يُعد هذا المنشور جزءاً أساسياً من سلسلة المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) حول تقييم الملكية الفكرية التي أطلقتها إدارة الملكية الفكرية للمبتكرين.
قامت الويبو بتكليف إعداد هذا العمل لدعم المتخصصين في ابتكارات علوم الحياة ومديري نقل التكنولوجيا في الجامعات ذات النشاط البحثي المكثف، والشركات الناشئة، والشركات المتفرعة، فضلاً عن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم. ويهدف هذا العمل إلى تسهيل تقييم الملكية الفكرية في مراحلها المبكرة في شركات البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية، مع التركيز على المتخصصين العاملين في الأنظمة الإيكولوجية للابتكار في مراحله المبكرة. ويُفترض أن الأساليب والنُهج الموضحة هنا مفهومة جيداً لدى المتخصصين في التقييم في المؤسسات القائمة في مجالات البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية.
نتناول عملية تحويل الملكية الفكرية (الاكتشاف) في مراحلها المبكرة عبر التجارب السريرية والموافقة التنظيمية ووصولها إلى السوق، مع مناقشة كيفية تأثير عملية التطوير على ملف المخاطر للملكية الفكرية، وبالتالي على تطور قيمتها مع الوقت. ندعم المفاهيم النظرية بدراسة إفرادية وأمثلة عملية لشرح كيفية تطبيق طرق التقييم في الواقع، مع التركيز على كيفية اختلاف قطاعي المستحضرات الصيدلانية والبيوتكنولوجيا عن الصناعات الأخرى من حيث جدول التطوير، والهيكلية، وطبيعة النتائج الثنائية.
ينصب التركيز الرئيسي على نُهج التقييم المُستخدمة عملياً في قطاعي المستحضرات الصيدلانية والبيوتكنولوجيا، وهي الطرق القائمة على الدخل وطريقة المقارنات.
صُمم هذا الدليل ليكون مرجعاً مفيداً للمتخصصين في الابتكار الذين يسعون لفهم أساسي للنُهج المستخدمة في تقييم الملكية الفكرية في قطاعي المستحضرات الصيدلانية والبيوتكنولوجيا. نشجع القارئ على إتقان التكنولوجيات الموضحة وطلب الدعم الاستشاري المتخصص عند وضع نماذج تقييم للملكية الفكرية التي يديرها.
مقدمة في البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية
يمكن تعريف البيوتكنولوجيا على أنها الاستخدام المتكامل للكيمياء الحيوية وعلوم الأحياء الدقيقة وعلوم الهندسة لتحقيق تطبيقات تكنولوجية (صناعية) لقدرات الكائنات الدقيقة والخلايا النسيجية المستزرعة وأجزائها (الجدول 1).
تتنوّع المنتجات الناشئة من هذا المجال بشكل كبير، بدءاً من الخميرة المستخدمة في الخَبز والبنسلين كمضاد حيوي، وصولاً إلى استخدام الإنزيمات لمعالجة انسكابات النفط. يمكن تصنيع المستحضرات الصيدلانية كيميائياً (منتجات اصطناعية)، أو تكوينها عبر تفاعلات كيميائية بعد سلسلة من عمليات التخمير والاستخلاص البيولوجية (منتجات شبه اصطناعية، مثل بعض المضادات الحيوية). تُعرف هذه المنتجات مجتمعة باسم منتجات الجزيئات الصغيرة. أو يمكن تصنيع المستحضرات الصيدلانية من خلال عمليات التخمير أو غيرها من العمليات التي تعتمد أساساً على الطبيعة البيولوجية بدلاً من الكيميائية (المنتجات البيولوجية). وعادةً ما تكون لهذه المنتجات البيولوجية أحجام جزيئية أكبر بكثير من الجزيئات العضوية المُصنَّعة (ومن هنا جاء استخدام مصطلح الجزيئات الصغيرة)، ويتم إنتاجها عبر مجموعة متنوعة من النُهج المتميزة. وغالباً ما يُشار إلى منتجات العلاج الخلوي والجيني باسم المنتجات العلاجية الطبية المتقدمة. في هذا الدليل، لن يتم التفريق بين منتجات أو صناعات البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية، لأن نُهج التقييم هي نفسها في هذه المجالات الواسعة لعلوم الحياة.
كيفية اختلاف قطاع البيوتكنولوجيا عن غيره
مقارنة بالقطاعات الأخرى، تتبع عملية تطوير الأدوية هيكلاً محدداً جيداً كما هو موضح في الشكل 1. باختصار، تبدأ العملية بمرحلة الاكتشاف، حيث يتم فحص آلاف المُركّبات باعتبارها مُركّبات مُرشَّحة محتملة لتطوير أدوية. تدخل المركبات التي تستوفي معايير التطوير الإضافي في الدراسات قبل السريرية، حيث تُجرى الفحوصات المختبرية داخل الكائنات الحية. تنتقل المركبات الناجحة إلى التجارب السريرية، التي تبدأ بالمرحلة الأولى وتركز على السلامة والجرعة، تليها المرحلة الثانية التي تختبر الفعالية على مجموعة صغيرة من المرضى. تؤدي المرحلة الثانية من التجارب إلى المرحلة الثالثة، والتي تختبر أيضاً فعالية الدواء ولكن على نطاق أوسع، يشمل في الغالب آلاف المرضى. بعد ذلك، يُقدَّم المُرشَّح الدوائي إلى الجهات التنظيمية للمراجعة، والتي تتطلب فحص بيانات التجارب السريرية المُقدمة. ويتركّز الاهتمام في هذه المرحلة على سلامة الدواء وفعاليته. ويُطلب من مودع الطلب العمل على إعداد وتطوير معلومات الوصف الطبي (الملصق الدوائي). وبعد الانتهاء من المراجعة، تصدر الجهات التنظيمية قرارها بالموافقة. وبمجرد الموافقة على الدواء وطرحه في السوق، يتم إخضاعه لمراجعة لاحقة تهدف إلى تقييم سلامته على المدى البعيد. أي تغييرات في التركيبة أو الجرعة أو البيانات التعريفية، أو تطوير استخدامات أو أشكال جديدة (مثل الأقراص والأشكال الفموية والأشكال القابلة للحقن)، تتطلّب تقديم طلبات جديدة للجهات التنظيمية والحصول على موافقات إضافية. كما تضمن الجهات التنظيمية أن تكون الإعلانات متوافقة مع الغرض المقصود من الدواء.
في الشكل (1)، يُظهر المسار التنظيمي لإدارة الغذاء والدواء أن الدواء الذي لم تتم الموافقة على استخدامه العام بعد يُعرف باسم "دواء جديد خاضع للبحث". أُجري التحليل الموضح من قِبل مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي. ويمكن أن تستغرق عملية تطوير الدواء من مرحلة الاكتشاف وحتى المراجعات اللاحقة للموافقة ما يصل إلى عشر سنوات، تبعاً لطبيعة الدواء والمؤشرات العلاجية. وقد يفشل الدواء قيد الدراسة في أي مرحلة من هذه العملية، مما قد يؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات تبعاً للمجال السريري ومرحلة التطوير. ونتيجة لذلك، فإن الطبيعة الثنائية لتطوير الأدوية تمثل مخاطرة كبيرة مقارنةً باستخدام الملكية الفكرية في قطاعات أخرى حيث من المرجح أن:
تمر بعملية تطوير أقصر زمناً للوصول إلى السوق.
تمتلك مرونة أكبر للتعديل أو إعادة التصميم لمواجهة تحديات الأداء أو الوظائف.
تخضع لعملية موافقة تنظيمية أقل صرامة فيما يتعلق بمتطلبات تقديم البيانات، والتكاليف، والإجراءات.
نتيجة لذلك، يتطلب ملف المخاطر في مجال البيوتكنولوجيا دراسة دقيقة عند تقييم الملكية الفكرية في هذا القطاع. وعلاوة على ذلك، فإن فترات التطوير الطويلة للملكية الفكرية في مجال البيوتكنولوجيا غالباً ما تتجاوز الإطارات الزمنية المعتادة لعائد الاستثمار لدى ممولي رأس المال. بالنسبة للعديد من المستثمرين، تُعد فترة تتراوح بين ثلاث إلى سبع سنوات نموذجية، وبعدها يفضلون الخروج أو إعادة تقييم استثماراتهم. وبالإضافة إلى ذلك، يتطلب تطوير الأدوية نفقات رأسمالية مرتفعة للغاية، حيث تتراوح تكاليف التطوير قبل الإطلاق بين 161 مليون دولار أمريكي و4.54 مليار دولار أمريكي عبر جميع المجالات العلاجية (شلاندر وآخرون.، 2021).
أساليب تقييم الملكية الفكرية في قطاع البيوتكنولوجيا
يدرك المتخصصون في مجال الابتكار العاملون في الجامعات ذات النشاط البحثي المكثف، والشركات الناشئة، والشركات المتفرعة، والشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم أهمية تقييم أصول الملكية الفكرية. ويؤدي تقييم الملكية الفكرية دوراً محورياً في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، ونقل التكنولوجيا، والترخيص، وجذب الاستثمارات، وتسويق الملكية الفكرية بشكل عام.
وفي هذا الدليل الشامل، سنستعرض أكثر أساليب تقييم الملكية الفكرية شيوعاً والمصممة خصيصاً لقطاع البيوتكنولوجيا. توفر كل طريقة تقييم منظوراً فريداً لتقدير قيمة أصول الملكية الفكرية، مما يمكّنك من اتخاذ قرارات مستنيرة واستراتيجية.
طرق التقييم التي سنستعرضها فيما يلي هي:
طريقة التكلفة: تُقدِّر هذه الطريقة قيمة أصل الملكية الفكرية بناءً على التكاليف المتكبدة أثناء تطويره. وتمثل نقطة انطلاق من خلال احتساب الاستثمارات التي أُنفقت على أنشطة البحث والتطوير، والتجارب السريرية، والملفات التنظيمية، والنفقات الأخرى ذات الصلة.
نهج السوق: يُحدّد نهج السوق قيمة الملكية الفكرية من خلال مقارنتها بأصول فكرية مشابهة تم بيعها أو ترخيصها مؤخراً. ويعتمد هذا الأسلوب على بيانات السوق والمعاملات الفعلية لتقدير القيمة السوقية الحالية لأصل الملكية الفكرية.
نهج الدخل: يقيِّم النهج القائم على الدخل قيمة الملكية الفكرية من خلال تقدير قدرتها المستقبلية على توليد الدخل. ويأخذ في الاعتبار عوامل مثل التدفقات النقدية المتوقعة، والإيرادات المنتظرة، ورسوم الترخيص، وتدفقات الإتاوات لتحديد القيمة الحالية لأصل الملكية الفكرية.
أسلوب الخيارات الحقيقية: يعترف أسلوب الخيارات الحقيقية بالمرونة والفرص المستقبلية المحتملة المرتبطة بأصول الملكية الفكرية. ويتيح لك هذا الأسلوب تقييم الخيارات الاستراتيجية والفرص المحتملة التي قد تظهر أثناء تطوير وتسويق الملكية الفكرية في مجال البيوتكنولوجيا. وبالأخذ في الاعتبار درجة عدم اليقين وإمكانية تعديل المشروع وفقاً للمعلومات الجديدة، يُقدِّم منهج الخيارات الحقيقية تقييماً أكثر شمولاً.
وفي هذا الدليل، سنناقش كل أسلوب من أساليب التقييم هذه بالتفصيل، مع توضيح كيفية تطبيقها ومزاياها وحدودها. ومن خلال فهم أساليب التقييم هذه واستخدامها بفعالية، ستحصل على مجموعة أدوات متكاملة لتقييم وتعظيم قيمة أصولك الفكرية في مجال البيوتكنولوجيا.
يمكن للمتخصصين في مجال التقييم دعم أسلوبهم المفضل بأساليب تقييم إضافية لمعالجة أي ثغرات محتملة في نهجهم. على سبيل المثال، يمكن دعم نتائج النهج القائم على الدخل باستخدام طريقة المقارنات لتقدير قيمة الملكية الفكرية، وذلك لدعم المفاوضات بين مالكي حقوق الملكية الفكرية والمستثمرين أو المرخص لهم المحتملين ممن يفضلون نهجاً معيناً للتقييم. ويجب أن يكون تقييم الملكية الفكرية قائماً على أُسس يمكن الدفاع عنها، وسهل العرض على الفرق الداخلية وأصحاب المصلحة الآخرين. ويجب أن تستند الافتراضات المستخدمة في عملية التقييم إلى البيانات، وأن تُبنى قدر الإمكان على معايير صناعية راسخة. ولمناقشة أكثر تعمقاً حول تقييم الملكية الفكرية في علوم الحياة، نوصي بالرجوع إلى الدليل العملي الذي أعدّه بوغدان وفيليغر (2010).
السياق المهم والافتراضات المهمة في تقييم الملكية الفكرية بمجال البيوتكنولوجيا
تنطوي عملية تقييم الملكية الفكرية في مجالي البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية على قدر كبير من عدم اليقين، خاصةً في المراحل الأولى (ما قبل السريرية وحتى المرحلة الأولى). ونظراً للمخاطر المرتفعة، وعدم وضوح النتائج السريرية، والطبيعة التخمينية للأسواق المستقبلية، يعتمد تقييم الملكية الفكرية في المراحل المبكرة من البيوتكنولوجيا بشكل كبير على افتراضات الخبراء، والسيناريوهات المستقبلية، والمنهجيات المرنة. ومع تقدم التكنولوجيات عبر المراحل اللاحقة من التطوير السريري (المرحلتان الثانية والثالثة، والموافقات التنظيمية)، يتناقص مستوى عدم اليقين تدريجياً، مما يسمح باستخدام أساليب تقييم كمّية أكثر دقة. وينبغي على القراء إدراك أوجه عدم اليقين الجوهرية منذ البداية لفهم أفضل وتطبيق أكثر دقة للطرق المبيّنة في هذا الدليل
التوافق مع المعايير الدولية للتقييم
يعمل مجلس معايير التقييم الدولي على تعزيز استخدام أساليب تقييم عالمية متسقة وشفافة وموثوقة. وتتناسب هذه المعايير مع الأصول التي تمتلك أسواقاً محددة بوضوح، وتدفقات نقدية متوقعة، وبيانات تاريخية أو مقارنة كافية، وهي ظروف أكثر شيوعاً في الملكية الفكرية في مجال البيوتكنولوجيا في المراحل المتقدمة (المرحلة الثالثة وما بعدها والموافقات التنظيمية).
بالنسبة لأصول البيوتكنولوجيا في المراحل المبكرة (ما قبل السريرية والمرحلة الأولى)، تعتمد أساليب التقييم، رغم كونها كمّية في بنيتها، بشكل كبير على مدخلات نوعية أو تخمينية أو قائمة على سيناريوهات، نظراً لندرة البيانات وارتفاع مستوى عدم اليقين. في هذه المرحلة، يُستخدم أسلوب صافي القيمة الحالية المُعدل حسب المخاطر ومنهج الخيارات الحقيقية بطريقة كمّية، إلا أن الافتراضات الأساسية (احتمالية النجاح، ونسبة النفاذ إلى السوق، والتسعير) تُستمَد بشكل رئيسي من آراء الخبراء والسيناريوهات والتقديرات النوعية.
ومع نضوج الملكية الفكرية في مجال البيوتكنولوجيا (خصوصاً من المرحلة الثانية فصاعداً)، يبدأ التقييم في دمج مدخلات كمّية أقوى تدريجياً مثل بيانات الفعالية السريرية، والأصول القابلة للمقارنة في الأسواق الناشئة، والجداول الزمنية التنظيمية المحددة، مما يُحسّن التوافق مع معايير مجلس معايير التقييم الدولي. وبحلول المرحلة الثالثة ومرحلة الموافقة التنظيمية، عادةً ما تلتزم التقييمات بمعايير كمّية صارمة نظراً لتوافر بيانات ملموسة وقابلة للقياس.
يكمل هذا الدليل أساسيات تقييم الملكية الفكرية لمتخصصي نقل التكنولوجيا من خلال التركيز بشكل صريح على ديناميكيات تقييم الملكية الفكرية الخاصة بالبيوتكنولوجيا. ويتم حثُّ الممارسين على تطبيق ممارسات تقييم تكرارية، تبدأ بالافتراضات التخمينية والقائمة على خبرة المتخصصين في المراحل المبكرة، ثم الانتقال تدريجياً إلى أساليب كمّية أكثر صرامة تتوافق مع معايير مجلس معايير التقييم الدولي في ظل تحسُّن وضوح البيانات وتوافرها. يوفّر هذا التدرج المنهجي تقييمات موثوقة وشفافة في كل مرحلة من مراحل الابتكار في مجال البيوتكنولوجيا.