ويُعدّ أسلوب صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر أداة قوية ويمكن الدفاع عنها أمام أصحاب المصلحة المعنيين، بما في ذلك صُنّاع القرار، والمرخَّص لهم المحتملين، والمستحوذين على أصول الملكية الفكرية. وبناءً على ذلك، يعد صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر أسلوباً شائعاً ومفضّلاً لتقييم أصول قطاع علوم الحياة. إلا أن هذا النهج يتميّز بدرجة من الجمود، إذ يفترض سيناريو واحداً فقط تُنفَّذ فيه التجارب السريرية للمشروع ويُطرح في السوق. وقد صُمّم صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر لتمكين مديري المشروعات من اتخاذ قرار الاستمرار أو التوقف في المراحل الأولى فقط، دون أن يأخذ في الاعتبار المعلومات الجديدة التي قد تُغيّر مسار المشروع لاحقاً. ومن ثمّ، يتعيّن على صُنّاع القرار تعديل خططهم بما يعكس الظروف السوقية الفعلية. فعلى سبيل المثال، قد تكشف نتائج التجارب السريرية عن استخدامات إضافية تستحق إجراء دراسات جديدة؛ وقد يؤدي دخول منافس جديد إلى السوق إلى اضطرار مطوّر الدواء لدينا إلى إعادة النظر في توقعات مبيعاته؛ كما قد تُسفر تنظيمات جديدة عن إطالة عملية الموافقة وزيادة تكلفتها مقارنة بالتقديرات الأولية. وهناك العديد من العوامل التي قد تُغيّر مسار المشروع، ولذلك يجب أن يتمتع صُنّاع القرار بالمرونة اللازمة للتكيّف مع ديناميكيات السوق المتغيرة عند تقييم المشروعات.
إن الحاجة إلى اعتماد نهج أكثر مرونة في تقييم أصول البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية تقودنا إلى أسلوب الخيارات الحقيقية. وقد طُوّر هذا المنهج في الأصل في مجال التمويل، إلا أنه بدأ يحظى باهتمام متزايد في تقييم الأدوية المرشحة ضمن قطاعي البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية في المراحل المبكرة. ويمتاز هذا النهج بكونه أكثر تفاعلية مقارنة بغيره من أساليب التقييم، إذ يُقرّ بالتعقيد الكامن في عملية تطوير هذه الأصول وبالفرص المتاحة لاتخاذ القرارات في مختلف مراحلها، ما يسمح باتباع نهج أكثر مرونة في تقدير قيمتها.
وقد استُخدم أسلوب الخيارات الحقيقية بطبيعة الحال في تقييم الخيارات المالية، مثلخيارات الشراءأوالبيعحيث تُشتق قيمة الأصل من الورقة المالية الأساسية. ومع مرور الوقت، أدرك الباحثون والممارسون إمكانية اعتماد المبادئ ذاتها وتطبيقها على تقييم الأصول الحقيقية، بما في ذلك الأدوية المرشحة ضمن قطاعي البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية في المراحل المبكرة. وفي سياق تطوير الأدوية في المراحل المبكرة، يأخذ أسلوب الخيارات الحقيقية في الاعتبار جوانب عدم اليقين والمخاطر المصاحبة، فضلاً عن القدرة على اعتماد الاستراتيجية التطويرية وتعديلها استناداً إلى المعلومات الجديدة وظروف السوق. فهو يُدرك أن القرارات المتخذة على امتداد عملية التطوير يمكن أن تؤثر تأثيراً جوهرياً في قيمة المشروع.
لقد جاء التطور الملازم لأسلوب الخيارات الحقيقية بغرض تطبيقه على تقييم الملكية الفكرية في البيوتكنولوجيا في المراحل المبكرة نتيجةً للسمات الفريدة التي تميّز قطاعي البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية. فعلى خلاف المشروعات الاستثمارية التقليدية، يتّسم تطوير الأدوية بطول المدة الزمنية، وارتفاع التكلفة، والتحديات التنظيمية، ومستوى عالٍ من عدم اليقين المرتبط بالتجارب السريرية، وقبول السوق، وحماية الملكية الفكرية. ومن خلال تطبيق أسلوب الخيارات الحقيقية، يستطيع الباحثون والمستثمرون إدراك قيمة المرونة الإدارية والفرص الإيجابية المحتملة الناجمة عن النواتج المواتية. كما يُمكّن هذا الأسلوب من تقدير قيمة الخيارات المضمَّنة ضمن عملية التطوير، مثل خيارات الاستمرار أو التوسّع أو التأجيل أو التخلّي عن المشروع في مراحل مختلفة.
يتعيّن على صُنّاع القرار تحديد الخيارات الواجب اتخاذها لتعديل مسار المشروع بما يتيح تفادي الخسائر وتعظيم الأرباح لصالح الشركة. وتُؤخذ هذه الخيارات في الاعتبار، على سبيل المثال، حين يتدهور أحد العوامل الحاسمة في المشروع أو يتجاوز التوقعات. وتشمل الخيارات المحتملة ما يلي:
التأجيل: الانتظار حتى تصبح الظروف السوقية أكثر ملاءمة قبل طرح الموارد. فعلى سبيل المثال، خلال ذروة جائحة كوفيد-19، اختار بعض ممولي مشروعات المجازفة الاحتفاظ بالاحتياطات النقدية إلى أن تتحسّن أوضاع السوق، بدلاً من البحث عن فرص استثمارية جديدة.
التوسّع أو التقليص: تعديل نطاق المشروع تبعاً لأوضاع السوق. فمثلاً قد تُنشئ شركةٌ ما مصنعاً بطريقة تتيح الإغلاق الجزئي في حال انخفاض الطلب على المنتجات، أو بالعكس، تعتمد تصميماً معيارياً يسمح بتوسيع الطاقة الإنتاجية بسرعة عند زيادة الطلب.
التخلي أو الترخيص أو البيع: إذا عجز المشروع عن تحقيق أحد أهداف التطوير أو المبيعات، يمكن للإدارة التخلي عنه لتفادي مزيد من الخسائر. وإذا كانت الملكية الفكرية الأساسية تنطوي على تطبيقات أعمال أخرى خارج نطاق المجال أو خارج النطاق الأساسي، يمكن لصاحب الملكية الفكرية أن يختار الترخيص بها للغير أو بيعها، وبذلك يتمكّن من استرداد جزء من التكاليف الغارقة.
الاستثمار المرحلي: يجب على المشروعات بلوغ أهداف مرحلية خاصة بالتطوير أو المبيعات، لتفعيل شرائح تمويل إضافية. ويستخدم المستثمرون هذا النهج عادةً لتقليل مخاطر خسارة الأموال في الشركات الناشئة التي تعجز عن بلوغ تلك المراحل. ومن الضروري تقييم الأسباب الكامنة وراء الإخفاق في بلوغ الأهداف المرحلية تقييماً دقيقاً، إذ قد تعود هذه الأسباب إلى عوامل خارجة عن سيطرة الشركة الناشئة، وقد تمثل في الوقت ذاته فرصاً لتوليد ملكية فكرية جديدة وذات قيمة مثلاً.
التحوّل: خلال مرحلة التطوير أو المبيعات، قد يكتشف مطوّر الملكية الفكرية تطبيقاً جديداً، خارج نطاق المجال الأصلي أو أكثر ربحية، للملكية الفكرية. وفي هذه الحالة، يقرر استكشاف هذا الخيار من خلال الاستثمار في تجارب إضافية. ويؤدي ممارسة خيار التحوّل غالباً إلى فقدان فرصة العودة إلى الخطة الأصلية بسبب محدودية الموارد المتاحة لمتابعة أكثر من فرص واحدة في الوقت نفسه.
مثال على خيار التحوّل:
أكملت شركة بيوتكنولوجيا مؤخراً المرحلة الثانية من التجارب السريرية لدواء مخصص لعلاج سرطان الكلى يعمل على تقليل تدفق الدم إلى الأورام. كانت النتائج إيجابية، ومن ثمّ تقرّر المضي قدماً إلى المرحلة الثالثة من التجارب. وعند مراجعة إضافية لنتائج التجارب، لاحظ الفريق أن الدواء قد يكون فعالاً أيضاً في تقليل تدفق الدم إلى أنواع أخرى من الأورام الصلبة، مثل سرطان الرئة وسرطان الثدي. وبناءً على ذلك، قررت الشركة إجراء تجربة ثانية ضمن المرحلة الثانية تركز على سرطان الرئة، بالتوازي مع المضي في تجارب المرحلة الثالثة لسرطان الكلى.
خيارات أخرى قد تشمل المضي في التنفيذ وفق الخطة الأصلية، وإبرام شراكات مع أطراف أخرى، وتسريع الأنشطة التطويرية، وغيرها من البدائل. وتقع على عاتق الإدارة مسؤولية تقييم المشروع والتعرّف على جميع الخيارات الممكنة، وتحديد الخيار الأنسب استناداً إلى جدواه. إن النزوع إلى النظر إلى مشروعات البيوتكنولوجيا بوصفها ثنائية النتيجة بطبيعتها؛ أي أن التجارب إما تنجح أو تفشل، قد تُخفي طائفة من الخيارات الأخرى القابلة للاستكشاف.
يُعدّ التفكير القائم على الخيارات أمراً أساسياً في تطوير العديد من التكنولوجيات والمنتجات، إذ توجد في الغالب خيارات مضمَّنة يمكن أن تؤثر تأثيراً كبيراً في نواتج المشروع. وقد تشمل هذه الخيارات إمكانية توسيع نطاق المشروع، أو إنهائه عند الضرورة، أو تسريع الإنفاق والتطوير. وعلى الرغم من أن جميع المؤسسات لا تُجري تقييماً باستخدام أسلوب الخيارات الحقيقية بصفة رسمية، فإن العديد منها يعتمد آليات لتحديد الخيارات المضمَّنة في مستهلّ المشروع ورسم خريطة لها.
تبرز دراسة الحالة 3 في هذا الدليل أنواع الخيارات التي قد تنشأ في مشروع دوائي، بما يوضح الطبيعة المعقدة لهذه الخيارات. ويمكن أن يُسهم رسم خريطة لهذه الخيارات في مخطط بياني وتحديد عناصرها الأساسية في تقديم رؤى قيّمة لتخطيط المشروعات والمحافظ الاستثمارية. إن اعتماد نهج التفكير القائم على الخيارات يساعد الشركات على إدارة مجموعات المشروعات التكنولوجية بفاعلية من خلال مراعاة الأثر المحتمل والقيمة المتأتية من الخيارات المختلفة.
وبالإضافة إلى الخطوة الأولى المتمثلة في تحديد الخيارات الرئيسية، يمكن أن يوفّر إجراء تقييم رسمي للخيارات الحقيقية قيماً مالية للمشروعات، ما يتيح مقارنة دقيقة بين الموارد المتنافسة داخل الشركة الواحدة. كما يمكن أن يقدّم تقديراً محتملاً للقيمة لأغراض التمويل أو التفاوض على الصفقات في شركة بيوتكنولوجيا. وكخطوة أولى في عملية التقييم، من المهم تحديد مجموعة الخيارات المضمَّنة في المشروع. وعادةً ما يتعيّن عرض هذه المعلومات على الفريق الداخلي وإدارة الشركة، أو على الأقل إيضاحها للأطراف المقابلة أثناء التفاوض على صفقة.
ومن خلال دمج التفكير القائم على الخيارات وإجراء تقييمات للخيارات الحقيقية، يمكن للمؤسسات أن تكتسب فهماً أعمق لقيمة مشروعاتها والنواتج المحتملة المرتبطة بها. ويساعد هذا النهج على اتخاذ قرارات أكثر استنارة، وتحسين التخطيط الاستراتيجي، وتحقيق تخصيص أكثر فعالية للموارد.
إن تقييم الأدوية المرشحة ضمن قطاعي البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية في المراحل المبكرة باستخدام أسلوب الخيارات الحقيقية يوفّر تصويراً أشمل لقيمتهم المحتملة مقارنةً بأساليب التقييم التقليدية الموضحة سابقاً. فهو يُمكّن صُنّاع القرار من اتخاذ خيارات مستنيرة، سواء فيما يتعلق بالاستثمار أو اتفاقات الترخيص أو الشراكات أو غيرها من الخيارات الاستراتيجية، عبر مراعاة قيمة المرونة الإدارية والقدرة على التكيّف مع المتغيرات أثناء عملية التطوير. وهذه هي الميزة الجوهرية لمنهج الخيارات الحقيقية مقارنةً بحساب صافي القيمة الحالية: إذ إن أسلوب الخيارات الحقيقية يأخذ صراحةً في الاعتبار عنصر المرونة والمسارات المستقبلية المتعددة التي يمكن أن يسلكها المشروع. تتعامل حسابات صافي القيمة الحالية التقليدية مع مسار خطي واحد؛ بينما يتعامل أسلوب صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر مع مجموعة من السيناريوهات المستقبلية باستخدام إطار شجرة القرار؛ في حين يُمكّن أسلوب الخيارات الحقيقية من نمذجة صريحة لخيارات النمو والمرونة الكامنة في المشروع. ومن مزايا أسلوب الخيارات الحقيقية باستخدام التسعير ثنائي الحد أنه يسمح بتعديل معدلات الخصم في مراحل مختلفة من تطوير المشروع، على سبيل المثال، عند انخفاض مستوى المخاطر نتيجة اكتساب المعرفة.
التداول في الخيارات المالية وأصل أسلوب الخيارات الحقيقية
قبل التعمق في تفاصيل تقييم الخيارات الحقيقية، يجدر تسليط الضوء على الأصول المالية لهذا النهج. فالخيارات الخاصة بشراء أو بيع الأسهم والأوراق المالية الأخرى تشترك في بعض الخصائص مع مشروعات تطوير التكنولوجيا، لكنها تختلف عنها أيضاً في جوانب مهمة تؤثر تأثيراً كبيراً في اختيار طريقة الحساب المناسبة.
الخيارات المالية
تشمل بعض الخيارات المالية القياسية خيارات الشراءوالبيع على أسهم في الشركات التي يتم تداول أسهمها علناً. في هذا السياق، يمنح خيار الشراء لحامله الحق، دون الالتزام، في شراء سهم في شركة معينة بسعر محدد مسبقاً يُعرف باسم سعر التنفيذ. ويُطلق على قرار استخدام الخيار وشراء السهم ممارسة الخيار. فعلى سبيل المثال، إذا كان سعر السهم عند شراء الخيار 50 دولاراً أمريكياً، وللخيار سعر تنفيذ يبلغ 60 دولاراً أمريكياً، فسيستخدم الخيار إذا ارتفع السعر فوق 60 دولاراً أمريكياً. وإذا بلغ السعر عند التنفيذ 70 دولاراً أمريكياً، وكان سعر الخيار الأصلي 5 دولارات أمريكية، فإن الربح المحقق سيكون 15 دولاراً.
وبالمثل، تمنح خيارات البيع حاملها الحق، دون الالتزام، في إلزام الطرف المقابل بشراء الأصل بسعر محدد؛ ويمكن استخدام هذه الخيارات للحماية من انخفاض أسعار الأصول. فعلى سبيل المثال، إذا انخفض سعر السهم من 50 دولاراً أمريكياً إلى 10 دولارات أمريكية للسهم الواحد، فإن خيار البيع الذي يتيح لحامله بيع السهم بسعر 40 دولاراً أمريكيا سيكون ذا قيمة.
تُتداول مجموعة واسعة من الخيارات (أوالمشتقاتعلى مجموعة من الأصول المالية المختلفة، ويُطلق على الأوراق المالية الأساسية التي تُستند إليها هذه الأدوات اسم الأصول الرئيسية (أوالأصول الأساسية) لأنها تُشكّل الأساس لإنشاء الخيارات وتداولها. ويمكن ممارسة الخيارات في أي وقت (الخيارات الأمريكية) أو في وقت محدد مسبقاً فقط مثل ثلاثة أشهر من تاريخ الشراء(الخيارات الأوروبية).
تُشبه العديد من الخيارات الحقيقية في طبيعتها خيارات الشراء المالية من حيث أن الخيار يُمارَس إذا ارتفعت قيمة المشروع: تشمل هذه الفئة خيارات النمو مثل توسيع المصنع أو التوسع في السوق. أما إغلاق المنشأة أو تقليصها فيُعدّ مشابهاً لخيارات البيع. كما أن العديد من الخيارات الحقيقية تُشبه الخيارات الأمريكية في طبيعتها، بمعنى أن توقيت ممارستها، إن تمّت، ليس محدداً مسبقاً، بل يمكن أن يحدث في أي وقت مناسب. بينما تُشبه خيارات أخرى، مثل نواتج التجارب السريرية، الخيارات الأوروبية أكثر، إذ يُعرف التغيّر في قيمة الأصل الأساسي،أي المشروع المعني، سيُعرف في وقت محدد في المستقبل.
بلاك سكولز والحلول التحليلية
تمثل معادلة بلاك–سكولز الشهيرة نهج تسعير معروف لخيارات الشراء الأوروبية المالية (بلاك وسكولز، 1973). وقد كان اشتقاق هذه الصيغة ذا أثر حاسم في ترسيخ استخدام المعادلات الرياضية (الحلول التحليلية) كنُهُج لتسعير المنتجات القائمة على الخيارات، وتم استخدام مجموعة عريضة من هذه النهج الآن لأنواع خيارات معينة. وترد الصيغة الرياضية في المعادلة رقم 3.
من خلال نهجٍ مالي يُعرف باسم تكافؤ خيار البيع والشراءيمكن استنساخ خيار الشراء باستخدام أدوات مالية أخرى. ويفترض اشتقاق نهج بلاك سكولز أن هذا الاستنساخ ممكن وأن فرص المراجحة ستحدث في الأسواق المالية: فإذا كان خيار الشراء مُسعّراً بشكل غير صحيح، سيقوم المتداولون في السوق بشراء أو بيع المحفظة المستنسخة وخيار تحقيق الربح. وتُعدّ هذه الافتراضات الخاصة بالمحفظة المستنسخة والمراجحة صحيحة في العديد من الأسواق المالية، وهي التي تُبرر استخدام الخلو من المخاطر في معادلات بلاك سكولز (وغيرها من النماذج المشابهة): ومع ذلك، تنشأ تحديات عديدة عند محاولة تطبيق نموذج بلاك سكولز أو أي نهج تحليلي مشابه على تسعير الخيارات الحقيقية في سياق صناعي.
التحديات في تطبيق النهج المالي للتسعير على تقييم الخيارات الحقيقية
في حالة الخيارات الحقيقية، يكون من الصعب غالباً إنشاء محفظة يمكنها استنساخ الخيار نفسه، حتى على نحو تقريبي. قد توجد بعض الحالات التي تسمح باستنساخ تقريبي؛ فعلى سبيل المثال، يمكن النظر إلى خيار دخول السوق الذي "تحتفظ به" شركة دوائية على أنه قابل للتقريب من خلال شراء أسهم في شركات منافسة مشابهة. وبالمثل، أشار بعض الباحثين إلى أن خيارات الاستكشاف والتجارة التي تمتلكها شركات النفط الكبرى يمكن استنساخها جزئياً على نحو مماثل من خلال الاستثمار في أسهم الشركات المنافسة. ومع ذلك، فإن تحديد محفظة مماثلة قابلة للتداول يظل أمراً بالغ الصعوبة في العديد من حالات الخيارات الحقيقية. فعلى سبيل المثال، في حالة مشروع لتطوير دواء أو برنامج لتطوير تكنولوجيا، من الصعب غالباً تصوّر كيفية استنساخ المشروع أو البرنامج نفسه بما يسمح بحدوث مراجحة قائمة على خطأ في التسعير. وبالنظر إلى المسلّمات التي يقوم عليها اشتقاق بلاك سكولز، فإن ذلك يشير إلى أن المعادلة ليست في كثير من الحالات أداة صالحة أو مناسبة للاستخدام في تقييم الخيارات الحقيقية. وتُثار إشكاليات مماثلة إلى العديد من الصيغ التحليلية الأخرى.
وربما بدرجة أقل أهمية، ولكن يجدر التنويه إليها، أن النهج التحليلية القياسية لتسعير الخيارات تستند إلى مفهوم مفاده أن المخاطر المرتبطة بالأصل الأساسي منفصلة عن المخاطر المرتبطة بالخيار نفسه، وأن هناك استقلالية في المخاطر،أي أن إنشاء الخيار لا يؤثر في مستوى المخاطر الخاصة بالأصل الأساسي. وبعبارة أخرى، يمكن النظر إلى تداول السهم وأدائه على أنهما منفصلان تماماً عن عمليات شراء أو بيع الخيارات المبنية على سعر سهم الشركة، حتى وإن كانت قيمة هذه الخيارات تعتمد على سعر السهم بالشركة. غير أن هذا الافتراض لا يكون صحيحاً دائماً، إذ إن العديد من الخيارات الحقيقية تتأثر بدرجة ما بأفعال الشركة التي "تحتفظ" بالخيار (مثل خيارات دخول السوق وغيرها من خيارات النمو). ولحسن الحظ، فقد تم وضع نُهج أخرى لتسعير الخيارات، ويمكن تطبيق بعضٍ منها في تقييم أنواع الخيارات الحقيقية التي تنشأ لدى تطوير المنتجات والتكنولوجيا.
التقلّب
يُعد التقلّب أحد المفاهيم الجوهرية في جميع نماذج تسعير الخيارات. وفي السياق المالي، يُعرَّف التقلب بأنه مدى تذبذب سعر السهم، أي الانحراف المعياري للسعر خلال فترة زمنية محددة؛ مثل 30 أو 90 يوماً. وفي حالة خيار الشراء، يُعد ارتفاع التقلب عادةً أمراً إيجابياً؛ فكلما زادت حركة السعر صعوداً وهبوطاً، زادت احتمالية تجاوز السعر لسعر التنفيذ. صحيح أن السعر قد ينخفض أيضاً، إلا أن الخسارة المحتملة في هذه الحالة تقتصر على سعر شراء الخيار، في حين إذا تجاوز السعر سعرَ التنفيذ، فقد تكون الأرباح كبيرة. ونظراً لأن العديد من الخيارات الحقيقية تشبه في طبيعتها خيارات الشراء، فقد يبدو أن ارتفاع التقلب أمر مرغوب، ومع ذلك، ينبغي توخي الحذر. إذ يجب تقدير قيمة التقلب بدقة نظراً لأهميته البالغة في نهج التسعير. فعمليات الدخول إلى أسواق جديدة وغيرها من المشروعات عالية المخاطر بطبيعتها قد يرتبط بمستويات تقلب مرتفعة، لكن تحديد قيم التقلب بصورة غير دقيقة قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات غير صائبة في اختيار المشروعات. فعلى سبيل المثال، إذا رغبت شركة في دخول سوق غير مألوف لها، فينبغي أن تبحث في مستوى تقلب المشروعات بالبحث عن محاولات مماثلة لدى شركات أخرى، بدلاً من تطبيق رقم مرتفع للتقلب لمجرد أن هذا النوع من المشروعات غير معروف جيداً داخل هذه الشركة نفسها.
أساليب تقييم الخيارات الحقيقية
هناك أربعة نُهج رئيسية لاستخدام أسلوب الخيارات الحقيقية، وهي: المعادلات (مثل معادلة بلاك سكولز وغيرها من الحلول الرياضية المشابهة)؛ ونموذج تسعير الخيارات ثنائي الحد (BOPM) الذي يُستخدم لتطوير أشجار القرار؛ وعمليات المحاكاة؛ الفروق المحدودة (بوغدان وفيليغر، 2010). وفي هذا الدليل، سنركّز جهودنا على حلول الخيارات الحقيقية باستخدام أشجار القرار، نظراً لأنها سهلة النمذجة والتحليل والتصوّر البصري. تتيح أشجار القرار للمستخدم نمذجة مجموعة واسعة من الخيارات، بما في ذلك الخيارات التي تنطوي على مستويات إضافية من التعقيد.
يفضّل صانعو القرار في قطاع البيوتكنولوجيا استخدام نماذج تقييم يُنظر إليها على أنها أكثر شفافية وأسهل في الاستيعاب والتبرير. ومن هذا المنطلق، فإن نموذج تسعير الخيارات الثنائي، الذي يعتمد على نهج تدريجي قائم على الأشجار، يمكن أن يوفّر لصناع القرار فهماً أوضح لعملية التقييم وللافتراضات الأساسية مقارنةً بنموذج بلاك سكولز. كما أن نموذج تسعير الخيارات الثنائي يتميّز بمرونة أكبر في تمثيل تعقيدات أصول البيوتكنولوجيا في مراحلها المبكرة، مثل تغيّر مستويات التقلب وتعدد نقاط اتخاذ القرار. ويتيح النموذج تمثيلاً بصرياً للنواتج المستقبلية المحتملة، ويمكن أن يُنظر إليه على أنه نهجاً أكثر وضوحاً وبديهيةً لصنّاع القرار. ورغم أن نموذج تسعير الخيارات الثنائي قد يتطلّب مزيداً من الموارد الحاسوبية والوقت مقارنةً بنموذج بلاك سكولز، فإن صنّاع القرار قد يكونون على استعداد للاستثمار في نموذج أكثر شمولاً إذا كان ذلك يعزّز من فهمهم وثقتهم في نتائج التقييم. وبناءً على هذا المنطلق، سنركّز في القسم التالي على تطبيق نهج نموذج تسعير الخيارات الثنائي في مثال دراسة الاستخدام.
نمذجة وتحليل أشجار القرار
يُعَد نموذج الشجرة ثنائي الحد القابل لإعادة التركيب أحد أبسط أمثلة أشجار القرار، ويبدأ بتحديد محفزات القيمة للمشروع. تشمل هذه المحفزات عادةً التقديرات الخاصة بالمبيعات القصوى ومعدل نموها المتوقع، والفترة الزمنية للتقييم (مثل التقدير السنوي)، واحتمالية النجاح أثناء مراحل التطوير والطرح في السوق، والهامش المتوقع، والتكاليف المتكبدة في أثناء التطوير، ومصروفات الطرح والتشغيل، ودرجة التقلّب في تقديرات المبيعات القصوى. انطلاقاً من هذه النقطة، يتم نمذجة قيمة المشروع (vt) من الوقت الحاضر وحتى فترة زمنية لاحقة(Δt) في المستقبل، حيث يمكن أن يتحسن الوضع السوقي ليأخذ القيمة:
أو يسوء فيأخذ القيمة:
تتفرّع الشجرة إلى عُقد جديدة مع المضي قدماً نحو الحالة النهائية. ويمكن تمثيل الشجرة بصرياً كما هو موضّح في الشكل 6.
في سياق تقييم الخيارات المالية، يُطبَّق الأسلوب ثنائي الحد من خلال البدء عند الزمن صفر ثم التقدّم إلى مجموعة العُقد التالية لتحديد قيمة السهم في حالتيالارتفاع والانخفاض. ويُكرَّر هذا الإجراء عند كل نقطة زمنية تالية، وهكذا إلى أن يكتمل هيكل الشبكة (يبدأ من اليسار إلى اليمين في الرسم البياني). وبعد استكمال شبكة تقييمات الأسهم (الحصص)، تُؤخذ مجموعة العُقَد الواقعة في أقصى اليمين عند آخر نقطة زمنية قيد النظر: ومن هذه القيم، يمكن الرجوع عكسياً عبر الشبكة (من اليمين إلى اليسار) لتحديد قيمة الخيار. وعند الوصول إلى العقدة الواقعة عند الزمن صفر، يتم التوصّل إلى القيمة المطلوبة، أي قيمة الخيار في الوقت الحالي، (وليس قيمة السهم، إذ إنها معروفة مسبقاً). غير أن تطبيق هذا النهج على مشروع تطوير دوائي يُعد أكثر تعقيداً نسبياً، نظراً لتعدد العوامل التي يجب أخذها في الاعتبار في هذا النوع من المشروعات.
القيمة الابتدائية للمشروع (vt) تكون عادةً هي تقدير المبيعات القصوى المتوقعة للمنتج قيد التطوير، وذلك بناءً على التقديرات الحالية، وتُعدّ نقطة الانطلاق (t) مرحلةً من مراحل تطوير المشروع، مثل بداية تجربة سريرية. وبالتالي، فإن كل نقطة قرار تمثل نهاية مرحلة محددة (مثل انتهاء المرحلة الأولى من التجارب) وبداية مرحلة أخرى (مثل تجارب المرحلة الثانية). ويمكن إضافة نقاط زمنية إضافية لتمكين قراءات مرحلية أو احتمال الإنهاء المبكر للمشروع. ستكون نتائج التجارب إما ناجحة، ما يؤدي إلى تحسّن في قيمة المشروع:
أو غير ناجحة، ما يؤدي إلى تراجع في القيمة:
ولتقدير قيمة المشروع في حالتي الارتفاع أو الانخفاض، نستعين بالمبادئ المأخوذة من عالم التمويل، باستخدام المعادلات الموضحة في الشكل 6. وينشأ الحد الأسي لأن الحلين التحليلي والثنائي الحد يجب أن يتقاربا عندما تكون الخطوات الزمنية صغيرة جداً.
بعد ذلك، نحسب قيمة المشروع عند كل عقدة حتى نقطة القرار الأخيرة (نقطة القرار 3). وعند هذه النقطة، نحدد التدفقات النقدية المخصومة من المبيعات التراكمية حتى الوصول إلى المبيعات القصوى، وهي ما يعادل السهم الأساسي في سياق الخيارات المالية، ثم نحسب صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر عند كل عقدة. من المحتمل أن تكون بعض العُقد ذات صافي قيمة حالية معدّلة حسب المخاطر سالب، على سبيل المثال في حالة فشل التجارب السريرية، ما يشير إلى أن المشروع تحيق به الخسائر المالية. وفي حالة صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر السالب، يتم التخلي عن المشروع واعتبار قيمته مساوية للصفر.
بمجرد أن نحصل على قيم صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر للمبيعات التراكمية عند كل عقدة نهائية في نقطة القرار الأخيرة (نقطة القرار 3)، يجب علينا بعد ذلك تتبّع الفروع عودةً إلى الوراء حتى الخطوة الزمنية السابقة (نقطة القرار 2)، وحساب صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر للمشروع أو للخيار، بالمماثلة مع الخيارات المالية، عند كل عقدة. وفي حساباتنا، يجب تطبيق معدل الخصم وأخذ احتمال النجاح في مرحلة التطوير في الاعتبار. يُكرَّر هذا الإجراء لجميع العُقد النهائية حتى العودة إلى الحالة الابتدائية.(vt).
إن استخدام أسلوب الخيارات الحقيقية قد يكون مربكاً، لذا من الضروري تحديد الخيارات المضمَّنة في المشروع بدقة، والعمل على إجراء عملية التقييم بطريقة منهجية ومنظّمة. وقد نشر معهد المحللين الماليين المعتمدين، وهو الهيئة التي تُعنى بتعزيز التحليل المالي على اعتباره تخصصاً مهنياً، دليلاً أعدّه تشانس وبيترسون (2002)، وهو أحد أكثر الأدلة وضوحاً وتوجّهاً نحو التطبيق العملي في استخدام الخيارات الحقيقية، ويُعد هذا النص مرجعاً قيّماً في إرساء فهم عملي لنُهُج تقييم الخيارات الحقيقية.
وقبل المضي قدماً في دراسة الحالة الخاصة بتطوير مركّب دوائي، دعونا نتناول مثالاً مختلفاً، لتسليط الضوء على العناصر الأساسية لأسلوب التسعير ثنائي الحد. وقد تم تكييف دراسة الحالة هذه، مع استخدام قيم مختلفة
تخطط إحدى الشركات لبناء مصنع جديد لتوريد أحد المنتجات إلى السوق. وقد بلغ صافي القيمة الحالية للمشروع، كما تم تقييمها باستخدام النُهُج التقليدية، 50 مليون دولار أمريكي. يعتقد المديرون في الشركة أن هناك خياراً لتوسيع المصنع بعد عامين بتكلفة قدرها 15 مليون دولار أمريكي، إذا أصبحت المبيعات أعلى بنسبة 40% مما كان متوقعاً في البداية وفقاً للنموذج المستخدم في حساب صافي القيمة الحالية. ويمثل هذا خيار توسّع أو نمو، وهو ما يُماثل في طبيعته خيار الشراء المالي. تمتلك الشركة الحق، دون إلزام، في المضي قدماً في توسيع المصنع، ولن تقدم على ذلك إلا إذا كانت قيمة بالأصل الأساسي أي صافي القيمة الحالية للمشروع الناتجة عن تدفقاته النقدية، مجدية اقتصادياً، أي تتجاوز تكلفة التنفيذ، أي تكلفة توسيع المصنع. ولا يستطيع مديرو الشركة تقدير احتمالات الارتفاع والانخفاض في الشجرة ثنائية الحد بدرجة يقين كافية، لكنهم يعتقدون، استناداً إلى تحليل السوق، أن تقلب التدفقات النقدية للمشروع يبلغ 20%. في حين يبلغ معدل الفائدة 5%. ولأغراض التبسيط، يُفترض أن المصنع قد أُنشئ بسرعة في بداية الفترة الزمنية الأولى.
تُتيح هذه البيانات تحديد خيار النمو على النحو التالي:
S= 50 مليون دولار أمريكي. تمثل هذه القيمة الأصل الأساسي عند الزمن صفر، أي صافي القيمة الحالية الصافية للمشروع.
r= 0.05. تمثل معدل الفائدة.
Δt= 1. توجد فترتان زمنيتان في هذا المثال (كلتاهما تمتد لسنة واحدة).
X= 15 مليون دولار أمريكي. تمثل سعر التنفيذ (أي تكلفة التوسّع) وتبلغ 15 مليون دولار أمريكي.
σ= %20. يُفترض أن التقلّب ثابت.
يمكن بناء شجرة ثنائية الحد استناداً إلى القيمة الابتدائية للأصل الأساسي (S)وعوامل التحرك صعوداً وهبوطاً (u وd). ويُعرض الشكل العام لهذه الشجرة في الشكل 7. ونتحصل على القيم الموجودة عند العُقد من خلال ضرب القيمة الابتدائية (S)في معاملات الارتفاع أو الانخفاض ذات الصلة بكل عقدة محددة.
نظراً لأن مديري الشركة لا يشعرون بالقدرة على تقدير احتمالات التحرك صعوداً أو هبوطاً في شجرة القرار، فسيتم اتباع نهج التقييم المحايد للمخاطر، مع تطبيق المعادلات الخاصة بحساب احتمالات التحرك صعوداً وهبوطاً، وذلك باستخدام معدل الخلو من المخاطر.
في هذا المثال، تكون قيم معاملات الارتفاع والانخفاض والاحتمال على النحو التالي:
u= 1.22
d= 0.82
p= 0.68
يؤدي إدراج القيم إلى الحصول على الشجرة ثنائية الحد التالية (الشكل 8). تُظهر هذه الشجرة قيم الأصل الأساسي،أي المشروع، في نقاط زمنية مختلفة، وذلك في سيناريوهات الصعود (الإيجابية) والهبوط (السلبية).
بعد أن تم الانتقال من اليسار إلى اليمين عبر الرسم البياني لتحديد قيم الأصل الأساسي في أوقات وسيناريوهات مختلفة، يصبح من الضروري الآن الانتقال من اليمين إلى اليسار لتحديد قيمة الخيار. ولتحديد قيمة الخيار نفسه، يجب حساب قيمة المشروع والخيار أولاً. ولبدء هذه العملية، فإنه يمكن تحديد قيمة المشروع والخيار معاً عند العُقَد النهائية للشجرة الأساسية (الشكل 8). فعلى سبيل المثال، في العُقدة اليمنى العليا، تمثل قيمة المشروع والخيار الحد الأقصى لقيمة المشروع، وقيمة المشروع مضافاً إليها زيادة المبيعات بنسبة 40 في المائة مطروحاً منها تكلفة تنفيذ بناء المنشأة. قد يُعد افتراض ثبات النسبة المئوية للزيادة في كل عُقدة أمراً معقولاً من الناحية العملية، وذلك نظراً للصعوبات المرتبطة بتقدير المبيعات المستقبلية المحتملة وتأثيرها على صافي القيمة الحالية للمشروع. وفي حال كان الافتراض مطلوباً، يمكن تكييف الأسلوب العام لتطبيق تقديرات مختلفة في العُقَد النهائية.
قيمة المشروع مضافاً إليها الخيار، في العُقدة الموجودة بالجانب الأيمن العلوي = الحد الأقصى (74.59، 74.59(1.4) – 15)
يمكن تطبيق النهج نفسه على العُقَد اليمني الأخرى. عند العُقدة الأدنى، لا يؤدي نمو المبيعات إلى زيادة صافي القيمة الحالية للمشروع بما يكفي لتبرير تكلفة بناء المنشأة، ومن ثمَّ، لن يُنفَّذ الخيار، أي أن الشركة لن تمضي في توسيع المنشأة.
ستُطبق الصيغة التالية لتحديد القيم في كل العُقَد المتوسطة، وذلك باستخدام القيم في العُقَد العلوية والسفلية المتجاورة مباشرةً على الجانب الأيمن، والتي ترتبط بالفترة الزمنية اللاحقة.
حيث
fi,j = القيمة عند العقدة في الزمن iوعند الموضع (الارتفاع)jفي الشبكة ثنائية الحد
وq هو المصطلح الذي يعبّر عن العلاقة بين احتمالات الصعود والهبوط، مثلما هو مذكور مسبقاً.
على سبيل المثال، تُحسب القيمة على النحو التالي عند أعلى عُقدة لفترة زمنية متوسطة مدتها عام واحد.
وتكون القيمة عند العُقدة كالتالي: يجري بعد ذلك حساب القيمة عند العُقدة اليسرى، عند الزمن صفر، بالطريقة نفسها، باستخدام القيم المحددة مسبقاً للعُقَد المتوسطة. وينتج عن ذلك مجموعة القيم مثلما هو مبين في الشكل 9.
نظراً إلى أن الشجرة ثنائية الحد الناتجة تمثل مجموعة القيم الخاصة بالمشروعمضافاً إليهاالخيار، فإنه يمكن تحديد قيمة الخيار عن طريق طرح قيمة المشروع من القيمة المجمعة عند كل عُقدة. وبهذا نحصل على شجرة تُبيّن قيمة الخيار في أوقات مختلفة وفي ظل سيناريوهات مختلفة، مثلما هو موضح في الشكل 10.
مثلما هو متوقع، فإن قيمة خيار النمو، أو خيار الشراء، تكون أعلى عندما تكون قيمة الأصل الأساسيأكبر؛ أي إن خيار التوسع يكتسب قيمة عندما تكون المبيعات قوية، في حين لا تكون له أي قيمة؛ أي لا يحقق الربح، عندما تكون المبيعات ضعيفة نسبياً، كما هو الحال في العقدة السفلية اليمنى.
والأهم من ذلك أن قيمة المشروع مضافاً إليها خيار التوسع تتجاوز قيمة المشروع المحسوبة وفقاً لصافي القيمة الحالية. ولا يأخذ نهج التدفق النقدي المخصوم في الاعتبار خيار النمو المتاح للإدارة والمُدمج في المشروع. وقد يشكل ذلك قيداً على نهج التدفق النقدي المخصوم، ومن ثم قد تُقدِّر تقييمات صافي القيمة الحالية قيمة العديد من المشاريع بأقل من قيمتها الحقيقية. وتتمثل إحدى المزايا الأساسية لمنهج الخيارات الحقيقية في أنه يتيح تضمين فرص للمرونة الإدارية، مثل خيار توسيع المنشأة، في تقييم المشروع، وتقدير قيمتها المالية على نحوٍ صريح.
تقييم محايد للمخاطر
بشكلٍ عام، تُخصم التدفقات النقدية المكافئة لليقين (الخالية من المخاطر) باستخدام معدل خالٍ من المخاطر، ويتم تقييم الخيارات المالية باستخدام المعدل نفسه، نظراً لإمكانية تكوين محفظة مكرَّرة تتيح مراجحة خالية من المخاطر. ومن أجل تطبيق هذا النهج مع خيارات حقيقية، يلزم وجود محفظة قابلة للتكرار والتداول، وهو أمر نادر الحدوث. يقترح كوبلاند وأنتيكاروف (2001) نهجاً يعتمد على ورقة مالية بديلة (مثل الأسهم المتداولة علناً)، لكنهما يقران بالصعوبات المرتبطة بهذا الأسلوب.
يجب بوجهٍ عام تقدير قيمة المشاريع الحقيقية ذات المخاطر باستخدام معدل ينطوي على مخاطر. ومن الضروري أن تكون الاحتمالات معروفة عند تطبيق هذا النهج ضمن هيكل شجرة قرارات ثنائية الحد. في البيئة المؤسسية، من الممكن دوماً، ومن المستحسن، إعداد شجرة قرارات وتقدير احتمالات حركات الصعود والهبوط، وكذلك الحالة النهائية في حال تنفيذ الخيار، مثل صافي القيمة الحالية للمبيعات والمشروع في حالة توسيع المنشأة. وفي هذه الحالة، غالباً ما يُطبق معدل خصم مؤسسي قياسي، ويجب استخدام معدل ينطوي على مخاطر. يُعدّل بعض المستخدمين معدل الخصم لإتاحة المخاطر، إذ أنه من المستحسن الفصل بين تأثيرات التباين في التدفقات النقدية المستقبلية وبين تكلفة رأس المال، كما أن العديد من الشركات تفرض استخدام معدل قياسي (ينطوي على مخاطر) في أنشطة التقييم، والذي يعكس تكلفة رأس المال للشركة.
استخدمت دراسة الحالة 3 المعدل الخالي من المخاطر. لماذا حدث ذلك؟ يُعزى السبب إلى وجود علاقة بين الاحتمالات ومعدل الخصم. فعندما تكون الاحتمالات غير معروفة، يستخدم النهج القياسي المعدل الخالي من المخاطر والاحتمالات المحايدة للمخاطر. ترتبط قيمتا pو(1–p)، وهما الاحتمالان المحايدان للمخاطر، بعاملي الصعود والهبوط (u وd) والمعدل الخالي من المخاطر. بالنسبة إلى مجموعة معينة من القيمتين u وd، لا توجد سوى قيمة واحدة لـp تتوافق مع أحد المعدلات الخالية من المخاطر المحددة. ورغم أنه يمكن تطبيق عدة مجموعات من الاحتمالات والمعدلات التي تنطوي على المخاطر (أو المعدلات المعدّلة حسب المخاطر) في النموذج، فإن قيمةpواحدة فقط تتوافق مع القيمتين u وd عند استخدام معدل خالٍ من المخاطر. وفي الحالات التي تكون فيها الاحتمالات غير معروفة أو يتعذّر تقديرها، يوفّر استخدام القيم المحايدة للمخاطر نهجاً عملياً لتقدير قيمة الخيار.
ومع ذلك، وعلى الرغم من شيوع اعتماد نهج استخدام الاحتمالات المحايدة للمخاطر في منهج التسعير ثنائي الحد، فمن الأهمية بمكان أن ندرك أن إمكانية تطبيق هذا النهج تخضع لتحديات نظرية مشروعة. ولكي يكون هذا النهج صالحاً تماماً، يتوجب وجود محفظة قابلة للتداول ومتوفرة في سوق سائلة تتيح إمكانية المراجحة الخالية من المخاطر. ومثلما نوقش في التقرير، نادراً ما ينطبق ذلك على الخيارات الحقيقية في البيئات المؤسسية.
ورغم هذه الحقيقة، فقد أجمع العديد من المستخدمين خلال الثلاثين عاماً الماضية على أنه في حال استخدام المنهج ثنائي الحد بدلاً من الحل التحليلي القائم على المعادلات، فإن الناتج من نموذج تقييم الخيارات الحقيقية يكون مفيداً، وغالباً ما يكون غير حسّاس للقيمة الدقيقة للمعدل الخالي من المخاطر. نوقش هذا الموضوع بالتفصيل في دليل معهد المحللين الماليين المعتمدين من إعداد تشانس وبيترسون (2002). وينبغي لأي مستخدم لنُهج التقييم المحايدة للمخاطر أن يكون على دراية بالتحديات النظرية التي قد تواجه هذه الممارسة والقيود التي تفرضها الافتراضات الأساسية لتسعير الخيارات.
ومن الناحية العملية، يُعد استخدام معدل الخصم القياسي للشركة (تكلفة رأس المال) إلى جانب الاحتمالات المُقدَّرة ضمن إطار شجرة القرارات نهجاً عملياً للتقييم. يوفر منهج الخيارات الحقيقية نهجاً بديلاً عندما تكون هذه الاحتمالات غير معروفة ويتعذّر تقديرها بأي قدر من الموثوقية، ولكنه يظل خاضعاً للتحديات النظرية، حتى عند استخدام المنهج ثنائي الحد.
ستوفّر دراسة الحالة الصيدلانية مثالاً واقعياً لإثبات هذا النهج في الممارسة العملية. وسنقيَّم مشروع التليف الكيسي بالاستعانة بأسلوب تقييم الخيارات الحقيقية باستخدام الخطوات التالية:
الخطوة 1: تحديد عوامل القيمة للمشروع
تُعد الخطوة الأولى قبل إعداد شجرة القرارات هي تحديد العوامل الأكثر تأثيراً ومعايير الإدخال. وبافتراض أن عملية الإعداد تسير وفق الخطة الموضوعة، فإننا نُقدِّر أن تصل ذروة المبيعات إلى 420 مليون دولار أمريكي، بنسبة تقلب سنوي(σ) تبلغ 20 في المائة، ونسبة معدل نمو في المبيعات(μ) تبلغ 0 في المائة. ونعلم من الحسابات المبكرة للتدفق النقدي المخصوم مدة كل مرحلة من مراحل إعداد المشروع وتكلفتها ونسب نجاحها. وسنحتفظ بمعدل الخصم البالغ 10 في المائة ونفترض أن هامش التشغيل هو 75 في المائة. ويُلخّص الجدول 7 خصائص المشروع.
دعونا نستكشف بإيجاز كيف يمكن تحديد كل معيار:
ذروة المبيعات: ينطوي تقدير ذروة المبيعات على إجراء أبحاث السوق، وتحليل الأدوية المماثلة في السوق، ودراسة عوامل مثل انتشار المرض، وحجم السوق المحتمل، والمنافسة واستراتيجيات التسعير. وستُقدم تقارير السوق وخبراء الصناعة وبيانات المبيعات السابقة رؤى قيمة لتقدير الإيرادات المحتملة للدواء.
معدل الخصم (r): يمثل معدل الخصم تكلفة رأس المال أو معدل العائد المطلوب. ويكون عادةً تكلفة رأس مال الشركة، مثلما نوقش في قسم صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر؛ وإذا لم تكن هذه القيمة متاحة، يمكن تحديد معدل مناسب استناداً إلى معايير الصناعة أو توقعات المستثمرين. وغالباً ما تُستخدم النماذج المالية المنشورة وتقارير محللي البنوك الاستثمارية والمقاييس المرجعية للصناعة من أجل تحديد معدل خصم مناسب. يجب استخدام المعدل الخالي من المخاطر عند استخدام نهج تقييم محايد للمخاطر.
الخطوات الزمنية (Δt): تشير الخطوات الزمنية إلى طول كل فترة في نموذج شجرة القرارات. واختيار الخطوات الزمنية مرهون بالخصائص المحددة لتطور الدواء وديناميكيات السوق. تُستخدم عادةً خطوات زمنية أقصر للأسواق المعقدة وسريعة التغير، بينما قد تُناسب الخطوات الزمنية الأطول الأسواق الأكثر استقراراً.
التقلّب السنوي (σ): يعكس التقلّب السنوي عدم اليقين أو التباين في تقديرات ذروة المبيعات. ويُحدَّد هذا المعيار من خلال تحليل بيانات المبيعات السابقة للأدوية المماثلة، مع الأخذ في الاعتبار ديناميكيات السوق، وتقييم تأثير العوامل المحتملة مثل التغييرات التنظيمية أو المنافسة، واستشارة خبراء الصناعة. وستساعد الطرق الإحصائية، مثل حساب الانحراف المعياري للمبيعات السابقة، في تقدير التقلّب السنوي.
الهامش المُقدَّر: يعبر الهامش المُقدَّر عن هامش الربح أو النسبة المئوية للإيرادات المُحتفظ بها بعد خصم تكاليف الإنتاج والتسويق وغيرها من المصروفات. ويتم تحديد هذا الهامش عادةً بناءً على المقاييس المرجعية للصناعة وهياكل التكلفة وتوقعات الأرباح. ويُستعان بالتحليل المالي ورؤى الخبراء لتقدير هامش الربح للدواء قيد التقييم.
مدة الوصول إلى ذروة المبيعات في السوق: المقصود بمدة الوصول إلى ذروة المبيعات في السوق هو عدد السنوات منذ وقت إطلاق الدواء وحتى الوقت الذي يُتوقع أن يحقق فيه أعلى مبيعات ممكنة. يعتمد هذا المعيار على أبحاث السوق والبيانات السابقة للأدوية المماثلة ومعدل الاعتماد المتوقع والعوامل المؤثرة على الانتشار في السوق وقبوله.
تكاليف الإطلاق: تشمل تكاليف الإطلاق النفقات المتكبدة في أثناء الإطلاق الأولي للدواء، بما في ذلك التسويق والمبيعات والتوزيع والامتثال التنظيمي. وتُقدر هذه التكاليف من خلال دراسة المقاييس المرجعية للصناعة ونطاق استراتيجية الإطلاق ومتطلبات دخول السوق واحتياجات الموارد المتوقعة.
معدل النمو (µ): معدل النمو هو تمثيل للمعدل المتوقع لنمو المبيعات بعد إطلاق المنتج نحو ذروة المبيعات. وقد يتأثر بعوامل مثل تشبع السوق والمنافسة والمؤشرات أو الأسواق الجديدة واستراتيجيات إدارة دورة الحياة. يساعد تحليل السوق وتوقعات الصناعة ورؤى الخبراء على تقدير معدل النمو.
ومن المهم ملاحظة أن هذه المعايير تخضع لعدم اليقين، وقد تُجرى سيناريوهات وتحليلات حساسية مختلفة من أجل فهم تأثير التباينات في قيم المعايير على نتائج التقييم. وعلى وجه الخصوص، ونظراً إلى أهمية التقلّب في حسابات الخيارات، ينبغي الحرص عند تقدير هذه القيمة بدقة، وكذلك تحليل مدى حساسية المدخلات تجاه قيم المخرجات.
الخطوة 2: توسيع شجرة القرارات
باستخدام هذه البيانات والصيغ الموضحة في الجدول 7، يمكننا تحديد أن قيم مشروع التليف الكيسي هي: u= 1.22،d= 0.82،p45 في المائة (1–p) = 55 في المائة. ويمكننا الآن بناء الشجرة وفقاً للنهج المستخدم من قِبل بوغدان وفيليغر، 2010، مثلما هو موضح في الجدول 8.
يمتد نهج بوغدان وفيليغر عبر شجرة ثنائية الحد لتقدير ذروة المبيعات، ويُحدد ذلك من خلال حساب صافي القيمة الحالية المعدّل حسب المخاطر للدواء المرشح أولاً، وتحديد التوقيت المحتمل لبلوغ ذروة المبيعات. ومن خلال اعتماد تقدير ذروة المبيعات لتكون نقطة الانطلاق، تُتيح شجرة القرارات رصد الإمكانات الإيجابية للمشروع والقرارات الاستراتيجية اللاحقة التي قد تؤثر على نجاح الدواء ونتائجه المالية. ما يزال دواؤنا المرشح في مرحلة التجارب السريرية المبكرة، وذروة المبيعات الفعلية غير مؤكدة. وتتيح شجرة القرارات استكشاف سيناريوهات ونقاط قرار مختلفة على امتداد دورة حياة تطوير الدواء. فهي تأخذ في الاعتبار المخاطر المحتملة وعدم اليقين والاختيارات الاستراتيجية التي قد تؤثر على النجاح النهائي للدواء وقيمته.
تتفرع شجرة القرارات عند كل نقطة قرار، مع الأخذ في الاعتبار عوامل مثل نتائج التجارب والموافقات التنظيمية وظروف السوق والمشهد التنافسي. ومن خلال قياس هذه العوامل قياساً احتمالياً وتضمين ذروة المبيعات المُقدَّرة، توفّر شجرة القرارات رؤى حول قيمة الدواء المرشح في ظل النتائج المحتملة المختلفة. ويهدف وضع شجرة قرارات بهذه الطريقة إلى تمكين إجراء تحليل أكثر شمولاً لقيمة الدواء المرشح، ودمج عدم اليقين بشأن مسار تطويره والقرارات الاستراتيجية المحتملة التي قد تُشكِّل نجاحه المستقبلي. توفِّر شجرة القرارات كذلك إطاراً منظماً لتقييم الآثار المالية لخيارات الاستثمار المختلفة وتساعد أصحاب المصلحة على اتخاذ قرارات مستنيرة فيما يتعلق بتخصيص الموارد أو اتفاقات الترخيص أو استراتيجيات التطوير الإضافية
ووفقاً للجدول 7، نُقدّر أن هناك احتمالاً لتحقيق ذروة مبيعات تصل إلى 2,080 مليون دولار أمريكي (عند العُقدة النهائية ذات القيمة العليا). ومع ذلك، فإن احتمال حدوث هذا السيناريو لا يتجاوز 0.2 في المائة، وهو ما يشير إلى أنه غير مرجّح إلى حدٍ كبير. وعلى النقيض من ذلك، فإن تقديراتنا الأكثر احتمالاً هي تحقيق ذروة مبيعات تبلغ 420 مليون دولار أمريكي باحتمال 26.3 في المائة، و282 مليون دولار أمريكي باحتمال 25.7 في المائة. يمكننا كذلك ملاحظة أنه في كل عُقدة ضمن خطوة زمنية معينة (في كل عمود)، يصل حاصل جمع الاحتمالات إلى 100 في المائة. ثمة ثلاث نقاط قرار بالنسبة إلى هذا المشروع: بداية المرحلة الثانية، وبداية المرحلة الثالثة، ومرحلة الموافقة.
ويوضح الشكل 11 احتمالية كل حالة نهائية.
اكتشفنا من خلال تحليل الحالات النهائية لشجرة القرارات الخاصة بنا مجموعة واسعة من النتائج المحتملة لتقديرات ذروة المبيعات لدوائنا المرشح. ويتراوح هذا النطاق من تقدير مرتفع قدره 2,080 مليون دولار أميركي إلى تقدير منخفض قدره 85 مليون دولار أميركي. وتبرز ضمن هذا النطاق حالتان نهائيتان رئيسيتان باعتبارهما الأكثر احتمالاً: 420 مليون دولار أمريكي و282 مليون دولار أمريكي. توفّر هذه النتائج رؤى قيّمة للأداء المالي لدوائنا المرشح في ظل سيناريوهات مختلفة. وتعكس المخرجات المتباينة أوجه عدم اليقين والمخاطر المتأصلة التي ينطوي عليها إعداد الأدوية، مع الأخذ في الاعتبار عوامل مثل نتائج التجارب السريرية، والموافقات التنظيمية، وديناميكيات السوق والمنافسة.
وتكمن أهمية هذه النتائج في آثارها على عملية صنع القرار والتخطيط الاستراتيجي. ويتيح فهمنا لمجموعة النتائج المحتملة أن ندرك على نحوٍ أوضح المقايضات بين المخاطر والمكاسب المرتبطة باستراتيجيات التطوير المختلفة واتفاقات الترخيص وتخصيص الموارد. وبفضل هذه المعرفة يمكننا اتخاذ قرارات مستنيرة أكثر حول المسار الأمثل الذي يجب اتباعه.
والأمر الأهم من ذلك، أن تحليل الحالات النهائية يوضح قيمة استخدام إطار شجرة القرارات. إذ يوفر التحليل نهجاً منظماً لتقييم النتائج المالية المحتملة لمختلف الخيارات الاستراتيجية، ما يمكّننا من معرفة أوجه عدم اليقين المتأصلة في تقييم البيوتكنولوجيا في المراحل المبكرة. ويدعم هذا التقييم الشامل التخطيط الاستراتيجي، ويسهّل تحسين الموارد ويساعد في النهاية في تعظيم إمكانات الدواء المرشح.
الخطوة 3: حساب صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر لكل حالة نهائية
بعد إعداد نموذج الشجرة حتى مرحلة دخول السوق فيما يتعلق بالأصل الأساسي (أي ذروة مبيعات الدواء)، نستعين بتقديرات ذروة المبيعات لمعرفة التدفق النقدي المخصوم للمشروع والقيام بتطوير المُركّب، ونجمع هذه القيم لتحديد صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر للمشروع/ الخيار لكل عُقدة (الجدول 9).
نكرّر بعد ذلك هذا التمرين لكل عقدة نهائية للحصول على قيم صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر الموضحة في الجدول 10.
الخطوة 4: توسيع نطاق الحل ليشمل المراحل السابقة من المشروع
والآن بعد أن حدّدنا قيمة الحالات النهائية لقيمة الخيار، أي قيمة تنفيذ مشروع تطوير الدواء، يمكننا الرجوع عبر مخطط الشجرة إلى الخطوة الزمنية السابقة (السنة الأخيرة من المرحلة الثالثة) لتحديد صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر خلال مرحلة تطوير مشروع التليف الكيسي وكذلك قيمة الخيار عند كل عقدة. وفقاً لحساباتنا، يجب أن نأخذ في الاعتبار معدلات نجاح كل مرحلة ونخصم القيم على نحوٍ ملائم باستخدام الصيغة الموجودة في المعادلة 5.
وينتج عن هذه الحسابات القيم الموضحة في الجدول 11.
عند حساب صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر لكل حالة نهائية على شجرة قرار وتوسيع الحل ليشمل المراحل السابقة من المشروع، ويمكن إجراء العديد من اختبارات الصحة للتأكد من دقة النتائج وموثوقيتها. تُستخدم اختبارات الصحة هذه كإجراءات للتحقق وتساعد على تقييم معقولية القيم المحسوبة. فيما يلي بعض اختبارات الصحة الشائعة:
تحليل الحساسية: يتيح تغيير المعايير الرئيسية، مثل ذروة المبيعات ومعدل الخصم وتكاليف التطوير أو الأطر الزمنية فحص كيفية تأثير التغييرات في هذه المتغيرات على صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر. ويساعد كذلك في تحديد العوامل ذات التأثير الأكبر على التقييم، ويسلط الضوء على أوجه عدم اليقين أو الحساسية.
المقارنة بالبيانات السابقة: من خلال المقارنة بين صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر المحسوبة والمشاريع السابقة المماثلة أو معايير الصناعة يتم الحصول على نقطة مرجعية للتقييم. وفي حال ابتعدت القيم المحسوبة ابتعاداً كبيراً عن البيانات السابقة، فقد يشير ذلك إلى الحاجة إلى إجراء مزيدٍ من التدقيق أو إعادة تقييم الافتراضات الأساسية.
رأي الخبراء: سيسهم طلب آراء من خبراء المجال، مثل المتخصصين ذوي الخبرة في مجال البيوتكنولوجيا أو استشاريي الصناعة أو المستشارين، في التحقق من صحة تقديرات صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر. ستقدم آراء الخبراء رؤى قيّمة حول الديناميكيات والمخاطر المحددة المرتبطة بقطاع البيوتكنولوجيا.
التوافق مع توقعات السوق: إن تقييم مدى توافق صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر المحسوبة مع توقعات السوق أو آراء المستثمرين أو اتجاهات الصناعة يمثل عملية تحقق من الواقع. إذا بدا التقييم غير متوافق بشكل كبير مع ظروف السوق السائدة أو معنويات المستثمرين، فقد يستدعي ذلك إعادة تقييم المدخلات أو الافتراضات الأساسية.
ويُسهم إجراء اختبارات الصحة هذه في تعزيز مصداقية تحليل التقييم وقوته. وتساعد على تحديد الأخطاء أو التحيزات أو التناقضات المحتملة في النموذج وتتيح إجراء التعديلات أو التحسينات. ومن خلال دمج تدابير التحقق المختلفة، ستزداد ثقة صناع القرار في نتائج صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر، واستخدام هذه النتائج كركيزة أساسية لاتخاذ القرارات الاستراتيجية أو تخصيص الموارد أو تقييمات الاستثمار. وفي نهاية المطاف، تساعد هذه الطريقة على تقييم القيمة والمخاطر المحتملة المرتبطة بأصول الملكية الفكرية في مراحلها المبكرة في مجال البيوتكنولوجيا، وتيسير اتخاذ قرارات مستنيرة وتعزيز من قيمة المشاريع.
يُعد النهج المفصل هنا شاملاً ويتطلب جمع بيانات كبيرة وجهداً حوسبياً. وفي ظروف أخرى، مثل بعض سيناريوهات ترخيص التكنولوجيا، قد يكون التقييم الأبسط للوضع في كل عقدة كافياً لتطوير نموذج مفيد وتوفير قيمة مالية للمشروع. يُعد أسلوب التسعير ثنائي الحد أسلوباً مرناً وقابلاً للتكيف مع سيناريوهات متعددة للخيارات، ويمتاز نسبيًا بالشفافية بالنسبة إلى مستخدمي البيانات النهائية حيث يوفّر نهجاً صارمًا لتقييم الخيارات الحقيقية، ويمكن تطبيقه بطريقة دقيقة ومعقدة كما في هذا المثال، أو بطريقة أكثر بساطة تبعاً للموقف.
ما يؤخذ في الاعتبار عند استخدام الخيارات الحقيقية
ومثلما ذكرنا سابقاً، قد تخفي الطبيعة الثنائية لتجارب تطوير الأدوية (احتمالية النجاح أو الفشل) نتائج أخرى، ما من شأنه أن يوفر لمديري المشاريع مجموعة من الخيارات لاستكشافها. فعلى سبيل المثال، قد تكون نتائج التجارب السريرية إيجابية للغاية، ما يؤدي إلى بدء المرحلة التالية المتوقعة من التجارب. وفي المقابل، فقد تفشل من منظور السلامة أو الفعالية، وفي هذه الحالة يتم التخلي عن المشروع. ومع ذلك، ثمة حالات لا تُثبت فيها الفرضية قيد البحث من خلال البيانات، لكن يعتقد الباحثون أن إعادة تصميم التجارب السريرية وتحسينها قد يكون كافياً لإجراء تجارب إضافية. لنستخدم مثالاً بسيطاً من أجل توضيح هذه النقاط.
تسعى الرئيسة التنفيذية لشركة BioTech إلى جذب استثمارات لتمويل مشروع المسار الرائد، TumaBlok. ستحتاج إلى توضيح القيمة المُقدَّمة للمستثمرين المحتملين. تقرر الرئيسة التنفيذية إجراء التقييم باستخدام أسلوب تقييم الخيارات الحقيقية. يبدأ TumaBlok حالياً المرحلة الثانية
تمثل الخطوات الزمنية الحمراء (2، و4، و5، و6، و7، و8، و9 و11) في الشكل 12 نقاط القرار للمشروع. سيتعين على الرئيسة التنفيذية حل كل شجرة من أجل تقدير قيمة المشروع في بداية الإطلاق (السنة الأولى) لشجرة قرارات TumaBlok المعقدة. يجب أن تستند حسابات الرئيسة التنفيذية على افتراضات مُبررة لتقديرات ذروة المبيعات ومعدلات النمو ومستويات التناقص خلال مرحلة تطوير جميع المنتجات. يجب أن تُستمد هذه القيم من متوسطات الصناعة الراسخة وقيم مبيعات الأدوية المماثلة في السوق ومن شركات مماثلة لشركة BioTech من حيث الملف التعريفي (حجم الشركة ومحفظة أعمالها). ويجب أن تُدرك الرئيسة التنفيذية أيضاً أن مدة التجارب قد تكون أطول من المتوقع، ومن ثم قد تزداد التكلفة. ولذلك يجب أن تكيّف حساباتها وفقاً لذلك. ويوضح هذا المثال أن شجرة القرارات قد تتسم بدرجة عالية من التعقيد، وقد تستلزم حلاً دقيقاً لضمان تناول جميع الخيارات القابلة للتطبيق بطريقة مناسبة. قد يكون من الضروري توفر أدوات وموارد التقييم المخصصة لتوضيح قيمة المشاريع الفردية والمحافظ بأكملها، وذلك بالنسبة إلى الشركات التي لديها العديد من المشاريع في مسار الإنتاج الخاص بها.
خبرة الصناعة في استخدام الخيارات الحقيقية - الفوائد والتحديات
ويعتقد العديد من خبراء التقييم أن أسلوب الخيارات الحقيقية هو الأقرب إلى الحقيقة الاقتصاديةمن بين مجموعة الأساليب التي جرى استعراضها في هذا الدليل. يُعد الاهتمام الصريح بخياري النمو والإيقاف مفيداً، إذ يمكن أن يساعد على صياغة مناقشات داخلية ثرية ويوفر إطاراً لتوضيح قيمة الأصل أو التكنولوجيا في سياق المفاوضات. ومع ذلك، يرتكز تحليل الخيارات الحقيقية على تكنولوجيات معقدة وهو أمر غير مألوف بالنسبة إلى الكثير من الأشخاص، بما في ذلك العديد من كبار المديرين في قطاعي البيوتكنولوجيا والمستحضرات الصيدلانية. سيؤدي إدراج خيارات النمو إلى الحصول على قيم تتجاوز تلك الناتجة عن نُهج صافي القيمة الحالية، وسيؤدي إلى طرح تساؤلات قوية، ومن هنا جاء الاقتراح الوارد في هذا الدليل باعتماد النهج ثنائي الحد. وفي صناعة الأدوية، أدى الفهم الجيد للنهج القائم على صافي القيمة الحالية المعدّلة حسب المخاطر إلى هيمنته، وذلك رغم أن العديد من الشركات قد طبقت نُهج تقييم الخيارات الحقيقية في بعض الحالات خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية. يواجه أسلوب الخيارات الحقيقية بعض التحديات ولكنه يتضمن في الوقت نفسه إمكانات كبيرة، ومن المرجح أن يزداد استخدامه خلال العقد المقبل.