مقدمة
شهدت البشرية، على مدار القرنين الماضيين، تحسناً غير مسبوقٍ في مستويات المعيشة. منذ انطلاق الثورة الصناعية قبل أكثر من 200 عام، زاد نصيب الفرد من الدخل العالمي بأكثر من عشرة أضعاف. وقد تضاعف متوسط العمر المتوقع تقريباً في العديد من البلدان، حيث ارتفع من حوالي 40 عاماً إلى أكثر من 80 عاماً في الدول المتقدمة. أما السفر الذي كان يستغرق شهوراً، فقد أصبح يستغرق ساعات. والاتصالات التي كانت تعتمد على البريد المنقول على ظهور الخيل أصبحت اليوم تتم بشكل فوري عبر القارات. واليوم، يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) تأليف سمفونيات، وكتابة الشعر، وإنشاء أعمال فنية تضاهي الإبداع البشري، وهي قدرات كانت تبدو ضرباً من السحر قبل عقود قليلة.
تعكس هذه المكاسب الملحوظة قوة الابتكار والتقدم التكنولوجي. إذ يكمن في جوهر هذا التقدم مفهوم الهدم الخلّاق - الآلية التي من خلالها تحل موجات الابتكار المتعاقبة محل التكنولوجيات ونماذج الأعمال القديمة، مما يدفع نحو زيادة الإنتاجية والنمو على المدى الطويل، كما هو موضح في العمل الأساسي للاقتصاديَّين الحائزَين على جائزة نوبل، فيليب آجيون وهوويت في هذا الموضوع.
ومع ذلك، فإن مجرد ابتكار تكنولوجيات جديدة لا يروي سوى جانب واحد من القصة. ولا يتحول ابتكار الحلول الإبداعية تلقائياً إلى نمو اقتصادي أو فوائد اجتماعية. إذ يجب أن تعتمد الشركات والأسر التكنولوجيات الجديدة وتستخدمها بفعالية حتى تحقق كامل إمكاناتها. وتشكِّل هذه العملية، التي تُسمى نشر التكنولوجيا، جسراً حيوياً بين الاختراع والابتكار المؤثر. ولكنها ليست تلقائية ولا مضمونة.
يواجه نشر التكنولوجيا العديد من التحديات التي قد تُبطئ أو تمنع انتشار الابتكارات النافعة. غالباً ما يحتاج المستخدمون إلى اكتساب مهارات جديدة لتشغيل التكنولوجيات غير المألوفة بكفاءة. وتتطلب التكنولوجيات الرائدة، بدءاً من محركات الاحتراق الداخلي نفاذاً إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، استثمارات ضخمة في البنية التحتية الداعمة. وعلى سبيل المثال، لا تقتصر احتياجات السيارات على مصانع التصنيع فحسب، بل تمتد لتشمل شبكات من الطرق ومحطات الوقود وخدمات الإصلاح. كما قد تحتاج الشركات إلى إعادة تنظيم عملياتها أو وضع ممارسات إدارية جديدة. وفي بعض الأحيان، يتعين عليها ابتكار نماذج أعمال جديدة كلياً للاستفادة الكاملة من إمكانات التكنولوجيا.
عادةً ما يُحفّز ظهور التكنولوجيات الرائدة موجات من الابتكارات التكميلية. وغالباً ما تُثبت هذه الابتكارات التنظيمية وتلك المتعلقة بنماذج الأعمال أهميتها التي تُضاهي أهمية التقدّم التكنولوجي الأصلي. إذ يُمكن لأساليب جديدة في تنظيم العمل أو خدمة العملاء أو هيكلة قطاعات بأكملها أن تُحقق مكاسب إنتاجية كبيرة تمتد إلى ما هو أبعد من التكنولوجيا نفسها. فعلى سبيل المثال، لم يقتصر دور الإنترنت على تسريع الاتصالات فحسب، بل أوجد أشكالاً جديدة كلياً من التجارة والترفيه والتفاعل الاجتماعي التي لا تزال تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي.
ثمة عوامل متعددة تُشكل نتائج النشر، بما في ذلك المهارات المتاحة، وديناميكيات المنافسة، والنفاذ إلى التمويل، والمعايير واللوائح التقنية. وتساعد هذه العوامل في تفسير سبب عدم نشر التكنولوجيات بسلاسة عبر الاقتصادات. كما تسهم هذه الأنماط غير المتكافئة في استمرار أوجه التفاوت في التنمية الاقتصادية، ومستويات المعيشة، والنتائج الصحية، وجودة البيئة.
غرض ونطاق هذا التقرير
يسعى التقرير العالمي للملكية الفكرية لهذا العام إلى تسليط الضوء على عملية نشر التكنولوجيا. كما يتناول ما يفسر نتائج النشر الناجحة، وما هو دور الملكية الفكرية وكيف تؤثر على مسار النشر. تحفز حقوق الملكية الفكرية الابتكار، إلا أنها قد تؤثر أيضاً على سرعة نشر التكنولوجيات الجديدة، مما يخلق توازناً حاسماً يتعين على واضعي السياسات تحقيقه.
يُرسّخ هذا الفصل التمهيدي الأساس لتحليل التقرير من خلال عرض المفاهيم الأساسية التي تُشكّل نشر التكنولوجيا. كما يستعرض البحث الذي يتناول مدى سرعة وكثافة انتشار التكنولوجيات المختلفة في جميع أنحاء العالم، مع تسليط الضوء على كيفية تغير أنماط النشر عبر التاريخ. وانطلاقاً من هذا السياق، يتناول هذا الفصل العوامل الرئيسية التي تؤثر على سرعة ونجاح النشر.
يتناول الفصل الثاني كيفية انتشار المعرفة التكنولوجية عبر الحدود - ولماذا تكون بعض الاقتصادات أفضل بكثير في استيعابها من غيرها. باستخدام بيانات البراءات وروابط الاستشهاد بين الاختراعات كأداة تحليل رئيسية، يتضح مدى سرعة جذب الأفكار الجديدة للاهتمام في الخارج، وكيف تقلصت الفجوة بين تدفقات المعرفة المحلية والدولية بمرور الوقت، وكيف تختلف أنماط النشر عبر التكنولوجيات والمناطق. ينظر هذا الفصل أيضاً في كيفية تبنّي الاختراعات الرائدة التي تنشأ في بلدٍ ما وتطويرها في أماكن أخرى، كاشفاً عن فروق مستمرة في قدرة البلدان على تحديد التكنولوجيات الجديدة وتكييفها وإعادة استخدامها.
تستعرض الفصول من الثالث إلى الخامس تطبيق هذه المفاهيم من خلال ثلاث دراسات إفرادية مفصلة. حيث تتناول البيوتكنولوجيا الزراعية، والتكنولوجيات النظيفة، والتكنولوجيات الرقمية، مستكشفةً بشكل ملموس كيفية تبلور عمليات النشر على أرض الواقع. تكشف الدراسات الإفرادية عن التحديات والفرص المحددة التي تنشأ في مختلف المجالات التكنولوجية. كما تقدم رؤى حول النُهج السياسية التي من شأنها تشجيع نشر التكنولوجيا المفيدة وتسلط الضوء على الدور الدقيق الذي تلعبه الملكية الفكرية في تشكيل نتائج النشر.
وتهدف هذه الفصول مجتمعة إلى تزويد واضعي السياسات وقادة الأعمال والباحثين بفهم شامل لنشر التكنولوجيا. ويمكن لهذه المعارف أن تُسهم في توجيه القرارات بشأن سياسات الابتكار، وأنظمة الملكية الفكرية، واستراتيجيات تسخير التقدم التكنولوجي من أجل تحسين النتائج الاقتصادية ومواجهة التحديات العالمية.
المفاهيم والمصطلحات الرئيسية
ينطوي نشر التكنولوجيا على عمليات متعددة مترابطة تعمل على نطاقات مختلفة - من التحول على المستوى الفردي إلى التحول الشامل على مستوى القطاع الصناعي. ويُعد فهم هذه العمليات أمراً مهماً لتحليل كيفية انتشار التكنولوجيات ولتحديد العوامل التي تُشكل نتائجها. يقدم هذا القسم المفاهيم الأساسية والمصطلحات التي توجه بقية التقرير.
نشر التكنولوجيا
يشير نشر التكنولوجيا إلى الانتشار الأوسع للتكنولوجيا الجديدة عبر الشركات والصناعات والاقتصادات مع ازدياد عدد المستخدمين الذين يعتمدونها بمرور الوقت.
نشر المعرفة التكنولوجية
يشير نشر المعرفة التكنولوجية إلى انتشار الدراية العملية والخبرة والمعلومات التي تُمكّن من اعتماد التكنولوجيا. وقد يشمل ذلك المبادئ العلمية أو تفاصيل التصميم أو تكنولوجيات الإنتاج أو الخبرة العملية أو المهارات اللازمة لتشغيل التكنولوجيا وإدارتها عملياً.
يختلف قدر المعرفة الذي يجب نشره باختلاف التكنولوجيا. فبعض التكنولوجيات تتطلب قدراً ضئيلاً جداً من المعرفة. على سبيل المثال، يمكن للمزارع أن يستخدم سماداً جديداً دون أن يفهم تركيبه الكيميائي. بينما تتطلب تكنولوجيات أخرى قدراً أكبر بكثير. يجب على الشركة التي تعتمد الروبوتات المتقدمة ألا تكتفي بشراء الآلات، بل أن تكتسب أيضاً المهارات اللازمة لبرمجتها وصيانتها ودمجها في عملية الإنتاج.
تساعد هذه الاختلافات في تفسير سبب نشر بعض التكنولوجيات بسرعة بينما تنتشر تكنولوجيات أخرى ببطء أو بشكل غير متكافئ. حيث إن الطريقة التي تتداول بها المعرفة، ومدى قدرة المستخدمين على النفاذ إليها، غالباً ما تُشكل عملية النشر ككل.
اعتماد التكنولوجيا
يوضح اعتماد التكنولوجيا كيفية شروع الأفراد والمؤسسات في استخدام تكنولوجيا جديدة ودمجها في أنشطتهم. قد تكون التكنولوجيا جديدة تماماً – مثل ابتكار رائد من مختبر بحثي – أو قد تكون جديدة فقط بالنسبة لمستخدم أو منطقة أو اقتصاد معين، حتى وإن كانت مستخدمة بالفعل في أماكن أخرى. تجدر الإشارة إلى أن الاعتماد يركز على الحالات الفردية، بينما يتناول النشر النمط الإجمالي.
نادراً ما يعني الاعتماد نسخ التكنولوجيا بشكلها الأصلي. إذ عادةً ما يقوم المستخدمون بتكييفها لتناسب الظروف. قد يُعدِّل المزارعون صنف محصول مقاوم للجفاف ليتناسب مع أنواع تربة أو مناخات مختلفة. وقد يُعدِّل المصنّعون طريقة الإنتاج عند الاعتماد على مدخلات أو آلات أو نماذج أعمال مختلفة. قد يحتاج نظام رقمي لإدارة المخزون صُمم لسلاسل المتاجر الكبرى إلى تعديلات كبيرة قبل أن تتمكن المتاجر الصغيرة من تحمّل تكاليف استخدامه.
تفسر احتياجات التكييف هذه سبب استغراق الاعتماد وقتاً ولماذا تختلف معدلات النجاح. كما أنها تُظهر أن الاعتماد ليس مجرد عملية تقليد سلبية، بل هو عملية نشطة، وغالباً ما تكون ابتكارية.
نقل التكنولوجيا
يُعد نقل التكنولوجيا شكلاً خاصاً من أشكال الاعتماد. يتضمن ذلك تبادل المعارف والمهارات والأساليب والتكنولوجيات بين الأطراف بشكل متعمد.
تنقل الجامعات التكنولوجيا عندما ترخص اكتشافاتها البحثية للشركات. وتنقل الشركات متعددة الجنسيات التكنولوجيا عندما تشارك الدراية العملية الإنتاجية أو ممارسات الإدارة مع فروعها في الخارج. وقد تُسهّل الحكومات عملية النقل من خلال ربط المؤسسات البحثية بقطاع الصناعة أو تمويل المشروعات المشتركة.
الآثار المعرفية الجانبية
تحدث الآثار المعرفية الجانبية عندما تنتشر الأفكار أو الخبرات أو المهارات من جهة اقتصادية إلى أخرى دون نقل متعمد أو مقابل مادي. على سبيل المثال، قد تطرح شركة منتجاً جديداً، فيتعلم المنافسون منه من خلال مراقبة خصائصه أو رصد استجابة العملاء له. وتتحمّل الشركة الأصلية تكلفة الابتكار، إلا أن الشركات الأخرى تستفيد أيضاً من المعرفة التي تُنتجها.
تجدر الإشارة إلى أن الآثار المعرفية الجانبية قد تُسهم في تعزيز اعتماد التكنولوجيا خارج الإطار الرسمي لنقل التكنولوجيا. ويكمن الفرق الأساسي في القصد: فنقل التكنولوجيا ينطوي على مشاركة هادفة للمعرفة، وغالباً ما تكون تعاقدية، بينما تحدث الآثار المعرفية الجانبية بشكل غير مقصود، حيث يستفيد آخرون من تدفقات المعرفة التي لم يخطط لها المبتكر ولا يستطيع التحكم بها.
حقائق نمطية
تناول الاقتصاديون نشر التكنولوجيا على مستوى الابتكارات الفردية، وكذلك عبر الصناعات والاقتصادات بأكملها. ورغم أن الأنماط والنتائج غالباً ما تختلف تبعاً للتكنولوجيا والسياق، تكشف المؤلفات عن عدة حقائق نمطية تٌطبق بصورة أعم. توفر هذه الحقائق منظوراً مفيداً لفهم كيفية انتشار التكنولوجيات وما هي العوامل التي تحدد مدى وسرعة هذا النشر.
حقائق نمطية رقم 1: غالباً ما يتبع نشر التكنولوجيا مساراً على شكل منحنى S
تُعد دراسة زفي غريليتشس الرائدة عام 1957 حول الذرة الهجينة في الولايات المتحدة من أوائل الدراسات الرسمية التي تناولت كيفية نشر التكنولوجيات عقب ابتكارها.
لا تكمن أهمية شكل منحنى S في المنحنى نفسه، بل فيما تكشفه عن عملية النشر.
ومع ذلك، بمجرد انضمام عدد كافٍ من المعتمدين، يتم النفاذ إلى نقطة تحول، ويتسارع النشر بشكل حاد. يمكن للسياسات أو انخفاض الأسعار أو تحسينات البنية التحتية التكميلية أن تساعد في دفع التكنولوجيا إلى مرحلة النمو السريع هذه.
أين تقع التكنولوجيات الرئيسية اليوم على منحنى S؟ بالنسبة للاتصالات المتنقلة، تُظهر الصورة أن التكنولوجيات قد وصلت إلى الجزء العلوي المسطح من المنحنى (انظر الشكل 2.1). وقد استقرت تغطية الجيل الثاني والثالث والآن الجيل الرابع إلى حد كبير مع اقتراب هذه الأجيال من مرحلة التشبع. وحتى الجيل الخامس - على الرغم من نفاذه إلى نصف سكان العالم في أقل من خمس سنوات - سيتباطأ في النهاية، نظراً لصعوبة سد الفجوات المتبقية. أما تكنولوجيات الطاقة المتجددة فتروي قصة مختلفة. لا تزال منحنيات نشرها أقرب إلى الجزء الأوسط من منحنى S، حيث يكون النمو سريعاً وغالباً ما يكون أُسّياً (انظر الشكل 3.1). يستمر توليد الطاقة المتجددة في الارتفاع بشكل حاد، وخاصةً طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ولا يزال هناك مجال كبير للنمو قبل الاقتراب من مرحلة التشبع، حيث من المتوقع أن ترتفع نسبة مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء العالمي من 35 في المائة إلى 47 في المائة بحلول عام 2030، بينما من المتوقع أن تتضاعف نسبة مصادر الطاقة المتجددة الشمسية والرياح تقريباً لتصل إلى 27 في المائة.
رغم أن منحنى S يُجسّد اتجاهاً عاماً هاماً، فقد أشار الاقتصاديون أيضاً إلى أوجه القصور فيه. فمن الناحية التجريبية، لا تتبع جميع التكنولوجيات مساراً منتظماً على شكل منحى S. إذ تُظهر العديد من الابتكارات نشراً غير منتظم أو متعدد المراحل، مع تسارعات مفاجئة أو تباطؤات أو موجات متتالية، حيث تحل النسخ المحسّنة محل النسخ السابقة.
حقائق نمطية رقم 2: تنتشر التكنولوجيات الأحدث بشكل أسرع
تشير الأدلة إلى أن سرعة انتشار التكنولوجيات على نطاق واسع قد ازدادت بمرور الوقت. تناولت دراسة بارزة في الولايات المتحدة
في منتصف القرن العشرين في الولايات المتحدة، كان المنتج الذي بدأ للتو في الانتشار يستغرق أكثر من عقد من الزمن للانتقال من الاستخدام المنزلي المحدود إلى شبه التشبع. وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، انخفضت هذه الفترة الزمنية إلى النصف تقريباً. حيث وصلت ابتكارات مثل أفران الميكروويف أو أجهزة الكمبيوتر الشخصية إلى مرحلة الاعتماد الجماعي في نصف الوقت الذي استغرقته منتجات سابقة مثل الغسالات أو الثلاجات.
وأرجعت الدراسة هذا التسارع إلى عدة قوى واسعة النطاق. أدى ارتفاع الدخول إلى تمكين الأسر من شراء السلع الجديدة في وقت أقرب، في حين أن فترات الاستقرار الاقتصادي مع انخفاض البطالة ساهمت بشكل أكبر في زيادة سرعة الإقبال عليها. أدت التغيرات الديموغرافية، بما في ذلك التوسع الحضري وتطور الهياكل الأسرية، إلى توسيع نطاق المعتمدين المحتملين. كما أن طبيعة المنتجات نفسها كانت مهمة أيضاً: فقد استفاد بعضها من البنية التحتية التي يمكن إنشاؤها بسرعة أو كانت متوفرة بالفعل، مثل شبكات البث لأجهزة الراديو والتلفزيون. وفي حالات أخرى، كان لدى المستهلكين خيار بين إصدارات مختلفة من نفس المنتج في مراحله الأولى. وبمجرد أن أثبتت التكنولوجيا فائدتها، ساعد هذا التنوع في الأشكال على خفض الأسعار وجعل الحصول على المنتج أسهل، مما شجع على انتشاره بشكل أسرع - كما حدث مع أجهزة تسجيل الفيديو وأجهزة الكمبيوتر الشخصية.
حقائق نمطية رقم 3: على مستوى البلدان، تتقلص فترات التأخر في اعتماد التكنولوجيا
تنتشر التكنولوجيات في جميع أنحاء العالم بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. ولعل إحدى الطرق المفيدة لقياس ذلك هي من خلال فترات التأخر في الاعتماد - عدد السنوات بين أول اختراع لتكنولوجيا ما في أي مكان في العالم وأول اعتماد مُسجل له في بلد معين. يوضح الشكل 4.1 متوسط فترة الاعتماد مقابل سنة الاختراع لمجموعة كبيرة من التكنولوجيات الرئيسية التي طُرحت على مدى فترة 250 عاماً الماضية. ويستند إلى مجموعة بيانات تاريخية جمعها في الأصل دييغو كومين وبارت هوبين، وتم توسيعها لتشمل تكنولوجيات أحدث لأغراض هذا التقرير.
يتجلى هنا نمطٌ بارز: فكلما كانت التكنولوجيا أحدث، كانت فترة التأخير أقصر قبل أن تصل إلى مناطق أخرى من العالم. وبعبارة أخرى، تقلصت الفترة الزمنية بين الاختراع والاستخدام الأول بشكل كبير.
لنأخذ بعض الأمثلة على ذلك. استغرق التلغراف، الذي اختُرع في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ما يقارب 50 عاماً في المتوسط للوصول إلى دول العالم. أما السيارة، التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، فقد انتشرت بشكل أسرع، بمتوسط تأخير يبلغ حوالي 36 عاماً. في المقابل، شهدت الهواتف المحمولة، التي طُرحت في سبعينيات القرن الماضي، أول استخدام عالمي لها في غضون أقل من 20 عاماً. أما الأجيال الأحدث من تكنولوجيات الاتصالات المتنقلة - الجيل الثالث والجيل الرابع - فقد انتشرت بشكل أسرع، وغالباً ما تصل إلى أسواق جديدة في غضون سنوات قليلة من طرحها.
تمثّل نماذج اللغات الكبيرة أقصى درجة وصل إليها هذا الاتجاه، ويجسدها طرح ChatGPT في نوفمبر 2022. وفي غضون أيام من إتاحته عبر الإنترنت، تمكّن المستخدمون في كل بلدان العالم تقريباً من النفاذ إلى هذه التكنولوجيا وتجربتها (انظر الإطار 1.1).
لقد ظل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي جزءاً من المشهد التكنولوجي لعقود من الزمن؛ غير أن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي بدأ في عام 2022 بأدوات مثل ChatGPT وClaude وGemini وCopilot وPerplexity، كان سريعاً وتحويلياً بشكل استثنائي. فإلى جانب إنتاج النصوص أو الأكواد البرمجية أو الصور أو غيرها من المحتويات، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تقديم طيف واسع من المعارف المصممة خصيصاً لتلبية أسئلة المستخدمين واحتياجاتهم الفردية، بفضل مجموعة واسعة من التطبيقات العملية.
منذ أواخر عام 2022، انتشرت خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر أنحاء العالم بسرعة غير مسبوقة. كان الاستخدام المبكر يتركز بكثافة في الولايات المتحدة، حيث استحوذت على أكثر من 70 في المائة من نسبة الاستخدام العالمية عند الإطلاق، بيد أن هذه الهيمنة تلاشت بسرعة. ففي غضون شهر واحد، انخفضت نسبة الولايات المتحدة إلى نحو 25 في المائة، ثم استقرت لاحقاً عند ما يقرب من 20 في المائة، مع انتشار نسبة الاستخدام بسرعة إلى مجموعة واسعة من الاقتصادات. وبحلول منتصف عام 2023، كان ChatGPT وحده يجذب 500 مليون مستخدمٍ فريدٍ شهرياً تقريباً، وهو ما يعادل نحو 12.5 في المائة من القوة العاملة العالمية، مما يؤكد اتساع نطاق الاعتماد الدولي المبكر عليه.
على مستوى البلدان، ثمة ارتباط إيجابي واضح بين مستويات الدخل واستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي (انظر الشكل 5.1). تميل الاقتصادات ذات الدخل المرتفع إلى إظهار نشاط إجمالي أكبر، وهو ما يعكس الاختلافات في البنية التحتية الرقمية، والقدرة على الاتصال، والمهارات
وفي الوقت ذاته، لا تزال العديد من الاقتصادات منخفضة الدخل في المراحل الأولى من الاعتماد نتيجة لعدة عوائق، مثل محدودية النفاذ إلى الإنترنت، وعدم كفاية قدرة مراكز البيانات، ونقص المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي. كما تؤدي التغطية اللغوية دوراً في صياغة أنماط الاعتماد، حيث إن العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي يكون أداؤها أقوى باللغة الإنجليزية.
ويُعزى الانتشار العالمي السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي إلى حقيقة أنه يعمل على الأجهزة الرقمية الموجودة بالفعل، وإلى توفر العديد من أدواته بتكلفة منخفضة أو من دون تكلفة؛ وهو ما يعكس المنافسة الشديدة بين المزودين الساعين إلى ترسيخ موطئ قدم لهم في السوق في وقت مبكر.
لا تتماشى جميع التكنولوجيات مع هذا الاتجاه، إذ تبرز المركبات الكهربائية بوصفها ابتكاراً حديثاً نسبياً ما زال له فارق زمني أطول في الاعتماد. فخلافاً للتكنولوجيات الرقمية، تعتمد المركبات الكهربائية على بنية تحتية مادية واسعة النطاق، مثل شبكات الشحن وقدرة الشبكة الكهربائية، وهي أمور يتطلب بناؤها وقتاً واستثمارات. وبالإضافة إلى ذلك، لم تظهر الحوافز السياسية المشجعة على اعتماد المركبات الكهربائية إلا مؤخراً، مما يفسِّر تأخر انطلاقتها بشكل أكبر.
ومع ذلك، فإن الاتجاه العام لا يخطئه أحد؛ إذ تصل التكنولوجيات الجديدة إلى أماكن أكثر وبسرعة أكبر من أي وقت مضى. فالعالم يستخدم هذه التكنولوجيات بسرعة أكبر، والمسافة بين الابتكار وأول استخدام تتقلص باطراد.
وتكشف بيانات الفارق الزمني في الاعتماد عن أنماط مستمرة من الريادة والتبعية التكنولوجية عبر المناطق. إذ تظهر الاقتصادات المتقدمة باستمرار كأوائل المعتمدين لهذه التكنولوجيات، حيث تتبنى عادةً التكنولوجيات الجديدة قبل المتوسط العالمي بفترة تتراوح بين 20 و80 عاماً؛ في حين تُظهر أفريقيا نمطاً معاكساً، إذ تعتمد معظم التكنولوجيات بعد المتوسط العالمي بفترة تتراوح بين 10 أعوام و50 عاماً أو أكثر، في حين تُظهر آسيا وأمريكا اللاتينية أنماطاً مختلطة تتوقف على نوع التكنولوجيا المعنية (انظر الشكل 6.1).
تكتسي هذه الاختلافات أهمية بالغة بالنسبة إلى التنمية العالمية، فالبلدان التي اعتمدت تكنولوجيات، مثل الكهرباء أو السكك الحديدية أو الاتصالات السلكية الثابتة في وقت مبكر بكثير عن غيرها، ضاعفت مكاسب إنتاجية استمرت لعقود، وهي مزايا ما زالت تشكّل فجوات الدخل العالمية اليوم. ومع ذلك، تشير البيانات أيضاً إلى إمكانيات جديدة للحاق بالركب، فقد انتشرت التكنولوجيات الأحدث، مثل الإنترنت والهواتف المحمولة، بسرعة أكبر بكثير عبر الحدود، مما سهّل على العديد من الاقتصادات النامية اعتماد التكنولوجيات الجديدة في وقت مبكر، بل وتجاوز التكنولوجيات الأقدم في بعض الحالات خلال هذه العملية.
حقائق نمطية رقم 4: فجوة اتساع نطاق الاستخدام
تخبرنا الفوارق الزمنية في الاعتماد متى يبدأ بلد ما في استخدام تكنولوجيا جديدة لأول مرة، لكنها لا توضح مدى سرعة انتشار تلك التكنولوجيا داخل البلد بمجرد وصولها. لفهم هذا الجزء الثاني من القصة، نحتاج إلى استشراف ما هو أبعد من لحظة الاعتماد الأولى، وفحص مدى اتساع نطاق الاستفادة من التكنولوجيا بمرور الوقت.
واستناداً إلى قاعدة البيانات التاريخية المذكورة أعلاه واتباعاً لمنهجية كومين وميستيري،
يوضح الشكل 7.1 كيف تغيرت فجوة الاستخدام بين الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات النامية بمرور الوقت. فمنذ القرن التاسع عشر وحتى جزء كبير من القرن العشرين، اتسعت هذه الفجوة بوجه عام. ورغم أن النمط يختلف باختلاف التكنولوجيات الفردية، إلا أن التكنولوجيات الأحدث شهدت عادةً اختلافات أكبر في كثافة استخدامها. كومين وميستيري
بيد أن الصورة تتغير بمجرد إدراج تكنولوجيات أحدث، مثل الجيل الثالث، والجيل الرابع، وطاقة الرياح. فبالنسبة إلى هذه الابتكارات، بدأت كثافة الاستخدام في التقارب عبر البلدان. ويُعد هذا تطوراً مشجعاً، مما يشير إلى أن التكنولوجيات الرقمية والمتجددة الحالية قد تتيح فرصاً أكبر للاقتصادات النامية لتقليص الفجوات التاريخية.
يقدِّم الشكل 8.1 منظوراً تكميلياً من خلال مقارنة فجوات استخدام التكنولوجيا عبر مناطق البلدان النامية بالنسبة إلى الاقتصادات المتقدمة. ومع وجود بعض الاستثناءات، تُظهر أفريقيا أوسع الفجوات عبر معظم التكنولوجيات، تليها أمريكا اللاتينية ثم آسيا. وأهم من ذلك أنه في حين تُظهر المناطق الثلاث فجوات متناقصة بالنسبة إلى أحدث أجيال التكنولوجيات، تبرز آسيا بشكل لافت، إذ لم تكتفِ بتقليص فجواتها بشكل أكبر فحسب، بل أظهرت في بعض الحالات تفوقاً في استخدام التكنولوجيا، أي مستويات استخدام تتجاوز تلك الملاحظة في الاقتصادات المتقدمة.
كيف يندمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في هذه الصورة؟ نظراً لظهوره الحديث جداً، لم يتم إدراج الذكاء الاصطناعي التوليدي في التحليل الذي استندت إليه الأشكال 4.1 و6.1 إلى 8.1؛ إذ لا تتوفر لدينا بعد البيانات طويلة الأمد اللازمة لتقدير كثافة استخدامه المحتملة بالطريقة ذاتها المتبعة مع التكنولوجيات السابقة. ومع ذلك، تشير المؤشرات الأولية إلى ارتفاع سريع في كثافة الاستخدام، لا سيما في العديد من الاقتصادات متوسطة الدخل التي يبدو أنها تعتمد الذكاء الاصطناعي التوليدي بمستويات أعلى بكثير مما قد يتوقعه دخلها (انظر الإطار 1.1). ومثلما هو الحال مع تكنولوجيا الجيل الثالث والجيل الرابع، يعتمد الذكاء الاصطناعي التوليدي بكثافة على البنية التحتية الرقمية الموجودة مسبقاً، مما يشير إلى أن مسار نشره قد يظهر أيضاً علامات تقارب مع الاقتصادات المتقدمة بمرور الوقت.
يجب تفسير هذه النتائج بحذر، فقد يعكس بعض هذا التقلص ببساطة الاختلافات في خصائص التكنولوجيات الأحدث، على سبيل المثال، انخفاض تكاليفها، وزيادة قدرتها على التكيّف، وسهولة توسيع نطاقها عبر الأسواق. وعلاوة على ذلك، فإن مجموعة التكنولوجيات التي شملها هذا التحليل ليست شاملة. ومع ذلك، ونظراً للدور المحوري للتكنولوجيات الرقمية بوصفها تكنولوجيات عامة الغرض، فإن بوادر التقارب الناشئة في كثافة الاستخدام تُعد إشارة إيجابية للتنمية العالمية.
ما الذي يحدد سرعة نشر التكنولوجيا ونطاق اتساعها؟
تختلف وتيرة نشر التكنولوجيا واتساع نطاقه اختلافاً كبيراً باختلاف الابتكارات والصناعات والبلدان. وبينما تنتشر بعض التكنولوجيات عالمياً في غضون سنوات قليلة، تستغرق تكنولوجيات أخرى عقوداً حتى يصبح استخدامها واسع النطاق. ويعدُّ فهم العوامل المحركة لهذه الاختلافات أمراً حاسماً لتصميم السياسات التي تسرِّع من وتيرة النشر المفيد. وتبرز أربع مجموعات واسعة من العوامل في الأدبيات الاقتصادية.
طبيعة التكنولوجيا ذاتها
تنتشر بعض التكنولوجيات بسرعة إما لسهولة استخدامها، أو انخفاض تكلفتها، أو لفائدتها الفورية لمجموعة واسعة من المستخدمين. وفي المقابل، ينتشر غيرها ببطء أكبر لأنها مكلفة، أو معقدة، أو تتطلب استثمارات تكميلية. ويعد سعر التكنولوجيا بالنسبة إلى الفوائد التي توفرها مُحِدداً رئيسياً، فالتكنولوجيات التي تقدم قيمة واضحة بتكلفة معقولة تميل إلى الانتشار بسرعة أكبر.
يتمثِّل مُحدِّد مهم آخر في الحاجة إلى بنية تحتية داعمة، إذ تعتمد بعض الابتكارات على شبكات ضخمة ومكلفة، مثل شبكات الكهرباء، أو كابلات النطاق العريض، أو محطات الشحن، التي يتطلب تطويرها وقتاً طويلاً. وفي المقابل، تستطيع ابتكارات أخرى الاستفادة من البنى التحتية الحالية، وبالتالي تنشر بسهولة أكبر. وكما أُشير أعلاه، فإن الانتشار العالمي السريع لنماذج اللغات الكبيرة يعكس حقيقة أن البنية التحتية الرقمية الأساسية، أي الإنترنت، كانت موجودة بالفعل في جميع أنحاء العالم. وعلى النقيض من ذلك، تتطلب تكنولوجيات مثل المركبات الكهربائية أو أنظمة الطاقة المتجددة استثمارات جديدة ضخمة في الشبكات المادية، مثل محطات الشحن، وشبكات النقل، ومرافق تخزين الطاقة. ويمكن لمتطلبات البنية التحتية هذه أن تؤخر الاعتماد بشكل كبير، حتى عندما تكون التكنولوجيات ذاتها ناضجة وتنافسية من حيث التكلفة.
سرعة المعلومات
لا يعتمد النشر على الجاذبية الجوهرية للتكنولوجيا فحسب، بل يعتمد أيضاً على مدى سرعة ونطاق تداول المعلومات المتعلقة بها. ففي القرن التاسع عشر، كانت المعرفة بالاختراعات الجديدة لا تنتقل إلا بالسرعة التي تتيحها الصحف والبريد التقليدي. ثم جاء وصول التلغراف، وتبعه الهاتف والراديو والفاكس، مما أدى تدريجياً إلى تسريع تبادل المعرفة التقنية. وقد أحدث الإنترنت تحوّلاً جذرياً أكبر في تدفقات المعلومات، واليوم، تتيح المنصات الرقمية، والأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد، نفاذاً شبه فوري إلى مستودعات هائلة من المعلومات التقنية والعلمية.
يتمثل أحد التطورات الحديثة واللافتة للنظر بشكل خاص في ظهور نماذج اللغات الكبيرة، فإلى جانب مجرد منح إمكانية النفاذ إلى كميات هائلة من المعلومات، تستطيع نماذج اللغات الكبيرة هذه معالجة تلك المعلومات وتطبيقها بطرق ميسرة للغاية، مما يساعد المستخدمين على توليد أو استرجاع معرفة محددة بدقة وذات صلة بالسياق عند الطلب. وتعمل هذه القدرة على خفض تكلفة وجهد البحث عن المعلومات وتفسيرها وتكييفها، وبالتالي تقليل العوائق أمام التعلم، ومن المحتمل أن تسرّع من وتيرة نشر التكنولوجيا نفسها.
وقد أدت هذه التطورات إلى تقليص الوقت الذي تستغرقه الأفكار الجديدة للوصول إلى المعتمدين المحتملين في جميع أنحاء العالم بشكل كبير.
القدرة الاستيعابية والإمكانات المحلية
حتى عندما تكون المعلومات متاحة بحريّة، لا يستطيع جميع المستخدمين الاستفادة الفورية من تكنولوجيا جديدة، إذ يتطلب الاعتماد غالباً وجود قدرة استيعابية، وهي القدرة على فهم المعرفة الجديدة وتكييفها وتطبيقها بفاعلية.
ويعتمد بناء القدرة الاستيعابية على التعليم، والتدريب التقني، والمؤسسات البحثية، والروابط مع شبكات المعرفة العالمية. وكما سيتناول الفصل القادم بمزيد من التفصيل، فإن قدرات الابتكار هذه تُعد حاسمة لمدى قدرة الاقتصادات على التعلم من الآخرين وسد الفجوة بين الاختراع والاستخدام الفعلي.
السياسات العامة والمؤسسات
تؤدي السياسات العامة دوراً محورياً في تشكيل نشر التكنولوجيا، إذ تؤثّر الحكومات في هذا النشر من خلال القنوات المتعددة التالية.
البنية التحتية العامة التكميلية
غالباً ما يرتبط اعتماد التكنولوجيا من قبل الأفراد أو الشركات بوجود سلع عامة مثل الطرق والموانئ والكهرباء وشبكات الاتصالات. فعلى سبيل المثال، اعتمد نجاح السيارات المنتجة بكميات كبيرة على أنظمة الطرق الممولة من القطاع العام. وبالمثل، يعتمد نشر التكنولوجيات الرقمية على توافر تغطية ميسورة التكلفة للنطاق العريض والهاتف المحمول، وهي مجالات رئيسية يمكن أن يؤدي تدخل السياسات فيها إلى تسريع الاعتماد.
المعايير والتشغيل البيني
تضمن المعايير عمل المنتجات والأنظمة معاً، مما يقلل من حالة عدم اليقين لدى المنتجين والمستخدمين على حد سواء. وفي كثير من الحالات، تنشأ المعايير بشكل عضوي من خلال التعاون الصناعي، إذ غالباً ما تثبت المعايير الخاصة أو التي تقودها الصناعة، مثل تلك التي تضعها الجمعيات المهنية أو الاتحادات التكنولوجية، فاعليتها العالية في تعزيز التشغيل البيني وتوسع السوق. ومع ذلك، في حالات أخرى، يعدُّ التدخل الحكومي في وضع المعايير أمراً ضرورياً، إذ تضمن المعايير العامة السلامة، والتوافق، وحماية المستهلك في القطاعات التي قد يؤدي فيها فشل التنسيق أو المخاطر العالية إلى إبطاء الاعتماد. ومن الأمثلة على ذلك مقاييس السكك الحديدية والجهد الكهربائي والتحكم في طيف الراديو وقوانين البناء ومعايير انبعاثات السيارات. وغالباً ما تضع الحكومات والسلطات التنظيمية هذه المعايير أو تنسّقها مباشرة، وأحياناً من خلال هيئات دولية مثل المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس أو الاتحاد الدولي للاتصالات.
السلامة وحماية المستهلك
يمكن للوائح التنظيمية التي تضمن السلامة والجودة أن تعزِّز أيضاً نشر التكنولوجيا من خلال ترسيخ الثقة العامة. إذ تضمن إجراءات فحص سلامة المركبات، واعتماد الطيران، والموافقات التنظيمية للأدوية استيفاء المنتجات الجديدة للحد الأدنى من معايير السلامة قبل طرحها في السوق. ويساعد ذلك المستهلكين على التغلب على الشكوك تجاه التكنولوجيات غير المألوفة، مما يسمح بتبنيها على نطاق أوسع.
سياسة الملكية الفكرية
تؤثر أنظمة الملكية الفكرية في سرعة انتشار التكنولوجيات ونطاق اتساعها من خلال إحداث توازن في المفاضلة الأساسية بين حوافز الابتكار والنفاذ إلى التكنولوجيات الجديدة. إذ تشجِّع الحقوق الاستئثارية الشركات والمخترعين على الاستثمار في طرح أفكار جديدة، في حين تضمن متطلبات الكشف والحدود الزمنية قدرة الآخرين على التعلم منها والاستناد إلى ما حققته من تقدم. وبوجه خاص، تشكِّل وثائق البراءات المنشورة مستودعاً عالمياً هائلاً للمعلومات التقنية التي تدعم التقليد، والتعلم، والمزيد من الابتكار.
تساعد حقوق الملكية الفكرية أيضاً في تحويل الاختراعات إلى أصول قابلة للتداول، ومن خلال تحديد الملكية وتقديم الضمانات القانونية، تسهِّل هذه الحقوق على الشركات ترخيص التكنولوجيات أو شراؤها أو بيعها، مما يُمكِّن أسواق المعرفة ويسهِّل النشر العابر للحدود. وفي الوقت نفسه، وكما نوقش أعلاه، يتطلب اعتماد التكنولوجيات المخترعة في أماكن أخرى غالباً تكييفها مع الظروف المحلية. ويدعم هذا الابتكار اللاحق مجموعة من أدوات الملكية الفكرية، بما في ذلك نماذج المنفعة، وحقوق التصاميم، والعلامات التجارية، التي تعزز الحوافز للابتكارات التدريجية والتكيفية التي تساعد التكنولوجيات على ترسيخ جذورها ضمن بيئات متنوعة.
الخلاصة
يُعدُّ نشر التكنولوجيا عملية واسعة ومتعددة الأوجه تقع في صلب التنمية الاقتصادية والتقدم البشري. ولكي تؤدي الطفرات التكنولوجية إلى دفع عجلة النمو الاقتصادي، يجب أن تنتشر على نطاق واسع في الاقتصاد. وبينما تسارعت وتيرة اعتماد التكنولوجيا على مستوى العالم بشكل كبير، لا تزال فوائد التكنولوجيات الجديدة موزعة بشكل غير متكافئ، سواء داخل البلدان أو فيما بينها.
ثمة العديد من الرؤى الهامة المنبثقة من هذا الفصل التمهيدي. أولاً، إن النشر ليس عملية تلقائية أبداً، فحتى التكنولوجيات المتفوقة تواجه عقبات قد تؤخر انتشارها أو تمنعه، بدءاً من متطلبات البنية التحتية وفجوات المهارات، وصولاً إلى العوائق التنظيمية والقيود التمويلية. ثانياً، إن طبيعة التكنولوجيا وتكلفتها ومتطلبات بنيتها التحتية تشكل بشكل جذري نمط نشرها. ثالثاً، يحدد تدفق المعلومات ووجود قدرة استيعابية محلية مدى قدرة المعتمدين المحتملين على التعلّم الفعّال عن التكنولوجيات الجديدة وتطبيقها. وأخيراً، تؤدي السياسات العامة والأطر المؤسسية دوراً حاسماً في تهيئة الظروف اللازمة للنشر الناجح، إذ إن انتشار التكنولوجيا في حد ذاته لا يُترجم تلقائياً إلى النتائج المنشودة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
تنطوي هذه الرؤى على آثار هامة لواضعي السياسات الساعين إلى تسخير التقدم التكنولوجي لتحقيق التنمية الاقتصادية والمنفعة الاجتماعية. إذ لا يكفي مجرد تشجيع الاختراع وحده، بل يجب إيلاء اهتمام مساوٍ لخلق الظروف التي تمكِّن من تحقيق نشر سريع وواسع النطاق. ويشمل ذلك الاستثمار في البنية التحتية التكميلية، وبناء رأس المال البشري والقدرات المؤسسية، ووضع أطر تنظيمية مناسبة، وتصميم أنظمة للملكية الفكرية توازن بين حوافز الابتكار والنفاذ إلى التكنولوجيا.
إن أنماط استخدام التكنولوجيا بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، كما هو موضح في هذا الفصل، لا تؤكد فحسب على مصدر الفجوات المستمرة في الدخل العالمي، بل تشير أيضاً إلى الإمكانات الهائلة لتحقيق نمو اللحاق بالركب إذا ما تم تقليل العوائق أمام النشر. وستعتمد مواجهة التحديات العالمية الملِّحة في الوقت الراهن، بما في ذلك تغير المناخ، على قدرة البلدان على نشر التكنولوجيات المفيدة بسرعة وعلى نطاق واسع.
ويتطلب تحقيق ذلك تعاوناً وثيقاً واعتماداً متبادلاً بين الجهات الفاعلة المتعددة التي تشكِّل منظومة الابتكار العالمي. وتستند الفصول التالية إلى هذا الأساس من خلال فحص الآليات المحددة التي تنتشر من خلالها المعرفة التكنولوجية عالمياً، واستكشاف دراسات إفرادية مفصّلة توضح هذه المفاهيم عملياً. وتهدف هذه الفصول مجتمعة إلى تقديم رؤى قابلة للتنفيذ لواضعي السياسات، وقادة الأعمال، والباحثين العاملين على إطلاق الإمكانات التحويلية للتكنولوجيا لتحقيق المنفعة المجتمعية.