1 إطار سياسة الملكية الفكرية والحوكمة

1.1 الأولويات والتحديات الرئيسية للابتكار والملكية الفكرية

تشجِّع حقوق الملكية الفكرية على الإبداع والابتكار من خلال تقديم حوافز للمبدعين والمخترعين، وتسهيل تبادل المعرفة. لذلك، يُعد توفير أطر قانونية قوية وآليات إنفاذ فعَّالة أمراً ضرورياً لحماية الملكية الفكرية وتعزيز الابتكار. يُعد تعزيز حماية الملكية الفكرية استجابةً للتطورات التكنولوجية، مع مراعاة أفضل الممارسات الدولية، عنصراً أساسياً لتحقيق ذلك.

تعد حقوق الملكية الفكرية القوية أصولاً قيّمة للشركات التي تمارس التجارة عبر الحدود، حيث تمكّنها من حماية ابتكاراتها وعلاماتها التجارية ومحتواها الإبداعي واستغلالها. وغالباً ما تتضمن اتفاقات التجارة أحكاماً تتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية وإنفاذها وتنسيقها، بهدف تيسير التجارة، كما تُعدّ سياسات الملكية الفكرية وأنظمتها عنصراً حاسماً في التنمية الصناعية والاقتصادية. فوجود إطار فعَّال للملكية الفكرية يدعم نمو الصناعات كثيفة الاعتماد على الملكية الفكرية، مثل الصناعات الدوائية والبيوتكنولوجيا والبرمجيات والقطاعات الإبداعية. ويسهم ذلك في توفير وظائف عالية القيمة، والتشجيع على ريادة الأعمال والشركات الناشئة، والمساهمة في تنويع الاقتصاد. ويمكن للملكية الفكرية أن تجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزز نقل التكنولوجيا، مما يمكِّن البلدان من الارتقاء بسلسلة القيمة وتعزيز قاعدتها الصناعية والاقتصادية.

تُحفَّز فرص البلدان لتحسين قدراتها الابتكارية من خلال التحديات المجتمعية الكبرى، مثل الفقر، والصحة والأمن الغذائي، والاستدامة البيئية وتغير المناخ، إضافة إلى التقدم التكنولوجي المتسارع.

الأهمية المتزايدة للملكية الفكرية في السياسات الحكومية

في هذا السياق، من المهم أن تعمل الحكومات على مواءمة سياسات الابتكار والتنمية الاقتصادية مع النظر إلى اعتبارات الملكية الفكرية. ويشمل ذلك السياسات التي تشجِّع على البحث والتطوير، والمبادرات الداعمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في القطاعات الاقتصادية عالية النمو، والتدابير التي تيسِّر عملية التسويق ونقل التكنولوجيا، والحوافز التي تيسِّر الابتكار المحلي، وتعزيز نمو الأعمال والتصدير، على سبيل المثال لا الحصر. علاوة على ذلك، تنطوي السياسات الثقافية على أبعاد تتعلق بالملكية الفكرية، حيث تسهم في التشجيع على الإبداع والتعبير الثقافي، وحماية حقوق المبدعين، لا سيما في العصر الرقمي.

وقد انعكس التأثير الأوسع نطاقاً للملكية الفكرية وأهميتها بالنسبة لواضعي السياسات الحكومية من خلال مقابلاتنا مع كبار المسؤولين ورؤساء مكاتب الملكية الفكرية. ويُطلب منهم على نحو متزايد تقديم المشورة للحكومات بشأن كيفية الاستفادة بشكل أفضل من الملكية الفكرية لتحسين القدرة الابتكارية والإمكانات الإبداعية والتنمية الاقتصادية في أحد البلدان.

تكمن إحدى الوظائف المهمة لنظام الملكية الفكرية في تيسير التقدم التكنولوجي ونقل التكنولوجيا. ومن التحديات التي أشار إليها الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات مدى قدرة القوانين واللوائح والممارسات الإدارية الخاصة بالملكية الفكرية على مواكبة وتيرة التغير السريعة والتطورات التكنولوجية الديناميكية في مجالات التكنولوجيا الجديدة والناشئة. ويُعد التطور السريع للذكاء الاصطناعي مثالاً بارزاً، إذ يحمل تداعيات اقتصادية واجتماعية في الكثير من المجالات لواضعي السياسات، بما في ذلك نظام الملكية الفكرية.

وإدراكاً للأهمية المتزايدة للملكية الفكرية كأداة للسياسات، تنفِّذ الكثير من البلدان حملات توعية ومبادرات تعليمية لتعزيز فهم حقوق الملكية الفكرية وترسيخ ثقافة احترامها. ويسهم تثقيف الجمهور والشركات والمبدعين حول أهمية حماية الملكية الفكرية ودورها في تحفيز الابتكار والنمو الاقتصادي في تعظيم فوائدها، والتصدي للانتهاكات وسوء الاستخدام.

أدوات البرامج والسياسات

تركّز معظم البلدان بشكل طبيعي على تعزيز إبداع الملكية الفكرية محلياً. وقد أُشير في مقابلاتنا إلى أن تسهيل نقل المعرفة والتكنولوجيا من المؤسسات البحثية إلى القطاع الصناعي يُعدّ أولوية وطنية. وتستخدم الحكومات مجموعة متنوعة من أدوات السياسات والبرامج، مثل: التشجيع على الشراكات، واتفاقات الترخيص، وتعزيز البنية التحتية لنقل التكنولوجيا وشبكاتها، بهدف المساعدة على تسويق الاختراعات وتعظيم أثرها الاجتماعي. ومن الأولويات المهمة الأخرى رعاية ريادة الأعمال ودعم الشركات الناشئة من خلال توفير التمويل وبرامج الإرشاد والتوجيه، ومن خلال إنشاء حاضنات/مسرّعات الأعمال لمساعدة رواد الأعمال على طرح أفكارهم المبتكرة في السوق.

تدرك الحكومات بشكل متزايد أن نظامها الوطني للملكية الفكرية يجب ألا يقتصر على تيسير الابتكار المحلي فحسب، بل يجب أن يعزز التسويق العالمي أيضاً. وفي هذا السياق، تسعى البلدان إلى مواءمة أنظمتها الوطنية للملكية الفكرية مع شركائها التجاريين الرئيسيين والاتجاهات العالمية في الملكية الفكرية. ومن الناحية العملية، فإن الانضمام إلى معاهدات الملكية الفكرية الدولية، مثل اتفاق مدريد للتسجيل الدولي للعلامات التجارية، يمكن أن ييسر على الشركات دخول الأسواق الأجنبية وحماية حقوق الملكية الفكرية.

يُعدّ التعاون مع الشركاء الدوليين والمشاركة في المنتديات متعددة الأطراف أمراً مهماً لمواجهة تحديات الملكية الفكرية على الصعيد العالمي. وتشارك الدول بفاعلية في جهود التوحيد والتعاون الدولي وتبادل المعلومات للبقاء على اطلاع بأفضل الممارسات العالمية وتطوير استجابات فعّالة للتحديات عبر الحدود. كما أن بيع السلع المُقلَّدة عبر الأسواق الإلكترونية، والقرصنة الرقمية، وانتهاك الحقوق عبر الإنترنت يمثِّل تهديدات متزايدة للمبدعين والمبتكرين، ويبرز أهمية التعاون عبر الحدود في تقديم حلول ناجحة.

وتُعدُّ إحدى أولويات الكثير من رؤساء مكاتب الملكية الفكرية أن يقدموا لحكومتهم وجمهورهم النفاذ المحسّن إلى البيانات المتعلقة بالملكية الفكرية لفهم اتجاهات السوق والتكنولوجيا والابتكار بشكل أفضل، خاصة في القطاعات الاقتصادية كثيفة الاعتماد على الملكية الفكرية. ولطالما تم الاعتراف باستخدام المعلومات التكنولوجية الواردة في البراءات وغيرها من وثائق الملكية الفكرية بوصفها مصدراً للمعلومات من أجل الابتكار الفعَّال بأنها أداة مهمة في مجال السياسات، وهي تزداد قيمة في اقتصاد عالمي رقمي وقائم على البيانات.

المصلحة العامة والاعتبارات الأخلاقية

تمتد الملكية الفكرية إلى الكثير من جوانب السياسات العامة التي تؤثِّر في اقتصاد الدولة ومجتمعها وثقافتها. ومن ثم، يكون انعكاس المصلحة العامة اعتبارًا مهماً لرؤساء مكاتب الملكية الفكرية وواضعي السياسات. ويظل تحقيق توازن بين حماية حقوق الملكية الفكرية وضمان النفاذ إلى المعرفة تحدياً قائماً. وتتطلب قضايا مثل الاحتكارات القائمة على البراءات، وإتاحة النفاذ إلى الأبحاث العلمية، والنفاذ ميسور التكلفة إلى الأدوية الأساسية دراسة متأنية.

وبالمثل، فإن الاعتبارات الأخلاقية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا والهندسة الوراثية تعدُّ موضوعاً يحظى بنقاش واسع في الأوساط العامة والسياسية. كما تؤدي الملكية الفكرية دوراً محورياً في السياسات الثقافية، وتطوير التعبير الفني والمعرفة التقليدية وحمايتهما. يُعد ضمان نهج متماسك ومتوازن يراعي مصالح جميع أصحاب المصلحة أمراً ضرورياً لتعظيم فوائد الملكية الفكرية، ومعالجة التحديات المحتملة في الوقت ذاته، وتعزيز المصلحة العامة.

الرؤية الرئيسية 1. تحديات السياسات والأولويات الرئيسية

في كولومبيا تتمثل إحدى الأولويات المهمة في تعزيز النظام الإيكولوجي الإقليمي للابتكار وإضفاء الطابع الديمقراطي على المعرفة في جميع أجزاء الإقليم الوطني، كما هو مبيّن في خطة التنمية الوطنية الكولومبية (Pacto por Colombia, Pacto por la Equidad) 2019-2022. 

في إطار رؤية المملكة العربية السعودية لعام 2030، يتجه المسار نحو التحول من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وقائم على المعرفة والابتكار. وتعدُّ الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية، التي أُطلقت في عام 2022 لمدة خمس سنوات، إحدى الأدوات لتحقيق أهداف رؤية 2030.

تمثل الأولوية الرئيسية في بوتسوانا هي التحوُّل من اقتصاد قائم على الموارد إلى اقتصاد قائم على المعرفة، بالاستفادة من العلوم والتكنولوجيا والابتكار. وقد تم ترسيخ هذه الأولوية في رؤية التنمية الوطنية 2036 وفي سياسة الملكية الفكرية لبوتسوانا (BIPP) 2022.

تحدد استراتيجية أذربيجان 2030، التي أقرها الرئيس في عام 2021، الأولويات الوطنية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في البلد، بما في ذلك تطوير الملكية الفكرية التي تدعم الابتكار والإبداع والأسواق التنافسية.

مصر تمتلك عدداً من الاستراتيجيات الوطنية التي تهدف إلى تعزيز التنمية المستدامة والابتكار والمشهد التنافسي، من بينها رؤية 2030 كاستراتيجية للتنمية المستدامة، واستراتيجية الدولة للعلوم والابتكار 2030 كبرنامج للإصلاح الاقتصادي والهيكلي، والاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، بالإضافة إلى أول استراتيجية وطنية للملكية الفكرية، والتي أُطلقت في عام 2022.

2.1 الاستراتيجيات الوطنية للملكية الفكرية كأدوات للسياسات العامة

باتت الحكومات تدرك بشكل متزايد ميزة امتلاك استراتيجية وطنية للملكية الفكرية كأداة رئيسية للسياسات العامة. وتؤدي هذه الاستراتيجية دوراً حاسماً في تشكيل نظام ابتكار وطني ودعمه، كما أنها تمثل خارطة طريق لإدارة بلد ما لأصول ملكيته الفكرية وتستفيد من هذه الجوانب من أجل تعزيز الابتكار والتنمية الاقتصادية. وتساعد على مواءمة إطار الملكية الفكرية مع الأهداف الاقتصادية والابتكارية للدولة، وتدعم الابتكار في مختلف القطاعات، وتضمن نهجاً متوازناً لحماية الملكية الفكرية، بما يعود بالنفع على المبدعين والمخترعين، والاقتصاد، والجمهور.

تجري صياغة الاستراتيجيات الوطنية للملكية الفكرية باستخدام نهج حكومي شامل يشمل جميع الوزارات المعنية بالقضية. وغالباً ما تكون مسودات هذه الاستراتيجيات موضوعاً لمشاورات عامة واسعة مع الخبراء وأصحاب المصلحة المعنيين. وأشار بعض رؤساء مكاتب الملكية الفكرية، خلال مقابلاتنا، إلى قيمة مثل هذه العملية الشاملة في إبراز الدور المهم الذي تؤديه الملكية الفكرية في تحقيق الأهداف الأوسع لإحدى الدول، مثل تعزيز الابتكار، والتشجيع على الإبداع، ودعم التنمية الاقتصادية.

تشمل العناصر المهمة لأي استراتيجية وطنية للملكية الفكرية التشجيع على الابتكار والإبداع وتحفيزهما من خلال توفير إطار واضح ومنظّم لحماية حقوق الملكية الفكرية واستغلالها، وتعزيز الإطار القانوني لحقوق الملكية الفكرية وإنفاذها، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وتحسين الوعي بالملكية الفكرية. ويوضِّح الشكل 1 الإطار الذي تشجع الويبو الدول الأعضاء على استخدامه عند تطوير استراتيجياتها الوطنية للملكية الفكرية.

في بعض البلدان، تُدرج الملكية الفكرية ضمن سياسات واستراتيجيات وطنية أوسع للابتكار، كما هو الحال في ألمانيا وإستونيا. أما في غرب إفريقيا، فتتبع المنظمة الأفريقية للملكية الفكرية نهجاً متعدد المستويات يشجع الدول الأعضاء على تطوير استراتيجياتها الخاصة، إلى جانب قيادة أنشطة تدعم تنفيذ هذه الاستراتيجيات الوطنية.

بطبيعة الحال، تقود مكاتب الملكية الفكرية غالباً تطوير الاستراتيجيات الوطنية للملكية الفكرية أو تضطلع بدور مهم فيه. فهي تمتلك معرفة وخبرة متخصصتين في قانون الملكية الفكرية وإنفاذها وإدارتها. وتشكِّل أيضاً مصدراً مهماً للبيانات المتعلقة بالملكية الفكرية، مما يمكن أن يُساعد في توجيه تركيز الاستراتيجية وتقديم رؤى قيّمة حول التحديات والفرص في مشهد الملكية الفكرية داخل البلد. ومن ثم، يمكنها المساعدة في تحديد مجالات التحسين مما يخلق فرصاً للابتكار والنمو. وتشارك هذه المكاتب بفاعلية في تطوير خطط العمل وتنفيذ الاستراتيجية ومراقبتها وتقييمها.

تتعاون معظم مكاتب الملكية الفكرية أيضاً مع المنظمات الدولية ومكاتب الملكية الفكرية الأخرى ونظرائها في الخارج لتبادل الممارسات الفضلى، والتعلُّم من الاستراتيجيات الناجحة في بلدان أخرى، وتوحيد معايير الملكية الفكرية على المستويين الإقليمي والعالمي.

الشكل 1. إطار استراتيجيات الويبو الوطنية للملكية الفكرية

3.1 نماذج المسؤولية الوزارية

تتمثل إحدى الميزات الأساسية المرتبطة بحوكمة الملكية الفكرية في كيفية تنظيم البلدان للإشراف على السياسات ومسؤوليات الوزارات المختلفة، ومدى انعكاس ذلك على هيكلة الكيانات المعنية بإدارة الملكية الفكرية.

تمتد خيارات الحوكمة من النموذج الأكثر تقليدية، حيث يُنظر إلى الملكية الفكرية في الأساس على أنها وظيفة قانونية وتنظيمية، حتى نهج أكثر حداثة، يعترف بدور الملكية الفكرية بصفتها أداة تمكين لتحقيق أهداف أوسع نطاقاً فيما يتعلق بالابتكار والإبداع والتنمية الاقتصادية. تتعلق إحدى الميزات المحددة، المرتبطة بنطاق المؤسسات المعنية بإدارة مخاوف الملكية الفكرية، بعدد مكاتب الملكية الفكرية وأنواعها وآليات التنسيق المشترك بينها.

من خلال مقابلاتنا وأبحاثنا الأولية، حددنا نماذج ونُهُجاً متنوعة، نعرضها فيما يلي.

الوزارة الرئيسية المسؤولة عن مكتب الملكية الفكرية

في معظم البلدان، تتحمل وزارة رئيسية واحدة مسؤولية الملكية الفكرية، رغم أن مسؤولية تطوير سياسات الملكية الفكرية وقوانينها يشمل عدة وزارات وجهات حكومية.

يمكن تفسير مشاركة العديد من الوزارات بأن حقوق الملكية الفكرية تمسّ العديد من مجالات السياسات، مثل التنمية الصناعية، والبحث العلمي والتكنولوجي، والتجارة الدولية والتصدير، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، والثقافة والفنون، والزراعة وأصناف النباتات، بالإضافة إلى القضايا المتعلقة بحماية حقوق الملكية الفكرية وإنفاذها، من بين جملة أمور أخرى.

في معظم الأنظمة القانونية، تتحمل الوزارة الرئيسية مسؤولية أغلب قضايا سياسة الملكية الفكرية، وتُعتبر الإدارة التي تقدم القيادة والتنسيق للأمور المتعلقة بالملكية الفكرية. ومن الأمثلة الشائعة على ذلك وزارة الابتكار أو الاقتصاد أو العدل.

عادةً ما يكون مكتب الملكية الفكرية تابعاً لهذه الوزارة الرئيسية. ويمكن أن يسهم هذا الأمر في تبسيط عملية تطوير السياسات، حيث يجمع بين الخبرة والموارد ونهجاً أكثر تركيزاً لمعالجة قضايا الملكية الفكرية. ويشجّع هذا الأمر على التعاون بين تطوير السياسة المتعلقة بالملكية الفكرية وإدارتها أو تنفيذها. ويمكن أيضاً أن ييسر تحقيق تنسيق أفضل بين سياسات الملكية الفكرية ودمجها ضمن الاستراتيجيات والمبادرات الحكومية الأوسع نطاقاً. وهذا يمكن أن يؤدي بدوره إلى أطر للسياسات أكثر اتساقاً وكفاءة.

في المقابلات التي أجريناها مع رؤساء مكاتب الملكية الفكرية، أشار العديد منهم إلى الالتزامات القانونية والإدارية المختلفة التي يجب عليهم تنسيقها مع الوكالات الحكومية الأخرى بشأن مجموعة واسعة من المسائل المتعلقة بالسياسات، والاعتراف المتزايد بأن الملكية الفكرية قضية سياسية شاملة.

يتوقف تحديد تبعية مكتب الملكية الفكرية لوزارة معينة على تفويض الوزارة، حيث يمكن أن يعكس ذلك تركيزاً محدداً يتماشى مع أولويات الحكومة.

تضطلع وزارات العلوم والتكنولوجيا و/أو الابتكار بدور مهم في تطوير سياسات الملكية الفكرية. إذ تعمل هذه الوزارات نحو تعزيز البحث والتطوير، والارتقاء بالابتكار، ودعم نقل التكنولوجيا. ويعكس وضع مكتب الملكية الفكرية تحت نظامها القانوني، كما هو الحال في كندا، التركيز على الملكية الفكرية باعتبارها محفزاً للابتكار والتقدم التكنولوجي.

وفي بعض البلدان، تضطلع وزارة التجارة أو الصناعة بدور محوري في صياغة سياسات الملكية الفكرية، كما هو الحال في بوتسوانا والهند. حيث تتحمل هذه الكيانات مسؤولية تعزيز النمو الاقتصادي والتجارة والتطوير الصناعي، مما يجعلها أدوات سياسية مهمة في شؤون الملكية الفكرية. ويؤكد وضع مكتب الملكية الفكرية تحت مسؤولية وزارة الاقتصاد، كما هو الحال في شيلي، على البعد الاقتصادي للملكية الفكرية.

في السابق، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، كان يُنظر إلى الملكية الفكرية في المقام الأول على أنها ملك قانوني. وفي بعض البلدان، لا تزال الملكية الفكرية تخضع لإشراف وزارة العدل والشؤون القانونية، كما هو الحال في ألمانيا، حيث تقع مسؤولية قانون حق المؤلف، والبراءات، والعلامات التجارية، إلى جانب المكتب الألماني للبراءات والعلامات التجارية، على عاتق وزارة العدل. يجني وضع مكتب الملكية الفكرية تحت إشراف وزارة العدل النفع من الخبرة القانونية وقدرات إنفاذ القانون داخل النظام القضائي، مما يضمن تطوير قوانين الملكية الفكرية وتنفيذها وإنفاذها بفاعلية، وبما يتماشى مع الإطار القانوني العام للبلد.

الرؤية الرئيسية 2. المسؤوليات الوزارية والهياكل الإدارية للملكية الفكرية

في بوتسوانا تتولى وزارة التجارة والصناعة مسؤولية الملكية الفكرية وتنسِّق أي أعمال ذات صلة مع الوزارات الأخرى. وتُدير هيئة الشركات والملكية الفكرية جميع حقوق الملكية الفكرية داخل وزارة التجارة والصناعة.

في الهند يقع مكتب المراقب العام للبراءات والتصاميم الصناعية والعلامات التجارية، وإدارة النهوض بالصناعة والتجارة الداخلية، داخل وزارة التجارة والصناعة. ويتولى مكتب الملكية الفكرية مسؤولية حقوق الملكية الفكرية جميعها، باستثناء حماية أصناف النباتات، التي تخضع لوزارة الزراعة.

في كندا وزارة الابتكار والعلوم والتنمية الاقتصادية هي الوزارة الفيدرالية المسؤولة عن سياسة وتشريع الملكية الفكرية. وضمن وزارة الابتكار والعلوم والتنمية الاقتصادية، يتولى المكتب الكندي للملكية الفكرية إدارة حقوق الملكية الفكرية ومعالجتها. وتتولى إدارات أخرى أيضاً مسؤولية الملكية الفكرية؛ فعلى سبيل المثال، تتولى الوكالة الكندية لفحص الأغذية مسؤولية حقوق مربي النباتات، في حين تتولى وزارة التراث الكندية مسؤولية سياسة حق المؤلف والسياسات المتعلقة بالصناعات الثقافية.

في شيلي يتولى المعهد الوطني للملكية الصناعية إدارة الملكية الصناعية تحت إشراف وزارة الاقتصاد، في حين تخضع حماية أصناف النباتات لهيئة الزراعة والثروة الحيوانية ضمن وزارة الزراعة. ويضطلع المعهد الوطني للملكية الصناعية بدور مستشار في قضايا الملكية الصناعية لرئيس الجمهورية، كما يعمل بوصفه هيئة متخصصة عند مناقشة هذه القضايا في المفاوضات التجارية الدولية. أما وزارة الثقافة، فتتولى مسؤولية سياسات حق المؤلف ومكتب حق المؤلف.

المسؤولية عن سياسة حق المؤلف وإدارته

في الكثير من البلدان، تخضع مسؤولية سياسة حق المؤلف لوزارة مختلفة عن تلك المسؤولة عن سياسات الملكية الصناعية. وغالباً ما تقود وزارة الثقافة أو الفنون أو التراث دفة تطوير سياسة حق المؤلف وإدارته.

يؤدي هذا عادةً إلى نموذج يتم فيه إنشاء مكتب مستقل للملكية الصناعية وآخر منفصل لحق المؤلف. يعمل مكتب حق المؤلف في الغالب بوصفه هيئة متخصصة مسؤولة عن سياسات حق المؤلف وإدارته. كما يتولى عادة مسؤولية وضع قوانين حق المؤلف، وإدارتها، وتقديم الإرشادات بشأن إنفاذها.

في بعض الأنظمة القانونية، يوجد مكتب ملكية فكرية واحد يتولى مسؤولية أمور الملكية الصناعية وحق المؤلف. وغالباً ما تكون الوزارة الرئيسية لديها مسؤوليات سياسية في كلا المجالين، مما ييسر إنشاء كيان واحد لمكتب الملكية الفكرية. وفي حالات أخرى، تُدمج الوظائف الإدارية داخل مكتب واحد، مثل دمج سجل حق المؤلف مع سجلات الملكية الفكرية الأخرى، وهو ما قد يعزز الكفاءة.

لم تتعمق الدراسة في مسألة إذا ما كان توحيد الملكية الصناعية وحق المؤلف تحت كيان إداري واحد يؤدي إلى اتساق أكبر في سياسات الملكية الفكرية. ومع ذلك، نلاحظ ظهور تحديات جديدة تتعلق بالملكية الفكرية في الاقتصاد الرقمي، مما يؤدي إلى تقارب قضايا السياسات المتعلقة بالملكية الصناعية وحق المؤلف. وفي السوق، تدير الشركات في الكثير من القطاعات محافظها الخاصة بالملكية الفكرية بشكل متكامل، سواء كان ذلك من خلال حقوق الملكية الفكرية الرسمية مثل البراءات أو العلامات التجارية والتصاميم، أو من خلال أشكال حماية أخرى مثل الأسرار التجارية. وبفضل التطورات التكنولوجية التي تعزز هذا الاتجاه نحو التقارب، قد نشهد في المستقبل مزيداً من الحكومات التي تدرس دمج حق المؤلف مع المسؤوليات الأخرى المتعلقة بسياسات الملكية الفكرية.

الاتجاهات الناشئة

اتجهت بعض البلدان إلى دمج جميع الكيانات المتعلقة بالملكية الفكرية ومسؤولياتها تحت مظلة مؤسسة وزارية واحدة، وذلك بهدف معالجة تحديات التنسيق بين الوزارات والحد من تشتت المسؤوليات والسياسات المتعلقة بالملكية الفكرية. وهذا النهج يرتقي بمكانة الملكية الفكرية في التسلسل الحكومي.

على سبيل المثال، في المملكة العربية السعودية، تتولى الهيئة السعودية للملكية الفكرية مسؤولية إدارة حقوق الملكية الفكرية جميعها، بما في ذلك البراءات والعلامات التجارية والتصميم الصناعي والمؤشرات الجغرافية وحق المؤلف وحماية الأصناف النباتية والدوائر المتكاملة. وتتولى أيضاً مسؤولية التشريعات واللوائح والسياسات المتعلقة بالملكية الفكرية، وتسهم في إنفاذها والابتكار.

وبالمثل، في الهند، ووفقاً للسياسة الوطنية للملكية الفكرية لعام 2016، تم تجميع جميع وكالات الملكية الفكرية تحت مظلة وزارة التجارة والصناعة، (باستثناء الأصناف النباتية التي بقيت ضمن اختصاص وزارة الزراعة). ونتج عن هذا النهج أُحادي الوكالة تحسين التنسيق.

ومن الأمثلة الحديثة أيضاً، مصر، التي تعمل حالياً على إنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية، كما هو موضَّح في الرؤية الرئيسية 3.

منظمات الملكية الفكرية الإقليمية

تعدُّ المنظمة الإفريقية للملكية الفكرية نموذجاً فريداً، من حيث كونها مؤسسة إقليمية. فهي توفِّر تسجيل الملكية الفكرية وحمايتها نيابة عن 17 دولة عضو في غرب إفريقيا. وتحظى المنظمة بتاريخ مديد من التعاون، إذ تأسست عام 1962، وتخضع لإدارة مجلس إداري يتكون من الوزراء المسؤولين في الدول الأعضاء. ورغم أن وضع السياسات الوطنية يظل من اختصاص كل دولة عضو على حدة، فإن المنظمة الإفريقية للملكية الفكرية تعتمد هيكل تنسيق وطنياً لدعم تنفيذ سياسات الملكية الفكرية في كل دولة عضو. على سبيل المثال، تقدم المنظمة الإفريقية للملكية الفكرية قوانين نموذجية تتعلق بالموارد الوراثية والمعرفة التقليدية بالتعاون مع الدول الأعضاء بها. وعند التوصل إلى توافق حول أي وثيقة، يتم رفعها إلى المجلس الإداري للموافقة عليها، ثم تُترجم إلى لوائح تطبق بوصفها قانوناً وطنياً في كل بلد، رغم أن لكل منها حرية إضافة تدابير إضافية لتلبية احتياجاتها الخاصة.

الرؤية الرئيسية 3. الجهاز المصري الجديد للملكية الفكرية

أطلقت الحكومة المصرية رسمياً أول استراتيجية وطنية للملكية الفكرية خاصة بها في عام 2022. وكانت إحدى الركائز الأساسية لهذه الاستراتيجية إنشاء الجهاز المصري الجديد للملكية الفكرية، الذي جمع في مؤسسة واحدة المسؤوليات المتعلقة بالملكية الفكرية التي كانت موزعة على تسعة مكاتب وإدارات مختلفة (انظر "الملخص التنفيذي"، استراتيجية مصر الوطنية للملكية الفكرية 2022، ص. 12، https://www.sis.gov.eg/UP/Culture/Strategic%20Book%20(E).pdf).). وقد أُنشى هذا الجهاز بموجب القانون رقم 163 لسنة 2023، الذي صدر في أغسطس 2023، حيث حدد اختصاص الجهاز المصري للملكية الفكرية ودوره ومسؤولياته.

المصدر: استراتيجية مصر الوطنية للملكية الفكرية 2022.

4.1 آليات إعداد السياسات وتنسيقها

يرتبط أحد العناصر المهمة لحوكمة الملكية الفكرية بصياغة سياسات الملكية الفكرية وتنسيقها داخل الحكومة، وأنواع آليات التنسيق المطبقة ودور مكتب الملكية الفكرية في هذه العمليات.

خلال مقابلاتنا مع رؤساء مكاتب الملكية الفكرية، كان الرأي السائد يكمن في أنه يجب على الحكومات تنسيق إعداد السياسات بين مختلف الكيانات، سواء من خلال وسائل رسمية أو غير رسمية، من أجل أن تكون سياسات الملكية الفكرية وملاءمتها فعالة.

علاوة على ذلك، فإن آليات التعاون هذه ليست ضرورية فقط لقوانين والسياسات الخاصة بالملكية الفكرية، بل تؤثر أيضاً في كيفية دمج اعتبارات الملكية الفكرية في مجالات السياسات غير المترابطة الأوسع نطاقاً، مثل: التنمية الاقتصادية والعلوم والتكنولوجيا والتجارة.

التنسيق بين الكيانات الحكومية على المستوى الوطني

يختلف تنسيق سياسة الملكية الفكرية بين الكيانات المختلفة وفقًا للهيكل الحوكمي والإطار القانوني لكل بلد. في معظم البلدان ، تمر العملية التشريعية، بما في ذلك صياغة قوانين الملكية الفكرية وتعديلها، بعدة مراحل من المراجعة والاستشارات العامة والاستشارات بين الوزارات، بما يشمل التنسيق بين الوزارات المعنية واللجان البرلمانية ذات الصلة.

ومن المثير للاهتمام ملاحظة النوعين السائدين من آليات التنسيق بين الوزارات.

يُنشئ الكثير من البلدان لجاناً وزارية مشتركة أو فرق عمل رسمية تضم ممثلين عن الوزارات والوكالات الحكومية المعنية. وتعمل هذه اللجان بوصفها منصات للتنسيق والتعاون والتشاور بشأن أمور سياسات الملكية الفكرية. وتساعد في توحيد وجهات النظر والمصالح بين مختلف الكيانات المعنية، وتعزز إعداد سياسات متكاملة.

فعلى سبيل المثال، في كولومبيا، تتولى اللجنة المشتركة بين القطاعات المعنية بالملكية الفكرية مسؤولية تنسيق الجهات الفاعلة المختلفة المشاركة في نظام الملكية الفكرية. وتشمل هذه الجهات الفاعلة هيئة الإشراف على الصناعة والتجارة بصفتها المكتب الوطني المختص بالملكية الصناعية، والمديرية الوطنية لحق المؤلف بصفتها السلطة المعنية بحق المؤلف والحقوق المجاورة، والمعهد الزراعي الكولومبي بوصفه الجهة المختصة بحماية الأصناف النباتية.

في بعض البلدان، تُستخدم آليات تنسيق غير رسمية. حيث تتعاون الكيانات الحكومية المختلفة مع المسؤوليات ذات الصلة بالملكية الفكرية، مثل: وزارات التجارة والعدل والثقافة والتكنولوجيا، من خلال التواصل المنتظم، وتبادل المعلومات، والمبادرات المشتركة. يضمن هذا التعاون توافق سياسات الملكية الفكرية مع الأهداف الوطنية الأوسع، والأطر القانونية، والاحتياجات القطاعية المحددة. في الكثير من البلدان، تتحمل الوزارة الرئيسية مسؤولية التواصل والتشاور مع الوزارات الأخرى التي إما تتحمل مسؤولية تجاه بعض جوانب سياسات الملكية الفكرية أو قد تتأثر بالتغييرات المقترحة.

الرؤية الرئيسية 4. التنسيق بين عدة دول على المستوى الإقليمي

المنظمة الأفريقية للملكية الفكرية هي مكتب إقليمي للملكية الفكرية يخدم 17 دولة عضواً في غرب إفريقيا. في بلدان لمنظمة الإفريقية للملكية الفكرية، تعمل ثلاث وزارات معاً بشكل عام: الوزارة المسؤولة عن الصناعة، وهي الجهة الإشرافية الرسمية للمنظمة الإفريقية للملكية الفكرية في كل دولة عضو؛ والوزارة المسؤولة عن الثقافة، التي تتعامل مع حق المؤلف؛ والوزارة المسؤولة عن الابتكار. تمتلك المنظمة الأفريقية للملكية الفكرية هيكل تنسيق وطنياً في كل دولة عضو، يعمل على تسهيل التعاون بين هذه الجهات الثلاث. وتوجد مجالات، مثل البراءات والعلامات التجارية، تطلق المنظمة الأفريقية للملكية الفكرية فيها مبادرات تتعلق بتطوير الملكية الفكرية وتعزيزها. ثم يتم تمرير هذه المبادرات إلى المستوى الوطني. فيكون لكل دولة بعد ذلك الحرية في إضافة تدابير إضافية تتناسب مع احتياجاتها وأولوياتها الخاصة.

المشاورات العامة وأشكال أخرى من التواصل مع أصحاب المصلحة

بعد إجراء المشاورات بين الوزارات وصياغة مبادرة سياسات مقترحة، تسعى الحكومات غالباً إلى الحصول على آراء وملاحظات الجمهور وأصحاب المصلحة في الصناعة والخبراء من خلال مشاورات عامة. يتيح ذلك النظر في مجموعة أوسع من وجهات النظر عند بلورة السياسة المقترحة. تُجرى هذه المشاورات من خلال وزارات محددة أو مكاتب الملكية الفكرية، ويتم استخدام المدخلات التي يتم جمعها في عملية وضع السياسات، وكذلك في المراحل التشريعية والبرلمانية اللاحقة.

تنخرط البلدان كذلك في التعاون الدولي وتشارك في المنتديات الإقليمية والمتعددة الأطراف لمعالجة التحديات العالمية في مجال الملكية الفكرية. ومن خلال المفاوضات الثنائية ومتعددة الأطراف، تعمل البلدان على توحيد معايير الملكية الفكرية، وتبادل أفضل الممارسات، وتطوير اتفاقات دولية، مثل اتفاقات التجارة الحرة أو المعاهدات، بهدف تعزيز حماية الملكية الفكرية وإنفاذها.

دور مكتب الملكية الفكرية

وفقاً لطبيعة سياسة الملكية الفكرية، قد تتولى المكاتب الوطنية للملكية الفكرية قيادة هذه العملية أو تساهم فيها. غالباً ما تعمل هذه المكاتب بوصفها مراكز رئيسية لجمع الإسهامات من مختلف أصحاب المصلحة أثناء المشاورات العامة، وتُجري الأبحاث وتصوغ التوصيات المتعلقة بالسياسات. تتعاون المكاتب مع الوزارات المعنية، والجمعيات الصناعية، والجهات الأخرى لضمان سياسات متكاملة ومتسقة في مجال الملكية الفكرية.

تؤدي مكاتب الملكية الفكرية دوراً نشطاً في تطوير تشريعات الملكية الفكرية ومراجعتها. وتقدم خبرة فنية ورؤى ثاقبة عن الجوانب القانونية، مع مواءمة قوانين الملكية الفكرية مع المعايير الدولية ومعالجة التحديات والفرص الناشئة. كما تتعاون مكاتب الملكية الفكرية مع الوزارات المعنية والخبراء القانونيين لضمان أن يكون الإطار التشريعي قوياً، ومواكباً للتطورات، ويدعم أهداف السياسة الأوسع نطاقًا.

بشكل عام، تُقدّم معظم مكاتب الملكية الفكرية مشورة الخبراء والتوصيات إلى الحكومة والوزارات المعنية بشأن صياغة سياسات الملكية الفكرية. إذ يقدمون رؤى حول أثر الملكية الفكرية على التنمية الاقتصادية، والأنظمة الإيكولوجية للابتكار، والتقدم العلمي، والتنافسية التجارية.

بالإضافة إلى ذلك، تجمع العديد من مكاتب الملكية الفكرية البيانات وتحلّلها بشأن طلبات الملكية الفكرية، والاتجاهات، والمؤشرات الاقتصادية ذات الصلة، ما يساعد في تشكيل السياسات الحكومية. تشكّل هذه المعلومات أداة قيّمة لمراقبة أثر سياسات الملكية الفكرية على التنمية الاقتصادية والابتكار والتجارة. وتساهم مكاتب الملكية الفكرية في وضع سياسات تستند إلى الأدلة من خلال توفير البيانات الإحصائية، والرؤى السوقية، وتقييمات الأثر الاقتصادي.

أخيراً، أشار الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات إلى أن العديد من مكاتب الملكية الفكرية تحافظ على علاقات قائمة مع أصحاب المصلحة الخارجيين، ما يُمكّنها من توفير مصدر جاهز للرؤى والنصائح لصانعي السياسات الحكومية بشأن مختلف المبادرات السياسية، والتي قد لا تقتصر على الملكية الفكرية. على سبيل المثال، أجرت بعض مكاتب الملكية الفكرية (والويبو) دراسات حول الفجوة بين الجنسين في إصدار البراءات، ما ساهم في تحقيق أهداف السياسات الحكومية الأوسع نطاقًا بشأن كيفية تعزيز مشاركة النساء في المجالات العلمية.

الرؤية الرئيسية 5. مكاتب الملكية الفكرية تقدم مشورة الخبراء بشأن السياسات الحكومية 

في بوتسوانا تقع مسؤولية وضع سياسة الملكية الفكرية على عاتق وزارة التجارة والصناعة، لكن تضطلع هيئة الشركات والملكية الفكرية بدور محوري في قيادة وضع هذه السياسة وصياغتها حتى يوافق عليها البرلمان. وعقب الموافقة، تتولى هيئة الشركات والملكية الفكرية دور الجهة المنفذة لسياسة الملكية الفكرية. 

في شيلي، أُنشئ المعهد الوطني للملكية الصناعية بوصفه هيئة استشارية لرئيس الجمهورية في قضايا الملكية الصناعية. ويتطلب ذلك من المعهد الوطني للملكية الصناعية إعداد توصيات متعلقة بالملكية الفكرية للرئيس عبر وزارة الاقتصاد، كما هو الحال عند اقتراح قانون جديد لنقل التكنولوجيا في شيلي، والذي يعد من المسؤوليات الأساسية لوزارة العلوم. ومع ذلك، يواصل المعهد الوطني للملكية الصناعية دوره بوصفه هيئة متخصصة تسهم في تطوير هذه المبادرة التشريعية.

المنظمة الأفريقية للملكية الفكرية هي مكتب إقليمي للملكية الفكرية يؤدي دوراً استشارياً لصالح الدول الأعضاء. كما تقترح المنظمة الأفريقية للملكية الفكرية سياسات وأنشطة تتعلق بمجالات مثل الاقتصاد، والابتكار، والعلوم، والتكنولوجيا. ومن الأمثلة على ذلك استخدام المؤشرات الجغرافية من قبل الدول الأعضاء. وتتولى المنظمة مسؤولية إعلانات داكار، وواغادوغو، وأبيدجان بشأن التأثير الاقتصادي للمؤشرات الجغرافية على تنمية الدول.

إشراك أصحاب المصلحة في حوكمة مكاتب الملكية الفكرية

إلى جانب الاستشارات المتعلقة بالسياسات، تشرك العديد من مكاتب الملكية الفكرية أصحاب المصلحة الخارجيين في حوكمتها من خلال آليات مختلفة، مثل الهيئات الاستشارية، واللجان الرسمية، والفرق العاملة ذات المهام المحددة، أو المنتديات المتخصصة في موضوعات معينة. في معظم الحالات، تكون التوصيات الصادرة عن أصحاب المصلحة الخارجيين في المجالس الاستشارية والهيئات الأخرى المعنية باتخاذ القرار غير ملزمة (انظر الجدول 4).

يمثل أصحاب المصلحة الخارجيون مجموعة متنوعة من وجهات النظر، تشمل قطاعات الصناعة والأعمال والأوساط الأكاديمية والمخترعين والفنانين والباحثين والجمهور. يضمن إشراكهم أن تأخذ مكاتب الملكية الفكرية في الاعتبار مجموعة واسعة من الآراء عند وضع السياسات واتخاذ القرارات.

أشار الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات إلى بعض الفوائد المهمة، مثل: الاستفادة من المعرفة والخبرة المتخصصة، لا سيما في المجالات التكنولوجية سريعة التطور، يمكن أن تساعد في صياغة إرشادات وممارسات البراءات. ومن منظور عملي أكبر، فإن إشراك مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة يساعد مكاتب الملكية الفكرية على تحديد العواقب غير المقصودة للسياسات أو اللوائح الجديدة، أو إيجاد حلول توازن بين مصالح مختلف الأطراف مع تحقيق أهداف للسياسات العامة.

يمكن لمكاتب الملكية الفكرية التعاون مع أصحاب المصلحة الخارجيين في مشاريع ومبادرات محددة. قد يشمل هذا التعاون أبحاثاً مشتركة، وبرامج تعليمية، وحملات توعية بالملكية الفكرية، وجهود بناء القدرات. يمكن إشراك أصحاب المصلحة الخارجيين في مراجعة وتقييم أداء مكتب الملكية الفكرية. قد يقدمون ملاحظات حول فعالية السياسات ويقترحون مجالات للتحسين.

الرؤية الرئيسية 6. الهيئات الاستشارية في مجال الملكية الفكرية

المجلس الاستشاري للملكية الفكرية في الفلبين هو هيئة مكوّنة من ثمانية إلى عشر شخصيات بارزة من القطاعين العام والخاص. يخدم الأعضاء لفترة تصل إلى عامين بناءً على دعوة من المدير العام لمكتب الفلبين للملكية الفكرية. يقدم المجلس توصيات إلى مكتب الفلبين للملكية الفكرية استنادًا إلى تقييم أدائه (وفقًا لبطاقة النتائج المتوازنة من كلية هارفارد للأعمال) وإنجازاته وشراكاته مع أصحاب المصلحة الرئيسيين، كما يحدد التحديات والقضايا التي قد تؤثر على تحقيق رؤية ومهمة مكتب الفلبين للملكية الفكرية.

في المملكة العربية السعودية يوجد لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية مجلس إدارة ورئيس (وزير من مجلس الوزراء) يُعينه رئيس الوزراء. ويشرفون على إدارة الهيئة السعودية للملكية الفكرية وسير أعمالها، ويضعون سياساتها العامة. 

في شيلي يعمل مجلس شيلي للمجتمع المدني بوصفه منصة للحوار والتعاون والتفاعل بين المجتمع المدني والحكومة، مما يتيح لمنظمات المجتمع المدني تقديم رؤاها حول السياسات العامة وعمليات صنع القرار الحكومي. يجتمع المجلس بانتظام (أربع أو خمس مرات سنوياً) ويوفر منتدى لتبادل المعلومات مع المعهد الوطني للملكية الصناعية. رغم أن استنتاجات المجلس غير مُلزمة، فإنها تُعد مصدراً مهماً للتعليقات.

في ألمانيا يُعد التواصل مع مودعي الطلبات مهماً بالنسبة إلى المكتب الألماني للبراءات والعلامات التجارية. يضم المكتب مجلساً استشارياً للمستخدمين في مجال البراءات ونماذج المنفعة. يتألف من 15 عضواً، ويجتمع مرتين سنوياً بهدف إشراك جميع فئات المستخدمين المعنية في مناقشاته (مودعو طلبات البراءات الكبار والصغار والأفراد، ومقدمي خدمات البحث وخدمة برمجيات إدارة البراءات). يتمتع المجلس بوظيفة استشارية بحتة ولا يشارك في عملية صنع القرار داخل المكتب.