ بنسبة 22 و20 و7 في المائة على التوالي مقارنةً بمودعي الطلبات في ألمانيا.
وتنتشر المعرفة العلمية الصينية بسرعة نسبية. حيث تستشهد البراءات الأجنبية بالأوراق العلمية الصينية بسرعة نسبياً – وذلك في غضون مدة لا تتجاوز 8 سنوات من تاريخ نشرها. وعلى العكس من ذلك، تستغرق الأوراق العلمية في الولايات المتحدة وقتاً أطول للنشر إلى البراءات؛ إذ يبلغ الحد الأدنى لمتوسط الوقت اللازم لذلك نحو 9 سنوات و4 أشهر بالنسبة إلى البراءات اليابانية، في حين يصل الحد الأقصى إلى أكثر من 13عاماً بالنسبة إلى البراءات الإفريقية.
وتتطلب هذه المقارنات تفسيراً دقيقاً. أولاً، تعتبر أحجام الوثائق غير قابلة للمقارنة، حيث إن الولايات المتحدة تنتج عدداً أكبر بكثير من المقالات العلمية التي يتم الاستشهاد بها. وثانياً، شهدت الجهات العلمية الناشئة – ولا سيما الصين، إضافة إلى بلدان جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا – زيادة كبيرة في معدلات نشرها العلمي في السنوات الأخيرة. وهذا يعني أن المراجع العلمية الأقدم يُرجّح أن تصدر من الولايات المتحدة وأوروبا. وأخيراً، فإن هذه الفوارق الزمنية في الاعتماد لا تكشف عن كثافة المعارف العلمية المنتشرة أو نوعها.
عدد قليل من قادة الابتكار يهيمن على المعرفة العلمية عالمياً للحصول على التكنولوجيا العميقة
يتم التركيز على مصادر المعرفة العلمية بدرجة كبيرة. فبدرجة أكبر مما هو الحال في الاستشهادات بين البراءات، فهناك تركيز كبير على اعتماد المعرفة العلمية على عدد من المناطق. ومن جميع المصادر العالمية بشكل افتراضي، تتجه غالبية الأوراق العلمية المُستشهَد بها إلى الولايات المتحدة واقتصادات أوروبا الغربية واليابان.
وتستوعب الاقتصادات الرائدة المعرفة العلمية على نطاق عالمي. يوضح الشكل 7.2 أنه من بين جميع الأوراق العلمية الأجنبية المنشورة بين عامي 1985 و1995 والتي حصلت على استشهاد واحد ببراءة على الأقل، فإن براءات الولايات المتحدة تستشهد بما لا يقل عن 39 في المائة منها. وتُظهر اليابان وألمانيا وبلدان أوروبا الغربية الأخرى أنماطاً مماثلة. تستشهد الأنظمة الإيكولوجية للابتكار عالية الأداء هذه بالمقالات العلمية الصادرة من مناطق أخرى بمعدل يفوق استشهاد تلك المناطق بمقالاتها الخاصة. تتفاعل هذه الاقتصادات الرائدة بشكل مكثف فيما بينها – فحوالي ثلث الأوراق العلمية بالولايات المتحدة يتم الاستشهاد بها في براءات أوروبية غربية، في حين يتم الاستشهاد بحوالي نصف المقالات العلمية لأوروبا الغربية في براءات الولايات المتحدة.
وقد أظهرت أنماط المصادر هذه قدراً ملحوظاً من الاستقرار خلال العقود الماضية. فبمقارنة الفترة 2016–2022 (الشكل 8.2) بالعقود السابقة، يتضح أن هناك تغيرات طفيفة فقط. وقد واصلت الولايات المتحدة واليابان وأوروبا الغربية إظهار انفتاحها على المعرفة العلمية الدولية منذ أقدم السنوات التي تم قياسها.
وظهرت الصين كمستهلك رئيسي للمعرفة العلمية. وأبرز التغيرات على مدار العقود الثلاثة الماضية هو ازدياد انفتاح الصين على العلوم الدولية. لم تستشهد البراءات الصينية سوى بنسبة 2.5 في المائة من أقدم الأوراق العلمية في الولايات المتحدة المنشورة خلال الفترة 1985–1995، إلا أن هذه النسبة المئوية ارتفعت بشكل ملحوظ إلى 8.8 في المائة فيما يتعلق بالأوراق في الولايات المتحدة والمنشورة بين الفترة 2016 و2022. وقد جعل هذا النمو الصين أكثر انفتاحاً على العلوم الدولية من اليابان عبر جميع مناطق المصدر.
ولا تزال العلوم المحلية ذات أهمية في جميع المناطق. فعلى الرغم من هيمنة عدد محدود من الأنظمة الإيكولوجية للابتكار عالية الأداء على المصادر العلمية الدولية، فإن الجغرافيا لا تزال لها دور مهم. وحتى في المناطق الأقل تقدماً من الناحية العلمية، تظل النسبة الأكبر من المصادر العلمية محلية. ويشير ذلك إلى أنه، رغم أن ابتكارات التكنولوجيا العميقة تعتمد بصورة متزايدة على المعرفة العلمية العالمية، فإن القدرات البحثية المحلية تظل ذات أهمية لجميع المناطق.
مسارات المعرفة التكنولوجية: عندما تنتشر الاختراعات الرائدة عالمياً
لا تعكس استشهادات البراءات سوى جزء من قصة الابتكار. إذ تعتمد التحليلات السابقة على الاستشهادات بالبراءات، والتي غالباً لا تمثل المسار الكامل لنشر المعرفة التكنولوجية الذي يكمن وراء البراءات أو المقالات العلمية المُستشهد بها. وقد وجد الباحثون أن العديد من استشهادات البراءات لا تنتمي حتى إلى الفئة التكنولوجية ذاتها.
وبدلاً عن ذلك، تتبع الباحثون نشر المعرفة التكنولوجية الدولية من خلال تحديد الظهور الأول لاختراع رائد وإعادة استخدامه على المستوى الدولي. حيث تبحث دراسات حديثة في الظهور الأول والظهور اللاحق لتكنولوجيات محددة لفهم كيفية نشرها عبر الزمن والمكان. وتهدف هذه الدراسات إلى نشر المعرفة التكنولوجية باستخدام مفهوم "إعادة الاستخدام"، الذي يُتتبع عبر المناطق والسنوات.
كيف يمكن ربط التكنولوجيات الرائدة؟ تظهر التكنولوجيات الرائدة من خلال إعادة تركيب مبتكرة للمعرفة التقنية الحالية. وانطلاقاً من فكرة أن الابتكار ينبع من إعادة دمج مكونات المعرفة الحالية، قام الباحثون بربط مسارات نشر التكنولوجيات باستخدام تركيبات جديدة من رموز التصنيف الدولي للبراءات (IPC)
ويُعد التطور الذي حققه الفأر المعدل وراثياً مثالاً مثيراً للاهتمام على هذه العملية. لنأخذ على سبيل المثال تكنولوجيا الحيوان الثديي المعدل وراثياً التي تُعدّ أساساً لفئران المختبر المعدلة وراثياً المستخدمة في تطوير علاجات للسرطان ومرض الزهايمر. نشأ هذا المسار التكنولوجي الجديد في عام 1985 عندما قامت جامعة هارفارد بتسجيل براءة "فأر الأورام"، مع إدراج رموز براءات "عزل الجينات" و"حقن المواد في الحيوانات" لأول مرة. لاحقاً، أعادت العديد من البراءات استخدام هذه التوليفة نفسها. على سبيل المثال، سجلت جامعة سيول الوطنية براءة "الفأر المصاب السكري" في عام 1996. يمكن افتراض أن جميع الاختراعات المصنفة ضمن هذه التوليفة نفسها تنتمي إلى نفس المسار التكنولوجي.
قادة الابتكار يعتمدون التكنولوجيات الأجنبية الرائدة بسرعة
تهيمن الجهات المعتادة على كل من الابتكار والاعتماد. وكما هو الحال مع الاستشهادات بالبراءات، تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول التي أحدثت طفرة في الاختراعات الرائدة التي تولد مسارات تكنولوجية جديدة، تليها أوروبا الغربية واليابان. كما تُصنف هذه المناطق نفسها ضمن أفضل ثلاث دول في اعتماد إعادة استخدام هذه الاختراعات الأجنبية الرائدة. وتُعد البلدان المتقدمة الأكثر نشاطاً في إعادة استخدام التكنولوجيات الرائدة التي نشأت في أماكن أخرى. ونظراً لزيادة نشاط إصدار البراءات خلال العقود الأخيرة، شهدت توليفات التكنولوجيات الجديدة وإعادة استخدامها تزايداً في الحجم.
وتتميز الاقتصادات المتقدمة في سرعة اعتماد المعرفة الكامنة وراء هذه الاختراعات الرائدة. وتصبح الأنماط الجغرافية أكثر وضوحاً عند دراسة الوقت اللازم لإعادة استخدام المعرفة التكنولوجية. وتثبت بلدان ومناطق مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وغيرها من اقتصادات أوروبا الغربية أنها أسرع بكثير في إعادة استخدام التكنولوجيات الرائدة التي نشأت في أماكن أخرى (انظر الشكل 9.2). على سبيل المثال، تستغرق مسارات نشر المعرفة التكنولوجية الرائدة التي نشأت في الهند، في المتوسط، ثلث الوقت اللازم لإعادة استخدامها في الولايات المتحدة مقارنةً بإعادة استخدامها داخل الهند نفسها. وتتميز الولايات المتحدة بشكل خاص في سرعة اعتماد المعرفة الكامنة وراء الاختراعات الرائدة من الخارج.
وتكشف اختلافات السرعة عن القدرات الابتكارية للاقتصاد المُعيد للاستخدام. ويشير هذا النمط إلى أن الاقتصادات الرائدة في مجال الابتكار طورت قدرات تكنولوجية فائقة، ليس فقط لتطوير تكنولوجيات جديدة، بل أيضاً لتحديد الابتكارات الرائدة من مناطق أخرى وفهمها والبناء عليها بسرعة. وقد تساعد ميزة الاعتماد السريع هذه في تفسير سبب احتفاظ قادة الابتكار بمواقعهم التنافسية بمرور الوقت.
الاقتصادات النامية تواجه صعوبة في إعادة استخدام التكنولوجيات الرائدة بشكل مكثف
تهيمن إعادة الاستخدام المحلية على مستوى العالم. يوضح الشكل 10.2 تدفقات المعرفة التكنولوجية الإجمالية بين البلدان. وتُعاد استخدام معظم الاختراعات الرائدة بكثافة في بلدها الأصلي، كما يتضح من القيم العالية على طول قطر المصفوفة. على سبيل المثال، يُعاد استخدام 99 في المائة من الاختراعات الرائدة التي نشأت في الولايات المتحدة داخل تلك البلد. وبالمثل، تعيد ألمانيا استخدام 94 في المائة من اختراعاتها الرائدة المحلية، بينما تعيد اليابان استخدام 92 في المائة من اختراعاتها الرائدة.
كما يحرص قادة الابتكار على استيعاب الاختراعات الأجنبية الرائدة بفعالية. فعلى الرغم من ارتفاع معدلات إعادة الاستخدام المحلية، تظل الاقتصادات الرائدة في مجال الابتكار منفتحة على إعادة استخدام الاختراعات الأجنبية الرائدة. وتُعد اليابان بلد وجهة لنحو 84 في المائة من الاختراعات الرائدة التي تنشأ في الولايات المتحدة، ما يعني أن معظم اختراعات الولايات المتحدة الرائدة تصل في نهاية المطاف إلى اليابان. وتُظهر ألمانيا انفتاحاً مماثلاً، حيث تعيد استخدام الاختراعات الرائدة من الخارج بفعالية مع الحفاظ على معدلات عالية لإعادة الاستخدام المحلية.
وتنشأ شراكات إقليمية حول مصالح تكنولوجية مشتركة. وتوجد تبادلات ثنائية بين بلدان مثل الصين وجمهورية كوريا، مما يعكس التقارب الجغرافي والتقارب التكنولوجي. وتتركز تدفقات إعادة الاستخدام هذه في تكنولوجيات النانو ومعالجة البيانات الإلكترونية – وهي أنشطة أساسية لشركات مثل سامسونج وإل جي وهواوي. وتخلق أوجه التشابه الجغرافية والتكنولوجية ممرات شراكة طبيعية لإعادة استخدام الاختراعات الرائدة.
تواجه الاقتصادات النامية تحديات في إعادة استخدام الاختراعات الرائدة. وتُظهر معظم الاقتصادات النامية مشاركة هامشية في تدفقات المعرفة الدولية القائمة على إعادة استخدام التكنولوجيات الرائدة. كما تظهر أفريقيا قدرة محدودة على إعادة استخدام المعرفة الأجنبية الكامنة وراء الاختراعات الرائدة، حسبما يتضح من انخفاض معدلات إعادة الاستخدام في جميع بلدان المنشأ. ومع ذلك، فإن الاختراعات الأفريقية الرائدة تتدفق على نطاق واسع إلى الاقتصادات المتقدمة – حيث يتم إعادة استخدام جميع الاختراعات الأفريقية الرائدة في أوروبا الغربية، بينما يتم إعادة استخدام نسب كبيرة منها في الولايات المتحدة (96 في المائة)، واليابان (92 في المائة)، وألمانيا (81 في المائة).
وتشير هذه الأنماط إلى أن إعادة استخدام الاختراعات الرائدة والناجحة يتطلب وجود قدرات ابتكارية متطورة. وتتفوق الاقتصادات الرائدة في كل من ابتكار التكنولوجيات الرائدة، وسرعة تحديد الابتكارات من أماكن أخرى وتكييفها والبناء عليها. فقد تُنتج المناطق النامية تكنولوجيات مبتكرة، لكنها تفتقر إلى البنية التحتية المؤسسية والقدرات التقنية اللازمة لتحقيق أقصى استفادة من إعادة استخدام الابتكارات الرائدة الأجنبية.
يتفوق قادة الابتكار في الاعتماد السريع والمكثف للابتكارات الرائدة الأجنبية
تهيمن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية على الاعتماد المبكر للاختراعات الرائدة. يوضح الشكل 11.2 أن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تتفوقان في إعادة استخدام الابتكارات الأجنبية الرائدة بشكل مبكر ومكثف. حيث تعيد هاتان المنطقتان استخدام نسب عالية من المعرفة التكنولوجية الأجنبية بشكل ناجح منذ المراحل الأولى لتطوير التكنولوجيا.
يؤثر القرب الجغرافي على أنماط الاعتماد. ففي المراحل المبكرة، تعيد اليابان استخدام الاختراعات الرائدة من بلدان آسيوية أخرى بشكل مكثف، لكنها تعيد استخدامها بشكل أقل كثافة من مناطق بعيدة مقارنةً بالولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية. يشير هذا إلى أن القرب الجغرافي والثقافي يمكن أن يسهل نشر التكنولوجيا بشكل أسرع، لا سيما بالنسبة للابتكارات الناشئة.
وحتى الدول ذات الإنتاج القوي من البراءات تواجه صعوبة في إعادة استخدام اختراعاتها الرائدة في البداية. فعلى الرغم من أدائهما المتميز في الاستشهادات بالبراءات، تواجه الصين وجمهورية كوريا صعوبة في إعادة استخدام الاختراعات الرائدة بكثافة خلال المراحل المبكرة. فعلى سبيل المثال، تعيد الصين استخدام أقل من 5 في المائة من الاختراعات الرائدة التي نشأت في الولايات المتحدة خلال 5 سنوات من اختراعها. تستغرق الصين 20 عاماً للوصول إلى إعادة استخدام بنسبة 28 في المائة من الاختراعات الرائدة التي نشأت في الولايات المتحدة. في المقابل، تعيد الولايات المتحدة استخدام 70 في المائة من الاختراعات الرائدة التي نشأت في الصين خلال أول 5 سنوات من اختراعها.
تواجه المناطق النامية فجوات مستمرة في إعادة الاستخدام. وبغض النظر عن المرحلة، تتخلف الهند وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا بشكل ملحوظ. لا تستطيع هذه المناطق إعادة استخدام سوى أجزاء صغيرة من الاختراعات الرائدة التي نشأت في البلدان الأجنبية، مما يشير إلى وجود فجوات جوهرية في القدرات المتعلقة بتحديد وفهم وتطبيق المعرفة التكنولوجية الرائدة من الخارج.
تكشف سرعة وكثافة إعادة الاستخدام عن مزايا تنافسية. فالقدرة على الاعتماد السريع والبناء على الابتكارات الرائدة الأجنبية تمثل ميزة تنافسية حاسمة. حيث يمكن للجهات الأولى التي تعتمد الابتكارات تحسين هذه التكنولوجيات، وإنشاء ابتكارات مشتقة منها، وترسيخ مكانتها في السوق قبل أن يلحق بهم المعتمدون الأبطأ. ويساعد هذا النمط في تفسير سبب احتفاظ قادة الابتكار بميزتهم بمرور الوقت – فهم لا يتفوقون فقط في ابتكار تكنولوجيات رائدة، بل أيضاً في تجسيد الابتكارات من مناطق أخرى بسرعة.
فهم القنوات الكامنة وراء نشر المعرفة الدولية
تدفع قنوات متعددة نقل المعرفة التكنولوجية عبر الحدود. وتعكس الأنماط التي لوحظت في الأقسام السابقة قنوات راسخة تنتشر من خلالها المعرفة التكنولوجية على الصعيد الدولي. وتحدد البحوث الاقتصادية عدة مسارات رئيسية: التجارة الدولية في السلع، والاستثمار الأجنبي المباشر، وهجرة الكفاءات، واتفاقات منح الترخيص، وسلاسل القيمة العالمية.
ويتطلب الاستيعاب قدرات، وليس مجرد التعرض. مجرد التعرض للمعرفة الأجنبية لا يضمن اعتمادها. إذ يعتمد الاستيعاب الناجح على عوامل محلية، مثل رأس المال البشري، وجودة المؤسسات، والقدرة البحثية، وما يسميه الاقتصاديون "القدرة الاستيعابية" - أي قدرة الدولة على إدراك المعرفة الخارجية وفهمها واستخدامها. وهذا يفسر سبب تفوق قادة الابتكار مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في سرعة اعتماد الابتكارات الرائدة الأجنبية أو الحصول على المعرفة العلمية المتعمقة، بينما تجد مناطق أخرى صعوبة في ذلك.
المعرفة تنتقل عبر السلع المتداولة
لا تزال التجارة القناة الرئيسية للنشر. والطريقة الأكثر شيوعاً لانتشار المعرفة التكنولوجية هي من خلال السلع التي تتضمن تكنولوجيات جديدة. حيث ينفذ المستهلكون إلى الابتكارات المدمجة من خلال مشترياتهم، بينما تستخدم الشركات الآلات والمكونات والمواد المستوردة كمدخلات لإنتاجها. وتخلق هذه التدفقات فرصاً للتعلم، حيث تقوم الشركات بإجراء هندسة عكسية للتكنولوجيات الأجنبية.
ويمكن للواردات أن تعزز الابتكار المحلي. حيث تُظهر الدراسات الحديثة علاقات إيجابية قوية بين الواردات والبراءات.
الأفراد المهرة يسهمون في سد فجوات المعرفة
يقود المخترعون والعلماء تدفقات المعرفة. إذ تؤدي هجرة الكفاءات، ولا سيما المخترعين والعلماء، دوراً حاسماً في نشر المعرفة على الصعيد العالمي. والمتتبع للأحداث التاريخية، يرى أن التحولات التكنولوجية الكبرى تزامنت مع تنقل الأفراد ذوي المهارات العالية عبر الحدود.
يسهم المهاجرون في الربط بين مجتمعات كانت ستظل معزولة لولا ذلك. حيث يعمل المهاجرون ذوو المهارات كوسطاء للمعرفة من خلال بناء علاقات في البلدان المضيفة مع الحفاظ على روابطهم بأصولهم.
ويمكن أن يفيد تداول الأدمغة جميع الجهات. فغالباً ما تؤدي هجرة ذوي المهارات إلى "تداول الأدمغة" بدلاً من "هجرة الأدمغة". وحتى المهاجرون الذين لا يعودون لبلادهم يسهمون في تسهيل إصدار براءات مشتركة، ونشر أعمال مشتركة، ونقل التكنولوجيا من خلال شبكاتهم. كما يعزز المهاجرون العائدون هذه العمليات، مما يساهم في ظهور تخصصات تكنولوجية جديدة في بلدان المنشأ.
الأعمال التجارية الدولية تسهم في خلق طرق سريعة للمعرفة
تقوم الشركات متعددة الجنسيات بنقل المعرفة بشكل منهجي. حيث يمثل الاستثمار الأجنبي المباشر والشركات متعددة الجنسيات قنوات رئيسية لنشر المعرفة الدولية. وتوفر هذه الشركات تقنيات متطورة للإنتاج، وممارسات تنظيمية، وقدرات تكنولوجية إلى البلدان المضيفة، مما يخلق آثاراً معرفية جانبية محتملة للشركات المحلية من خلال المنافسة، وتنقل العمالة، وعلاقات الموردين.
وتحدد القدرات المحلية مستوى النجاح. إلا أن هذه الآثار المعرفية الجانبية ليست تلقائية. فهي تعتمد على القدرة الاستيعابية المحلية، التي تحددها كثافة البحث والتطوير، ورأس المال البشري، وجودة المؤسسات. وهذا يفسر لماذا يمكن أن يؤدي نفس الاستثمار الأجنبي إلى نتائج متباينة في مختلف البلدان. ويتطلب نقل المعرفة بنجاح تطوراً مشتركاً بين الجهات الفاعلة العالمية والمحلية من خلال التعلم المتبادل.
وتسهم السلاسل العالمية للقيمة في توسيع شبكات المعرفة. إذ تدمج شبكات الإنتاج الحديثة الشركات ضمن أنظمة الابتكار الدولية. كما يدعم الاستثمار الأجنبي "الارتقاء المعرفي" من خلال ربط الشركات المحلية بشبكات الإنتاج والابتكار العالمية، على الرغم من أن النتائج تعتمد على مؤسسات تكميلية، مثل أنظمة التعليم وحوافز البحث والتطوير وحماية الملكية الفكرية.
حماية البراءات تمكّن أسواق التكنولوجيا
تسهّل أنظمة البراءات الدولية التدفقات المعرفية. فمنذ أن أرست اتفاقية باريس لعام 1883 حقوق الأولوية بين مكاتب البراءات، أصبحت حماية البراءات الدولية أمراً بالغ الأهمية للوصول إلى الأسواق الأجنبية بالتكنولوجيات الجديدة.
وقد أدت المعاهدات الحديثة إلى توسيع نطاق النفاذ. حيث توسعت الحماية الدولية للبراءات بشكل كبير منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال معاهدات مثل معاهدة التعاون بشأن البراءات التابعة للويبو والاتفاقات الإقليمية التي أنشأت مكتب البراءات الأوروبي والمنظمة الإقليمية الأفريقية للملكية الفكرية وغيرها من الأنظمة الإقليمية. وسهلت هذه التطورات على المخترعين حماية ابتكاراتهم عبر ولايات قضائية متعددة.
وتمكّن البراءات من تجارة التكنولوجيا. إذ تسهّل حماية البراءات في الأسواق الأجنبية اتفاقات ترخيص التكنولوجيا ونقلها على المستوى الدولي. كما تعمل "أسواق التكنولوجيا" هذه على تحسين الرفاهية العامة والابتكار من خلال تعزيز نشاط الابتكار ونشر المعرفة وظهور المخترعين المتخصصين. وتحفز تجارة البراءات الانتشار الجغرافي للتكنولوجيا من خلال تمكين المخترعين من تحقيق الربح من ابتكاراتهم على المستوى العالمي.
ولا تزال المسافة تُشكل عائقاً. فعلى الرغم من توفر هذه الآليات، لا يزال عدم اليقين أعلى بالنسبة لتجارة التكنولوجيا الدولية مقارنةً بالمعاملات المحلية. ثمة ثلاثة أنواع من عدم اليقين تحد من الانتشار الجغرافي لتجارة التكنولوجيا: عدم اليقين بشأن حقوق الملكية وقيمة التكنولوجيا وعمليات التداول.
الآثار المترتبة على الأنماط المُلاحظة
هناك عدة قنوات داعمة تعزّز من وضع قادة الابتكار. وتعكس الأنماط المُلاحظة في الاستشهادات بالبراءات، والمصادر العلمية، وإعادة استخدام الاختراعات الرائدة قنوات النشر الداعمة المتعددة هذه. كما تستفيد الدول الرائدة في مجال الابتكار مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان من المزايا الموجودة في جميع القنوات – فهي تجذب المهاجرين ذوي المهارات، وتشارك في تجارة دولية واسعة النطاق، وتستضيف شركات متعددة الجنسيات، وتحافظ على أنظمة فعالة لحماية البراءات.
وتفسر القدرة الاستيعابية الفجوات المستمرة. حيث تعكس المشاركة المحدودة للاقتصادات النامية في الاعتماد السريع والمكثف للتكنولوجيا القيود المفروضة عبر هذه القنوات. ويؤدي انخفاض القدرة الاستيعابية، وضعف المؤسسات، وانخفاض أحجام التجارة، والهجرة المحدودة لذوي المهارات إلى عيوب تراكمية تستمر مع مرور الوقت.
ويمكن للسياسات أن تعزز قنوات النشر. إذ يشير فهم هذه الآليات إلى أن البلدان يمكنها تعزيز مشاركتها في تدفقات المعارف العالمية من خلال تقوية أنظمة التعليم، وتحسين المؤسسات، وتوسيع التكامل التجاري، وجذب المواهب الماهرة، وتطوير أُطر ومؤسسات فعالة للملكية الفكرية. وعادةً ما نجحت الاقتصادات التي تمكنت من اللحاق بالركب في تحسين عدة قنوات في الوقت نفسه.
رؤى رئيسية حول أنماط نشر المعرفة عالمياً
لقد تناول هذا الفصل كيفية انتشار المعرفة التكنولوجية دولياً من خلال تحليل الأنماط العالمية عبر أبعاد متعددة لتدفقات الابتكار. باستخدام الاستشهادات بالبراءات والمراجع العلمية وإعادة استخدام الاختراعات الرائدة، حدد التحليل من أين تنشأ المعرفة، وكيف تنتشر، وأي البلدان تستفيد أكثر من نقل المعرفة التكنولوجية دولياً.
وتكشف النتائج الرئيسية عن أنماط مستمرة ولكنها متطورة. إذ يُظهر تحليل الاستشهادات بالبراءات أن المعرفة التكنولوجية تنتشر بشكل أسرع اليوم مما كانت عليه قبل 50 عاماً، حيث انخفضت فترات الاعتماد الدولية إلى النصف منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد اختفت الفجوة بين تدفقات المعرفة الوطنية والدولية تقريباً، مما يشير إلى أن الحواجز الجغرافية تضعف. ومع ذلك، تهيمن الاقتصادات المتقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان على كل من المساهمين والمستفيدين من تدفقات المعرفة العالمية، في حين أن معظم المناطق النامية لا تشارك إلا بشكل هامشي.
وتتبع المعرفة العلمية أنماط نشر مختلفة. حيث تستغرق التكنولوجيات العميقة القائمة على الاختراعات العلمية وقتاً أطول بكثير للتطور – حوالي 10 سنوات من النشر إلى أول استشهاد ببراءة – ولكنها تؤدي إلى تكنولوجيات أكثر أهمية على الصعيد العالمي. وتتركز معظم تدفقات العلوم والتكنولوجيا في عدد محدود من الاقتصادات الرائدة، حيث تستوعب الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان المعرفة العلمية من جميع المصادر العالمية افتراضياً. كما برزت الصين كدولة منفتحة بشكل متزايد على العلوم الدولية، حيث أظهرت أسرع نمو في الاستشهادات العلمية عبر الحدود الوطنية.
وتكشف مسارات إعادة استخدام الاختراعات الرائدة عن قدرات الاعتماد. حيث يُظهر تحليل إعادة استخدام الاختراعات الرائدة أن معظم البلدان تعتمد في المقام الأول على معارفها التكنولوجية الخاصة. ومع ذلك، يتفوق قادة الابتكار في اعتماد الابتكارات الرائدة الأجنبية بسرعة وبشكل مكثف – إذ تعيد الولايات المتحدة استخدام 70 في المائة من الاختراعات الرائدة التي نشأت في الصين في غضون خمس سنوات، بينما تعيد الصين استخدام أقل من 5 في المائة من الاختراعات الرائدة في الولايات المتحدة في نفس الإطار الزمني. وعليه، يبرز عدم التماثل هذا اختلافات جوهرية في القدرة الاستيعابية.
وتظهر ثلاثة استنتاجات رئيسية من التحليل الشامل الذي قدمه هذا الفصل:
أولاً، لا يزال يتم التركيز على الابتكار العالمي بشكل كبير. ولا تزال الاقتصادات المتقدمة تهيمن على تدفقات المعارف، على الرغم من أن الاقتصادات الناشئة، وخاصةً الصين، تلعب أدواراً مهمة بشكل متزايد. يعكس هذا التركيز مزايا عبر قنوات نشر متعددة بدلاً من عوامل منفردة.
ثانياً، يعيد العلم تشكيل جغرافية الابتكار. فقد أصبحت المعرفة العلمية تشكّل الأساس بشكل متزايد للتكنولوجيات الرائدة، لا سيما في المجالات سريعة التطور. حيث يمكن للبلدان التي تجمع بفعالية بين المدخلات العلمية العالمية والقدرات المحلية أن تكتسب مزايا تنافسية في مجال ابتكارات التكنولوجيا العميقة.
ثالثاً، لا تزال فوائد النشر موزعة بشكل غير متكافئ. ولا تزال مناطق كبيرة من العالم النامي مستبعدة من الاعتماد السريع للتكنولوجيا، على الرغم من إنتاجها للمعرفة التي تتدفق إلى الاقتصادات المتقدمة. كذلك يؤثر التقارب الجغرافي والقرب التكنولوجي على أنماط الاعتماد، لكن القدرة الاستيعابية هي التي تحدد في النهاية نجاح تكامل المعرفة.
الآثار المترتبة على السياسات والبحوث المستقبلية
بالنسبة لواضعي السياسات، تؤكد هذه النتائج أن النفاذ إلى تدفقات المعارف العالمية يتطلب أكثر من مجرد الانفتاح – فهو يتطلب استثمارات مستدامة في التعليم والقدرات البحثية والجودة المؤسسية. لذا، يجب على البلدان التي تسعى إلى المشاركة بشكل أكثر فعالية في شبكات الابتكار العالمية أن تعزز قدرتها الاستيعابية عبر أبعاد متعددة في آن واحد.
وبالنسبة للباحثين، تسلط النتائج الضوء على قيمة تحليل مؤشرات النشر المتعددة معاً. إذ يبين كل مقياس – الاستشهادات، والمراجع العلمية، وإعادة استخدام الاختراعات الرائدة – جوانب مختلفة من كيفية انتشار المعرفة دولياً. ومن ثم، ينبغي أن تستكشف الدراسات المستقبلية العلاقات السببية بين آليات النشر المختلفة هذه وتأثيراتها المشتركة على التنمية الاقتصادية والقدرة التنافسية العالمية.