هل يتلكأ قانون العلامات التجارية خلف الذكاء الاصطناعي؟

يونيو 2020

بقلم لي كيرتس وريتشل بلاتس، محاميان معتمدان متخصصان في العلامات التجارية، شركة إتش جي إف، مانشستر، المملكة المتحدة

يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرة كامنة على التأثير في جميع جوانب أسلوب عيشنا، وهو حالياً مثار جدل كبير. ولكن بالرغم مما تزخر به الصحافة من تعليقات حول الذكاء الاصطناعي وتأثيره الثوري المزعوم، إلا أنه على الأرجح سيكون تأثيره في حياتنا في الأجل القصير محدوداً نسبياً.

نحن غالباً ما نتجاهل التأثير الطويل الأجل للذكاء الاصطناعي على كيفية شراء المستهلكين للمنتجات والخدمات وتداعياته غير المباشرة على قانون العلامات التجارية. ويميل معظم المعلقين إلى التركيز على تأثير الذكاء الاصطناعي على قوانين البراءات وحق المؤلف والتصاميم. (الصورة: anyaberkut / Getty Images)

والأمر كما وصفه الباحث الأمريكي والعالم المستقبلي روي أمارا في مقولته: "إننا نميل إلى المغالاة في تقدير تأثير التكنولوجيا على المدى القريب ونستهين بتأثيرها على المدى البعيد."

ونحن غالباً ما نتجاهل التأثير الطويل الأجل للذكاء الاصطناعي على كيفية شراء المستهلكين للمنتجات والخدمات وتداعياته غير المباشرة على قانون العلامات التجارية. ويميل معظم المعلقين إلى التركيز على تأثير الذكاء الاصطناعي على قوانين البراءات وحق المؤلف والتصاميم.

كيفية شرائنا للمنتجات: التغيرات الطارئة بمرور الوقت

خلال الحقبة الفيكتورية، في الوقت الذي تبلورت فيه المبادئ الأساسية لقانون
العلامات التجارية، كان البائع يسدي المشورة للمستهلكين بشأن المنتج الذي
يُعد مناسباً للشراء، حيث كان يؤدي دور "المُرشِّح" بين
المستهلك والمنتجات، والتي كانت في معظمها لا تحمل علامات تجارية.
(الصورة: Photo: benoitb / Getty Images)

قد تفترض أن الكيفية التي نشتري بها المنتجات والخدمات لم تتغير بمرور الوقت، ولكن هذا ليس حقيقياً؛ فقد تغيرت كيفية شرائنا للمنتجات والخدمات بصورة مستمرة على مر السنين.

انظر كيف كان الناس يشترون المنتجات في القرن التاسع عشر في الوقت الذي تبلورت فيه المبادئ الأساسية لقانون العلامات التجارية. لا شك أنك ستتبادر إلى ذهنك صورة متجر فيكتوري تقليدي يقف فيه بائع أو بائعة أمام مجموعة مختارة من البضائع المعروضة في خزائن زجاجية. وحينذاك، كان البائع يؤدي دور "المُرشِّح" بين المستهلك والمنتجات، والتي كانت في معظمها لا تحمل علامات تجارية. وكان البائع هو الطرف الوحيد في العملية الذي تتوفر لديه الدراية بما هو معروض من منتجات، وكان عادة ما يسدي المشورة للمستهلك بشأن المنتج الذي يُعد مناسباً للشراء.

نحن غالباً ما نتجاهل التأثير الطويل الأجل للذكاء الاصطناعي على كيفية شراء المستهلكين للمنتجات والخدمات وتداعياته غير المباشرة على قانون العلامات التجارية.

مع ظهور السوبر ماركت الحديث، صار المستهلك يأخذ القرار وحده ولم يعد يعتمد
على مُرشٍّح (بائع) يتوسط بينه وبين السلعة لأن جميع المنتجات المتوفرة مرئية له.
(الصورة: George Marks / Getty Images)

وقد تبدّل الأسلوب الفيكتوري لشراء المنتجات مع ظهور السوبر ماركت الحديث، حيث صار المستهلك يأخذ القرار وحده ولم يعد يعتمد على مُرشٍّح (بائع) يتوسط بينه وبين السلعة. كما أنه، في هذا السياق، أصبح المستهلك على دراية ـ أو في إمكانه أن يكون على دراية ـ بجميع المنتجات المعروضة للبيع في السوبر ماركت، لأن جميع المنتجات المتوفرة مرئية للمستهلك في المتجر.

وبعد ذلك، ومع بروز أهمية تمييز المنتجات بعلامات تجارية، توفرت بين يدي المستهلك معلومات إضافية بفضل

الدلالات المباشرة للعلامات التجارية، سواء كانت الدلالات في صورة خصائص صوتية أو تأثيرات بصرية أو مفاهيمية للعلامات التجارية. وهذا يعني أنه في السوبر ماركت الحديث حلّت العلامات التجارية بفعالية محل بائع الحقبة الفيكتورية وتولت مهمة التواصل مباشرة مع المستهلكين.



الإنترنت يفرض تغييرات أخرى على عادات الشراء

أوجدت ثورة وسائل التواصل الاجتماعي نماذجاً جديدة للتأثير على المستهلك، حيث صارت حالات
"الإعجاب" التي يبديها أفراد العائلة والأصدقاء عنصراً هاماً في اتخاذ قرارات الشراء.
(الصورة: Elena Brovko / Getty Images)

تغيرت عملية الشراء مرة أخرى مع بزوغ التسوق على الإنترنت. فقد زادت المنتجات المتوفرة للمستهلك بصورة هائلة، وزادت معها معلومات المنتجات ودراية المستهلك. ومرة أخرى، لا يوجد مُرشٍّح يتوسط بين المستهلك والمنتج؛ فالمستهلك يتحكم بشكل كامل في قرار الشراء. وأوجدت ثورة وسائل التواصل الاجتماعي نماذج جديدة للتأثير على المستهلك، حيث صارت حالات "الإعجاب" التي يبديها أفراد العائلة والأصدقاء عنصراً هاماً في اتخاذ قرارات الشراء. واكتست حالات "الإعجاب" أهمية إضافية حين دخل في الساحة الأشخاص المؤثرون "الخارجيون" مثل المشاهير ونجوم الرياضة.



تتأثر عملية الشراء تبعًا للمعلومات المتوفرة للمستهلك ومن يأخذ قرار الشراء، سواء كان عاقلاً أو غير عاقل. ويؤثر الذكاء الاصطناعي على المعلومات المتوفرة للمستهلكين وقرارات الشراء التي يأخذونها.

ومجدداً، تخضع عملية الشراء إلى تغييرات هيكلية، والتي تُعزى ـ جدلاً ـ إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل أمازون أليكسا وغوغل هوم، وروبوتات الدردشة مع المستهلك، وأدوات المساعدة الشخصية على التسوق القائمة على الذكاء الاصطناعي مثل مونا وأمازون داش، وروبوتات المساعدة القائمة على الذكاء الاصطناعي، مثل بيبر. ومن نواح عديدة، يمثل استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عملية الشراء عودة إلى النموذج الفيكتوري القديم، مع بعض الاختلافات المهمة.

تغيرت عملية الشراء مرة أخرى مع بزوغ التسوق على الإنترنت. فقد زادت المنتجات المتوفرة للمستهلك بصورة هائلة، وزادت معها معلومات المنتجات ودراية المستهلك. (الصورة: AndreyPopov / Getty Images)

تأثير الذكاء الاصطناعي على قرارات الشراء

على الرغم من أن اعتماد المستهلكين على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يزال محدوداً نسبياً، إلا أن معظم المستهلكين لابد أنهم استخدموا دون قصد شكلاً من أشكال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل نظام توصية المنتجات الذي يظهر على موقع أمازون (Amazon.com) وغيره من منصات البيع بالتجزئة على الإنترنت. وفي هذا السياق، يؤدي تطبيق الذكاء الاصطناعي بشكل فعال دور المُرشّح بين المستهلك والمنتج والعلامة التجارية، حيث يقدم توصيات فريدة إلى المستهلك على أساس قرارات الشراء السابقة.

لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أيضًا آثار مهمة على من يعتبر "المستهلك العادي" في دعاوى انتهاك العلامات التجارية وقضايا المسؤولية.

ولا يفوّض العديد من المستهلكين قرار الشراء إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل أمازون أليكسا. ولكن ما دام تطبيق الذكاء الاصطناعي (وليس المستهلك) تتوفر لديه جميع المعلومات المتاحة حول المنتجات المعروضة للبيع، فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي يؤدي دور المتسوّق الشخصي. وفي هذا الصدد، من الممكن أن يفوّض المستهلك قرار الشراء بالكامل إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي، حيث يتخذ تطبيق الذكاء الاصطناعي هذا القرار بشكل أساسي بناءً على عمليات الشراء السابقة للمستهلك.

وفي مقال نشرته مجلة هارفارد بزنس ريفيو في مايو 2019، وصف نيكولاي سيجيلكو وكريستيان تيرويش هذه الطريقة لتوفير المنتجات بنموذج "التنفيذ الآلي". وفي مقال سابق نُشر في المجلة نفسها في أكتوبر 2017 وصف المؤلفون، آجاي أغراوال وجوشوا جانز وآفي غولدفارب، نموذج التنفيذ الآلي بأنه يقلب عملية الشراء رأساً على عقب من نموذج "التسوق ثم الشحن" إلى نموذج "الشحن ثم التسوق". فلم يعد البيع بالتجزئة "مستجيباً" وحسب حوائج المستهلك؛ بل في عصر الذكاء الاصطناعي أصبح البيع بالتجزئة "تنبؤياً".

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد البيع بالتجزئة "مستجيباً" وحسب لحوائج المستهلك؛ بل أصبح "تنبؤياً"، حيث يؤدي الذكاء الاصطناعي دور المُرشّح بين المستهلك والعلامة التجارية. ويثير هذا النموذج أسئلة جديرة بالاهتمام فيما يخص مفاهيم قانون العلامات التجارية، مثل "التباس ما بعد البيع" وما شابه. (الصورة: AndreyPopov / Getty Images)

ولا تزال التجزئة التنبؤية في مهدها. ولكي تكتسب نماذج التجزئة هذه زخمًا حقيقيًا، يجب أن تكون دقيقة بما يكفي لتجنب المشكلة الاقتصادية المتمثلة في إرجاع المنتجات على نطاق واسع، وهي المشكلة التي تعصف بالفعل بقطاع الأزياء السريعة. ويثير نموذج التجزئة هذا أسئلة جديرة بالاهتمام فيما يخص مفاهيم قانون العلامات التجارية، مثل "التباس ما بعد البيع" وما شابه. فإذا كان الإنسان ليس له دور في شراء المنتج المحمي بعلامة تجارية، فإنه في واقع الأمر لا يمكن أن يحدث لديه التباس بشأن المنتج إلى عندما يستلمه، وليس عندما يشتريه. وقد جرت العادة على حدوث التباس ما بعد البيع لدى الغير، وليس لدى المشتري، ولكن نموذج التجزئة التنبؤية قد يبشر بشكل جديد من التباس ما بعد البيع لدى المستهلك.

وحتى عندما لا يفوّض المستهلكون قرارات الشراء إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فإن الذكاء الاصطناعي لا يزال يؤثر على الطريقة التي يرى بها المستهلك السوق والمنتجات والعلامات التجارية، حيث أنه، في المتوسط، يوصي تطبيق الذكاء الاصطناعي، مثل أمازون أليكسا، المستهلك بثلاثة منتجات عندما يحثه المستهلك على البحث عن منتج ليشتريه. ومن ثم فإن المستهلك هنا لا يعلم بكامل المنتجات المعروضة في السوق، بل تُقدم إليه خيارات محدودة نسبيًا من المنتجات ليشتريها، حتى لو كان هو الذي يتخذ قرار الشراء في نهاية المطاف. فالذكاء الاصطناعي يؤدي مجددًا دور المُرشٍّح بين المستهلك والعلامة التجارية.

إذن ما علاقة ذلك بقانون العلامات التجارية؟

السيناريو المذكور أعلاه له آثار كبيرة على قانون العلامات التجارية وتطبيقه. فعلى أي حال، قانون العلامات التجارية يتعلق بعملية الشراء وكيفية شراء المنتجات والتفاعل بين المستهلك والعلامة التجارية.

وتتأثر عملية الشراء تبعاً للمعلومات المتوفرة للمستهلك ومن يأخذ قرار الشراء، سواء كان عاقلاً أو غير عاقل. ويؤثر الذكاء الاصطناعي على المعلومات المتوفرة للمستهلكين وقرارات الشراء التي يأخذونها.

يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في سياق البيع بالتجزئة أسئلة مهمة أيضاً فيما يتعلق بالإعلانات المقارنة واللوائح المتعلقة بالأشخاص المؤثرين.

فضلاً عن ذلك، يقوم قانون العلامات التجارية بشكل أساسي على مفاهيم الضعف البشري. فإذا أخرجنا "البشر" و"الضعف" من قانون العلامات التجارية، ماذا يتبقى لنا؟

وتتعلق بعض المبادئ الأساسية لقانون العلامات التجارية بجوانب الضعف البشري، مثل "عدم التذكر الكامل" و"الالتباس" و"تحريف نطق الأسماء التجارية" والتأثير السمعي والمفاهيمي والمرئي، والمقارنة بين العلامات التجارية. وقد ازدادت أهمية هذه الجوانب من قانون العلامات التجارية مع بروز التسوق في السوبر ماركت، ولكنها من المرجح أن تقل أهميتها مع انتشار الذكاء الاصطناعي، وذلك بسبب تقليل خيارات المنتجات، أو على الأقل تقليل خيارات المنتجات والعلامات التجارية، التي تُقدم للمستهلكين الأفراد.

ولتطبيقات الذكاء الاصطناعي أيضاً آثار مهمة على من يعتبر "المستهلك العادي" في دعاوى انتهاك العلامات التجارية وقضايا المسؤولية. فإذا اشترى تطبيق الذكاء الاصطناعي منتجاً، دون تفاعل بشري أو بتفاعل بشري محدود، من في هذه الحالة المستهلك العادي؟ سواء عاقلاً أو ـ وذلك أهم ـ غير عاقل، ومن يُعد مسؤولاً عن عملية الشراء التي تؤدي إلى انتهاك العلامة التجارية؟ عاقلاً كان أو غير عاقل.

السوابق القضائية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وانتهاك العلامات التجارية

على الرغم من عدم وجود قضايا ـ على حد علمنا ـ تناولت بشكل مباشر مسألة الذكاء الاصطناعي والمسؤولية عن انتهاك العلامات التجارية، إلا أنه يوجد عدد من القضايا المرفوعة على مدار العقد الماضي أمام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي التي يمكن أن نستعين بها في ضوء هذه التكنولوجيا الجديدة لإلقاء بعض الضوء على هذا المسألة.

تناولت قضية لوي فيتون ضد غوغل فرنسا مسألة الإعلان باستخدام الكلمات المفتاحية والاختيار التلقائي لهذه الكلمات المفتاحية في نظام أدووردز الخاص بغوغل، وقررت المحكمة في هذه القضية أن غوغل ليست مسؤولة عن انتهاك العلامة التجارية إلا إذا كانت قد أدت دوراً نشطاً في نظام الإعلان باستخدام الكلمات المفتاحية. وفي قضية لوريال ضد إيباي، والتي تعلقت ببيع السلع المقلدة على سوق إيباي على الإنترنت، قررت المحكمة أن موقع إيباي لا يُعد مسؤولاً عن انتهاك العلامات التجارية إلا إذا كان مدركاً للنشاط المنتهك. واستُخدمت الحجّة نفسها في قضية كوتي ضد أمازون. ومن ثم يبدو أنه إذا كان مزود تطبيق الذكاء الاصطناعي لديه إجراءات إزالة كافية مثل التي ذُكرت في قضيتي غوغل وإيباي، ولم يكن المزود على علم بالنشاط المنتهك، فإنه لا يُعد مسؤولاً عن النشاط المنتهك.

ومع ذلك، إذا كان مزود الذكاء الاصطناعي متورطاً بشكل أعمق في أي نشاط منتهك محتمل، تشير قضيتان إلى أن المسؤولية قد تقع حينئذ على عاتق مزود الذكاء الاصطناعي. ففي قضية كوزميتيك ووريورز المحدودة ولاش المحدودة ضد موقع Amazon.co.uk وأمازون الاتحاد الأوروبي ذات المسؤولية المحدودة المرفوعة أمام المحكمة العليا في المملكة المتحدة، قررت المحكمة أن أمازون مسؤولة عن الانتهاكات التي حدثت من جراء استخدام علامات تجارية ككلمات مفتاحية تقود إلى روابط لموقعها لا تحتوي على المنتجات المحمية بالعلامات التجارية المستخدمة، لدرجة أن المستهلك لا يستطيع أن يميّز ما إذا كانت المنتجات المعروضة للبيع تخص مالك العلامات أو لا. فضلاً عن ذلك، رُفعت سلسلة من الدعاوى أمام المحكمة الألمانية الاتحادية فيما يخص شركة أورتليب سبورتارتيكل ذات المسؤولية المحدودة وقررت المحكمة بشأنها أن أمازون تُعد مسؤولة طالما أن الإعلانات على موقع Amazon.de تقود إليها كلمة البحث أورتليب "Ortlieb" على أساس استخدامها في أوصاف المنتجات وكذلك على أساس السلوك السابق للمستهلكين، وهو جانب مهم من جوانب تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وكان المنطق الذي استندت إليه المحكمة في قرارها هو أن المستهلكين "استُدرجوا" بطريقة تجعلهم يتوقعون أن منتجات أورتليب "فقط" هي المعروضة للبيع. وقد تكهن البعض، وأبرزهم ماركوس روفينين في مدونة آي بي كات، بأن هذا المنطق من الممكن أن ينطبق أيضاً على ما يسمى بإعلانات قوائم المنتجات على الإنترنت حيث يعرض محرك البحث المنتجات بشكل نشط بناء على سلوكيات البحث السابقة، وهو ما يشبه سلوكيات الشراء السابقة للمستهلكين، وذلك من أهم الموارد التي تستقي منها تطبيقات الذكاء الاصطناعي اقتراحات الشراء وقراراته.

الذكاء الاصطناعي والإعلانات المقارنة: اعتبارات هامة

يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في سياق البيع بالتجزئة أسئلة مهمة أيضًا فيما يتعلق بالإعلانات المقارنة واللوائح المتعلقة بالأشخاص المؤثرين. فبطبيعة الحال، يعتبر تطبيق الذكاء الاصطناعي، مثل أمازون أليكسا، نظير "الشخص المؤثر". وفي المتوسط، يوصي أليكسا المستهلك بثلاثة منتجات محتملة ليشتريها، وهي عادة ما تكون العلامة التجارية الرائدة، والعلامة التجارية الخاصة بأمازون، ومنتج متأثر بقرارات الشراء السابقة للمستهلك. وحتى لو كان تطبيق الذكاء الاصطناعي نفسه غير مفوّض باتخاذ قرار الشراء، فإنه بطبيعة الحال "يؤثر" على هذا القرار. وإذا كان الأمر كذلك، هل ينبغي إخضاع تطبيقات الذكاء الاصطناعي للإطار التنظيمي الذي ينظم التسويق عن طريق الأشخاص المؤثرين؟

يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في سياق البيع بالتجزئة أسئلة مهمة أيضاً فيما يتعلق بالإعلانات المقارنة واللوائح المتعلقة بالأشخاص المؤثرين. (الصورة: Kinwun / Getty Images)

وفي هذه الحالة، يجب أن يشار بوضوح إلى اقتراحات المنتجات المقدمة من خلال تطبيق الذكاء الاصطناعي على أنها شكل من أشكال الترويج. وستزداد هذه المسألة أهمية إذا كان الذكاء الاصطناعي سيوصي بالمنتجات بناء على معايير يستفيد منها مزود الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال هوامش ربح على المنتج، وذلك خلافًا للتوصيات المتعلقة مباشرة بالاختيارات السابقة للمستهلك.

فضلاً عن ذلك، تمتلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي القدرة على المشاركة في الإعلانات المقارنة. فإذا طلب المستهلك من تطبيق الذكاء الاصطناعي أن يوفر منتجاً، من الممكن أن يقترح التطبيق منتجاً "بديلاً" على المستهلك مقابل رسم يدفعه مقدم المنتج المنافس. وتتشابه هذه المسألة مع مسألة الإعلان على الإنترنت بواسطة الكلمات المفتاحية حيث أثيرت قضايا متعلقة بالإعلان المقارن فيما يخص عملية المزايدة على الكلمات المفتاحية المستخدمة في البحث.

البحث الصوتي يكتسب زخمًا: الآثار المترتبة على العلامات التجارية

لم يغفل قطاع الإعلان إمكانات البحث الصوتي التي تبشر بها تطبيقات الذكاء الاصطناعي. والبعض يتنبأ بأنه في غضون 5 سنوات سيُجرى ما بين 30 إلى 50 بالمائة من عمليات البحث عن المنتجات صوتياً وليس نصياً. ورغم أن هذه التنبؤات قد تكون مبالغاً فيها، إلا أن بعض مجالات سوق البيع بالتجزئة، مثل السلع الاستهلاكية، من المرجح أن تتأثر بشدة بالبحث الصوتي.

البعض يتنبأ بأنه في غضون 5 سنوات سيُجرى ما بين 30 إلى 50 بالمائة من عمليات البحث عن المنتجات صوتياً وليس نصياً. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى إثارة القضايا نفسها التي أثيرت فيما يخص البحث النصي. وسيؤدي ذلك أيضاً إلى تراجع أهمية الخصائص المرئية للعلامة التجارية وستولى أهمية أكثر للخصائص الصوتية والمفاهيمية. (الصورة: kyonntra / Getty Images)

وسيؤدي ظهور المزايدة على مصطلحات البحث الصوتي ثم تصاعد وتيرتها إلى إثارة القضايا نفسها التي أثيرت فيما يخص البحث النصي. وعندما ترجح كفة البحث الصوتي على كفة البحث النصي، ستتغير موازين المقارنة بين العلامات التجارية بناء على خصائصها الصوتية والمرئية والمفاهيمية. فالخصائص المرئية للعلامة التجارية ستتراجع أهميتها وستولى أهمية أكثر للخصائص الصوتية والمفاهيمية. وهذا التغيير لا يختلف عمّا حدث عندما تنحى نموذج العصر الفيكتوري جانباً أمام التسوق في السوبر ماركت.

فضلاً عن ذلك، في قضية إنترفلورا ضد غوغل التي تتناول الإعلان بالكلمات المفتاحية والمرفوعة في المملكة المتحدة، رغم أن القاضي أرنولد لم يبت في نهاية المطاف في مسألة الإعلان المقارن، إلا أنه أعرب عن استغرابه لأن جهة الدفاع لم تتذرع بتوجيه الاتحاد الأوروبي بشأن الإعلان المضلل والمقارن (التوجيه 2006.114/EC). ربما إذا رُفعت قضية بخصوص استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإعلان المقارن ستُعالج هذه المسألة مباشرة.

إذن، أين نحن الآن؟

قد يكون الذكاء الاصطناعي لن يؤثر على العالم في الأجلين القصير والمتوسط كما نخشى أو كما هو مأمول وفقًا لاهتمام الصحافة مؤخراً، ولكن هذا التأثير قادم لا محالة. ومن المجالات التي قد يتجلى فيها بوضوح تأثير الذكاء الاصطناعي الطريقة التي يُشترى بها المنتج، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى تداعيات هامة على قانون العلامات التجارية. فلنتخيل أن فيلم كازابلانكا يدور حول الذكاء الاصطناعي، حينها سيقول همفري بوغارت لإنغريد بيرغمان، "الذكاء الاصطناعي سيغير قانون العلامات التجارية، قد لا يكون اليوم، قد لا يكون غداً، ولكن قريباً وإلى الأبد."

الويبو والملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي

حيث بدأ واضعو السياسات حول العالم في فهم الآثار الواسعة النطاق للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والمجتمع، بدأت الويبو ودولها الأعضاء في التفاعل بشأن جوانب الذكاء الاصطناعي التي تخص الملكية الفكرية، سواء من حيث تأثيره على إدارة الملكية الفكرية أو على سياساتها. وعقب الدورة الأولى من محادثة الويبو بشأن الذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية التي عقدت في سبتمبر 2019، والمشاورة العامة بشأن الذكاء الاصطناعي وسياسات الملكية الفكرية، في الفترة من ديسمبر 2019 إلى فبراير 2020، أعدت الويبو الصيغة المنقحة لقائمة قضايا الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي، والتي تضمنت جزءًا يتعلق بقانون العلامات التجارية، وستُناقش في الدورة الثانية لمحادثة الويبو بشأن الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي في الفترة من 7 إلى 9 يوليو 2020.

الغرض من مجلة الويبو مساعدة عامة الجمهور على فهم الملكية الفكرية وعمل الويبو، وليست المجلة وثيقة من وثائق الويبو الرسمية. ولا يراد بالتسميات المستخدمة وبطريقة عرض المادة في هذا المنشور بأكمله أن تعبر عن أي رأي كان من جهة الويبو بشأن الوضع القانوني لأي بلد أو إقليم أو منطقة أو سلطاتها أو بشأن تعيين حدودها أو تخومها. ولا يراد بهذا المنشور أن يعبر عن آراء الدول الأعضاء أو أمانة الويبو. ولا يراد بذكر شركات أو منتجات صناعية محددة أن الويبو تؤيدها أو توصي بها على حساب شركات أو منتجات أخرى ذات طبيعة مماثلة وغير مذكورة.