الجزء الخامس: الإجراءات القضائية المتعلقة بالأسرار التجارية

المواضيع التي يغطيها هذا الجزء:

  • ماذا تفعل إذا اكتشفت اختلاس أو تلويث أسرار تجارية

  • سبل الانتصاف القانونية والأمر القضائي الأولي

  • الآليات البديلة لحل النزاعات

  • بناء قضية قوية وعبء الإثبات والأدلة

  • الدفاع ضد دعاوى الاختلاس

  • الحفاظ على الأسرار التجارية خلال الإجراءات القضائية

  • القضايا العابرة للحدود

1. لمحة عامة

من الناحية المثالية، ينبغي تجنب تسريب الأسرار التجارية والتلوث بها منذ البداية من خلال تطبيق سياسة جيدة لإدارة الأسرار التجارية. ولكن الخروقات قد تحدث حتى عندما تكون أفضل معايير الأمن مطبقة، ويحتاج أصحاب الأسرار التجارية إلى وضع خطة لكيفية التصرف. يقدم الجزء الخامس من الدليل لمحة عامة عن الخيارات المتاحة في حالة حدوث اختلاس أسرار تجارية. إن رفع دعوى قضائية للتعويض عن اختلاس الأسرار التجارية هو مجرد خيار واحد متاح لأصحاب الأسرار التجارية. وبالتالي، يتناول هذا الجزء أيضًا خيارات أخرى لحل النزاعات.

يمكن أن يحدث اختلاس الأسرار التجارية بسبب التجسس أو الهجمات الإلكترونية، ولكن في أغلب الأحيان يحدث ذلك في السلوكيات البشرية اليومية في الأعمال التجارية. يحدث الاختلاس في أغلب الأحيان من خلال الموظفين الحاليين أو السابقين، ولكنه يحدث أيضًا في العلاقات التجارية مثل عمليات الاستحواذ أو الترخيص المحتملة، أو من خلال سلاسل التوريد. عندما يحدث الاختلاس، يصعب جدًا على حاملي الأسرار التجارية معرفة جميع الحقائق ذات الصلة، نظرًا لأن الاختلاس نفسه يحدث في سرية، وغالبًا دون أي مؤشر على حدوث خسارة. بطريقة ما، وبحكم التعريف، فإن العثور على المسار الصحيح لمواجهة الاختلاس مهمة صعبة.

وبما أن اتفاق تريبس لا يوفر سوى الحد الأدنى من المعايير التي يتعين على أعضاء منظمة التجارة العالمية تنفيذها في تشريعاتهم (يرجى الاطلاع على الجزء الثالث، القسم 1.3)، فإن إنفاذ الأسرار التجارية من خلال الإجراءات القضائية وسبل الانتصاف والقواعد الإجرائية يختلف بشكل كبير بين نظام قضائي وآخر. لذلك، يقدم هذا الجزء لمحة عامة عن الدعاوى القضائية المتعلقة بالأسرار التجارية، ويحدد أهم القواسم المشتركة والاختلافات والاتجاهات الرئيسية والقضايا المتكررة في مختلف النهج الإقليمية والوطنية. وفي حين يركز هذا الجزء في معظمه على الانفاذ المدني، فإنه يتناول أيضًا المسائل المتعلقة بالانفاذ الجنائي والإداري.

يُعد التعامل مع الدعاوى القضائية المتعلقة بالأسرار التجارية أمرًا صعبًا وذلك نظرا لاختلاف قوانين الأسرار التجارية والقواعد الإجرائية بين دولة وأخرى. ولذلك، يمكن الاطلاع على نظرة عامة أكثر تفصيلاً حول ممارسات الإنفاذ المعتمدة في بعض البلدان على موقع الويبو،  (1)يرجى الاطلاع على "نظرة عامة على أنظمة الأسرار التجارية في بعض البلدان والمناطق"، المتاحة على الرابط التالي: https://www.wipo.int/tradesecrets/. والتي تغطي الإنفاذ المدني والجنائي. وبالإضافة إلى ذلك، يحتوي الملحق الخاص بهذا الدليل على قائمة بالمواد المرجعية التي تنشرها السلطات الوطنية/الإقليمية والمواد المتاحة على الإنترنت والتي توفر تحليلاً لكل بلد على حدة لأنظمة إنفاذ الأسرار التجارية الوطنية.

2. ما يمكنك فعله عندما تدرك أن سرًا تجاريًا قد تم الاستيلاء عليه بشكل غير مشروع: رفع دعوى قضائية أم لا

2.1 ما هو الاختلاس؟

عندما يتم استخدام الاختراعات الحاصلة على براءة أو العلامات التجارية دون الحصول على إذن من أصحابها، يُسمى ذلك "التعدي على البراءة" أو "التعدي على العلامة التجارية". عندما يتم استخدام معلومات السر التجاري دون إذن من أصحاب السر التجاري، فإن هذا يسمى ”اختلاس“ ويُطلق على من يقومون بالاختلاس اسم ”المختلسين“ في هذا الدليل.

وكما ذكرنا في الجزء الثالث: أساسيات حماية الأسرار التجارية: لا تمنح حماية الأسرار التجارية حقوقًا حصرية، ولكنها تنظم سلوك الأطراف لمنع السلوك غير المشروع. والفكرة الأساسية المتمثلة في منع الآخرين من الحصول على ميزة تجارية غير عادلة من خلال الحصول على أسرار تجارية لشخص آخر أو استخدامها أو الكشف عنها بطريقة غير مشروعة يتم التعبير عنها في القوانين الوطنية بطرق مختلفة. ومع ذلك، في جوهر الأمر، عندما يتم الحصول على المعلومات المشمولة بحماية الأسرار التجارية أو الكشف عنها أو استخدامها بوسائل غير قانونية أو غير سليمة أو غير نزيهة أو غير عادلة، فإن ذلك يعتبر عمومًا اختلاسًا.

عندما يحدث الاختلاس، يجوز للمختلس بيع أو ترخيص (أو الكشف عن) السر التجاري لطرف آخر، ويجوز لهذا الطرف استخدام المعلومات السرية التجارية والكشف عنها، وهكذا دواليك. لذلك، قد يحدث اختلاس الأسرار التجارية في سيناريوهات تشمل أطرافًا أخرى بخلاف صاحب السر التجاري والمختلس المباشر.

في جوهر الأمر، هناك سيناريوهان قد يتورط فيهما هؤلاء الأطراف الآخرون في الاختلاس:

  1. الأطراف الأخرى التي كانت على علم، أو كانت مهملة بشكل جسيم في عدم معرفتها، بأن الأسرار التجارية قد تم اختلاسها. بشكل عام، يعتبر حصول أطراف ثالثة على معلومات الأسرار التجارية، كانت على علم أو كانت مهملة بشكل جسيم في عدم معرفتها بأن الأسرار التجارية قد تم اختلاسها، اختلاسًا. في العديد من البلدان، يشكل استخدام أو إفشاء هذه المعلومات من قبل أطراف ثالثة عملاً من أعمال الاختلاس.

  2. الأطراف الثالثة التي لا علم لها بالاختلاس (المستلمون الأبرياء أو ذوو النية الحسنة). بشكل عام، إذا كانت الأطراف الثالثة غير مدركة حقًا أن المعلومات التي تلقتها هي معلومات مسروقة، فإن الحصول على تلك المعلومات لا يعتبر سرقة. ومع ذلك، يتم النظر في استخدامها أو الكشف عنها لاحقًا.

في العديد من البلدان، في الحالات التي يقوم فيها أشخاص غير مصرح لهم بتصنيع أو بيع أو غير ذلك من المنتجات الناتجة عن أو المستفيدة من الحصول على أسرار تجارية أو استخدامها أو الكشف عنها بشكل غير قانوني، يمكن عمومًا أن تخضع هذه المنتجات لطلبات إنذار قضائي وطلبات تعويض أخرى.

2.2 التحقق من الوقائع وفهم الوضع القائم

يجب أن توفر سياسة إدارة الأسرار التجارية الفعالة إرشادات حول كيفية التعامل مع الموقف عندما يدرك صاحب السر التجاري حدوث اختلاس. التقاضي ليس دائمًا الحل الأفضل للتعامل مع الاختلاس. ومع ذلك، من أجل أن يتمكن المسؤولون عن إدارة الأسرار التجارية من الحفاظ على خيار طلب التعويضات من خلال الإجراءات القضائية، يجب أن يقوموا بما يلي:

  • الحفاظ على الأدلة حتى يتمكن صاحب السر التجاري من إثبات ادعاءاته خلال الدعاوى/الإجراءات القضائية.

  • التحقيق في الحقائق دون تنبيه المتهمين بالاختلاس الذين قد يميلون إلى إتلاف الأدلة على سلوكهم، و

  • اتخاذ تدابير طارئة للحد من الأضرار المباشرة.

ويمكن العثور على تفاصيل هذه الخطوات في الجزء الرابع: "إدارة الأسرار التجارية"، ولا سيما في القسم 2.4.

2.3 الحلول المتاحة خارج المحكمة: العناصر التي ينبغي مراعاتها

بعد حفظ الأدلة وفهم ما حدث وتأمين الموقف لمنع المزيد من الانتهاكات، يكون لدى صاحب السر التجاري عمومًا ثلاثة خيارات لكيفية الرد: 

  • السعي إلى تسوية ودية للنزاع

  • بدء الإجراءات القضائية

  • عدم اتخاذ أي إجراء.

العوامل التي تؤثر على قرار اللجوء إلى المحكمة

يعتمد القرار على تقييم شامل لعدد كبير من العوامل الواقعية والقانونية والتجارية. ومن بين هذه العوامل، نذكر ما يلي:

القيود القانونية: قد تكون خيارات الرد محدودة من الناحية التعاقدية أو القانونية.

مثال على الخيارات المحدودة

إذا تم الاختلاس من قبل موظف أو مقاول خارجي، فإن الالتزامات التعاقدية قد تحول دون أو تحد من إمكانية الحصول على بعض سبل الانتصاف أمام محاكم محددة، أو قد تفرض القانون المعمول به أو قد تجبر على اللجوء إلى آليات بديلة لتسوية المنازعات (انظر 3.4).

قيمة السر التجاري وخطورة الانتهاك: بشكل عام، كلما زادت قيمة السر التجاري وزادت خطورة الاختلاس، زادت قوة رد فعل صاحب السر التجاري.

مثال على استجابات مختلفة وفقا لقيمة السر التجاري

إذا قام موظف واحد بنقل عدد قليل من الملفات السرية إلى جهازه الشخصي، فقد يكون من الكافي إرسال تحذير رسمي وتذكيره بالسياسات الداخلية والتأكد من قيام الموظف بحذف جميع الملفات السرية. ومن جهة أخرى، اذا استقال العديد من الموظفين وانتقلوا إلى شركة منافسة بعد أن قاموا بتنزيل كميات هائلة من الملفات السرية لصاحب العمل السابق في أيام عملهم الأخيرة، فقد يكون من الأفضل البدء بالإجراءات القضائية في أقرب وقت ممكن للحصول على أوامر حجز/مصادرة وأوامر قضائية ضد الشركة المنافسة والموظفين السابقين.

الحاجة إلى اتخاذ تدابير مؤقتة ومخاطر ردود الفعل المضادة: قد يحدث أن يتمكن صاحب السر التجاري من إثبات بعض الحقائق المشبوهة ولكنه لا يملك أدلة قوية لبناء قضية قضائية قوية. وفي هذه الحالة، توفر العديد من الأنظمة القانونية أوامر تفتيش قضائية محددة (يرجى الاطلاع على 4.2.3). اعتمادًا على النظام القانوني، يمكن إصدار أوامر تفتيش قضائي من جانب واحد وحفظ الأدلة. وفي هذه الحالات، لن يتم الاستماع إلى الطرف الآخر قبل أن تأمر المحكمة باتخاذ تدبير مؤقت. وهذا الأمر مفيد بشكل خاص عندما يكون أي تأخير أو تنبيه للطرف الآخر قد يؤدي إلى ضرر لا يمكن تعويضه أو تدمير الأدلة.

إذا أراد صاحب السر التجاري الاعتماد على تدابير مؤقتة، ولا سيما تدابير مؤقتة من جانب واحد، فإن محاولة التوصل إلى حل ودي أولاً (على سبيل المثال، عن طريق إرسال خطاب تحذير) من شأنها أن تلفت انتباه المدعى عليهم وقد تقوض آثار أي تدابير إثباتية يُطلب اتخاذها في مرحلة لاحقة.

إمكانية تقديم دعاوى مضادة أو اعتراضات ”بسبب عدم نزاهة الأطراف“: قبل اتخاذ أي إجراء، يُنصح بالتحقق مرة أخرى من أن تدابير السرية قد طُبقت بشكل صحيح وفقًا للقانون المعمول به، بحيث يتم الحفاظ على سرية المعلومات التجارية بشكل مناسب. وقد يؤدي عدم تنفيذ هذه الخطوة إلى عواقب وخيمة. على سبيل المثال، إذا لم يتم اتخاذ مثل هذه التدابير، يمكن للمدعى عليه أن يزعم أن المعلومات لا تلبي متطلبات حماية الأسرار التجارية، لأن المدعي لم يتخذ إجراءات معقولة للحفاظ على سريتها.

وفي مسألة منفصلة، إذا تمكن المدعى عليه من إثبات أن الأدلة المتعلقة بالاختلاس التي قدمها صاحب السر التجاري قد تم جمعها بطريقة غير قانونية، يجوز للمحاكم اعتبارها غير مقبولة أو غير موثوقة (انظر 4.3 فيما يتعلق بجمع الأدلة).

تكاليف الاجراءات القضائية: يجب الأخذ بعين الاعتبار تكاليف الاجراءات القضائية (من حيث المال والوقت والجهد) ومقارنتها بقيمة السر التجاري وفائدة الاجراءات القضائية، بما في ذلك الفائدة المحتملة المتمثلة في ارسال رسالة واضحة للموظفين وغيرهم بأن الشركة جادة في حماية الأصول الخاصة بها. وترتبط التكاليف بالمنطقة التي سيتم فيها رفع الدعوى القضائية، وسبل الانتصاف الذي يسعى اليها المدعي، ونوع الإجراءات القضائية. وينبغي تقييم تحليل التكاليف والفوائد للدعوى القضائية لكل حالة على حدة. ومن المستحسن عمومًا إجراء هذا التحليل أيضًا خلال إعداد استراتيجية الأعمال التجارية المتوسطة والطويلة الأجل للشركة.

نصيحة: التفكير في المخاطر والتكاليف على المدى الطويل

في بعض الأحيان، قد تصبح الاستجابة ”اللينة“ التي يمكن أن توفر تكاليف التقاضي على المدى القصير أكثر تكلفة للشركات على المدى الطويل، لأنها قد تشجع على تكرار اختلاس الأسرار التجارية.

احتمال تحقيق النجاح: قبل البدء بإجراءات المحكمة، يجب تقييم احتمال تحقيق النجاح. والمسألة الرئيسية التي ينبغي أخذها في الاعتبار هي نوع الأدلة التي يستطيع صاحب السر التجاري تقديمها (يرجى الاطلاع على القسم 4).

العلاقات العامة: في بعض الأحيان، يرغب صاحب السر التجاري في تجنب أي دعاية تتعلق بقضايا اختلاس الأسرار التجارية. وعلاوة على ذلك، واعتمادًا على القواعد الوطنية ذات الصلة، فإن مخاطر نشر المعلومات المتعلقة بالأسرار التجارية أثناء إجراءات المحكمة أو عند نشر الأحكام قد تؤثر على قرار أحد الأطراف بشأن البدء بإجراءات المحكمة (يرجى الاطلاع على القسم 6).

الخيارات المتاحة خارج المحكمة

إذا قرر صاحب السر التجاري عدم اللجوء إلى الإجراءات القضائية، يمكنه اتخاذ التدابير التالية:

إرسال خطاب تحذير: إذا كان صاحب السر التجاري لا يخشى تدمير الأدلة بعد إرسال الإخطار، فإن خطاب التحذير يمكن أن يكون خيارًا جيدًا لما يلي:

  • تذكير المختلسين بأي التزامات تتعلق بالسرية وعدم الإفصاح؛

  • مطالبة المختلس بوقف السلوك غير السليم؛

  • مطالبة المختلس بإعادة أو إتلاف (مع تقديم أدلة) المواد المختلسة؛ و

  • إلزام المختلسين بعدم الإفصاح عن المعلومات المختلسة وعدم استخدامها.

عرض الترخيص على المختلس: يمكن أن يعرض صاحب السر التجاري على المختلس ترخيصًا لاستخدام الأسرار التجارية المختلسة. ولكن، يجب أن يقوم بذلك بحذر، ويفضل أن يتم ذلك مع فرض رسوم إضافية للتعويض عن اختلاس الأسرار التجارية الذي حصل قبل حصول المختلس على الترخيص. وإلا فقد يصبح متعارف عليه في الأسواق أن أفضل طريقة للحصول على ترخيص لسر تجاري هي اختلاسه أولا ومن ثم الحصول على الترخيص المناسب.

اقتراح آلية بديلة لحل النزاعات (يرجى الاطلاع على القسم 3.4): قد يكون الدمج بين الحلول القضائية والحلول خارج المحكمة فعالاً في كثير من الأحيان. ففي بعض الأحيان، قد يرتفع احتمال التوصل إلى حل ودي بعد بدء الإجراءات القضائية. وإذا كان من المرجح أن تنتهي إجراءات المحكمة لصالح صاحب السر التجاري، فسوف يواجه المختلس المزيد من الضغوط تحثه على التوصل إلى تسوية. وقد يحصل صاحب السر التجاري أيضًا على شروط تسوية أفضل بهذه الطريقة، وهو ما قد يعوض عن تكاليف الإجراءات القضائية التي تكبدها.

عدم اتخاذ أي إجراء: يمكن أيضا الا يتخذ صاحب السر التجاري أي إجراء. وقد يكون هذا الأمر مناسبًا، على سبيل المثال، إذا لم تكن هناك أدلة كافية على الاختلاس، أو كانت تكاليف الإجراءات القضائية مرتفعة جدًا. ومع ذلك، عند اتخاذ مثل هذا القرار يجب أن يكون صاحب السر التجاري مدرك أن عدم اتخاذ أي إجراء قد يسمح للمنافس بالحصول على ميزة تنافسية والاستفادة من سلوكه غير العادل. وقد يؤدي ذلك أيضًا إلى فقدان المعلومات لوضعها القانوني المتمثل بكونها سرًا تجاريًا.

2.4 المسائل التي يجب أخذها في الاعتبار قبل اللجوء إلى الإجراءات القضائية

الأساس القانوني لحماية الأسرار التجارية في الأنظمة القضائية ذات الصلة

يحق لأصحاب الأسرار التجارية طلب الحصول على سبل انتصاف قانونية في حالة اختلاس الأسرار التجارية، وذلك وفقًا للأساس القانوني للحماية بموجب القوانين الوطنية المعمول بها. على سبيل المثال، قد تستند حماية الأسرار التجارية إلى قوانين محددة تتعلق بالأسرار التجارية أو قوانين المنافسة غير المشروعة أو واجبات السرية بموجب القانون العام، أو يتم تحديدها من خلال العقود وفقًا لقانون العقود المعمول به. وفي بعض البلدان، تعتبر الأسرار التجارية بمثابة ملكية فكرية تخضع لسبل انتصاف محددة. وبطبيعة الحال، فإن الاعتماد على انتهاك بند السرية لحماية سر تجاري في المحكمة قد لا يكون ممكناً دون وجود مثل هذا البند. وفي حال عدم وجود مثل هذا البند، يتعين على أصحاب الأسرار التجارية أن يستندوا في دعوتهم القضائية إلى أساس قانوني آخر لحماية الأسرار التجارية.

وقد يسعى صاحب السر التجاري أيضًا إلى استخدام عدة أسس قانونية في الدعوى المقدمة، عندما يكون ذلك ممكنًا. ولكن المتطلبات للحصول على الحماية القانونية تختلف تبعا لكل اساس قانوني. على سبيل المثال، يفترض الأساس التعاقدي للحماية أن الأطراف أبرمت عقدًا صالحًا وقابلًا للانفاذ وفقًا لقانون العقود الوطني المعمول به، ولكن بموجب قانون المنافسة غير المشروعة، يحتاج المختلس عمومًا إلى أن يكون منافسًا لصاحب السر التجاري.

ويجب تقييم الدعاوى القانونية القابلة للانفاذ ومتطلباتها على أساس كل حالة على حدة وكل بلد على حدة.

الحق في رفع دعوى قضائية

بشكل عام، يحق لصاحب السر التجاري الشرعي أن يبدأ إجراءات قضائية ضد اختلاس السر التجاري (الحق في رفع دعوى قضائية). ولكن، قد يحق لأشخاص آخرين يمتلكون المعلومات بشكل قانوني في ذلك أيضًا. من يحق له رفع دعوى قضائية، وفي أي ظروف يحق للشخص الطبيعي أو القانوني رفع دعوى قضائية يعتمد على النظام القضائي المعني. في كثير من الأحيان، المرخص لهم (2) في حين أن المناقشة الأكاديمية حول ما إذا كان السر التجاري ملكية أم لا قد تؤثر على المؤهلات القانونية لموضوع العقد، فإنه لا جدال تقريبًا في أن الأسرار التجارية (والمعلومات السرية التي لا ترقى إلى مستوى الأسرار التجارية وفقًا للقانون) يمكن التنازل عنها أو نقلها أو ترخيصها. قد يكون لهم أيضًا الحق في رفع دعوى قضائية، على الرغم من أن ذلك يعتمد على عقد الترخيص والقانون الوطني المعمول به.

أمثلة على التباينات فيما يتعلق بالحق في رفع دعاوى قضائية

تعتبر بعض البلدان، مثل الصين، أنه يحق للمرخص لهم حصرياً على الأقل رفع الدعاوى القضائية، بينما في بعض البلدان الأخرى، مثل الأرجنتين، لا يتمتع المرخص لهم بمثل هذا الحق، الا في حال أعطى مانح الترخيص هذا الحق للمرخص له في اتفاقية الترخيص. وفي حالة "العمل مقابل أجر"، يكون صاحب العمل هو عادة الذي يحق له حصريًا رفع دعاوى قضائية باعتباره المالك الشرعي للمعلومات التي ينتجها أو يحصل عليها الموظفون أثناء العمل (على سبيل المثال، Fraser v Evans [1969] 1 QB 349 (UK)).

قانون التقادم

أما بالنسبة للدعاوى القانونية الأخرى، فلا يجوز رفع الدعاوى التي تسعى إلى الحصول على تعويضات عن اختلاس الأسرار التجارية إلا من قبل أصحاب الأسرار التجارية وضمن فترة زمنية معينة من تاريخ علمهم بوقوع فعل اختلاس الأسرار التجارية أو تاريخ وقوعه. ونظرًا لأنه لا يمكن الوصول إلى يقين قانوني و"سلام قانوني" بدون قانون التقادم، فإن الدعاوى المتعلقة بالأسرار التجارية قد تكون عمومًا مُقَيَّدة زمنياً. ولكن القواعد المتعلقة بفترات التقادم في مسائل الأسرار التجارية ليست موحدة على المستوى الدولي.

  • فترة التقادم: بشكل عام، إن فترة التقادم لاختلاس ذات حجم كبير أو لاختلاس يعتبر جريمة جنائية، ستكون أطول من فترة التقادم للجزاءات المدنية. وفي كثير من الأحيان، تتراوح فترة التقادم في البلدان المختلفة ما بين ثلاث إلى ست سنوات.

  • بداية فترة التقادم أو انهائها أو تعليقها: بشكل عام، تبدأ فترة التقادم من تاريخ الاختلاس المزعوم، أو من اللحظة التي أصبح فيها صاحب السر التجاري على علم بالاختلاس المزعوم أو التي كان من المفترض أن يصبح مطلعا على هذا الاختلاس لو أنه مارس العناية الواجبة.

    هناك أيضًا ظروف مثل بدء الإجراءات القانونية، أو إرسال اتصالات معينة إلى الطرف الآخر، أو اعتراف الطرف الآخر بالاختلاس، والتي قد تؤدي إلى تعليق  (3)التعليق يجمد الوقت المنقضي بالفعل دون محوه، وبالتالي، عندما يتوقف الحدث الذي تسبب في التعليق، تبدأ فترة التقادم في السريان مرة أخرى من حيث توقفت. أو قطع  (4)قطع فترة التقادم يمحو الفترة التي انقضت حتى وقت القطع ويبدأ فترة جديدة بنفس المدة. فترة التقادم.

3. ما هي سبل الانتصاف المتاحة في المحكمة أو في المحافل البديلة؟

يمكن لأصحاب الأسرار التجارية التماس أنواع مختلفة من سبل الانتصاف في حالات الاختلاس. ويناقش هذا القسم بعضًا منها بمزيد من التفصيل.

3.1 الأمر القضائي

من خلال الأمر القضائي، يمكن منع وقوع المزيد من أفعال الاستحواذ على الأسرار التجارية أو الكشف عنها أو استخدامها. وبالنسبة للمنتجات التي تم انتاجها بالاستناد إلى الأسرار التجارية المختلسة، قد يحظر الأمر القضائي أيضًا إنتاج تلك المنتجات أو عرضها للبيع أو طرحها في السوق أو استخدامها، أو استيرادها أو تصديرها أو تخزينها لهذه الأغراض.

وتفرض المحاكم عادة غرامات في حالة عدم الامتثال للأوامر القضائية وتتكرر هذه الغرامات طالما بقيت هذه الحالة قائمة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من البلدان تعتبر عدم الامتثال لأمر المحكمة بمثابة جريمة.

وإن مسألة ما إذا كانت المحاكم تتمتع بسلطة تقديرية لإصدار أوامر قضائية أم لا، وإلى أي مدى، هي مسألة مثيرة للجدل إلى حد كبير وتتجاوز قانون الأسرار التجارية. وفي البلدان التي تطبق القانون العام، تعد الأوامر القضائية عادة سبل انتصاف تخضع للسلطة التقديرية للمحكمة المعنية، وهي عادلة بطبيعتها، ولا تُمنح تلقائيًا ولكن فقط إذا رأت المحكمة أنها مناسبة، مع الأخذ في الاعتبار الظروف المحددة للقضية. أما في البلدان التي تطبق القانون المدني، فعلى العكس من ذلك، فإن الأوامر القضائية تعتبر تقليديا بمثابة سبل انتصاف تلقائية أو شبه تلقائية بمجرد اكتشاف أي انتهاك. ويبدو أن المواقف المتباينة أصبحت متقاربة اكثر في السنوات الأخيرة، وفي المسائل المتعلقة بالأسرار التجارية، قد يتم الأخذ بالاعتبار مدى ملاءمة الأمر الصادر بشكل أفضل مقارنة بقانون البراءات، على سبيل المثال.

مثال على دعوى قضائية: هيرايوس ضد زيمر بيوميت (إيطاليا)

تتعلق هذه القضية بإختلاس الأسرار التجارية لمنتج تكنولوجي طبي. وارتأت محكمة ميلانو بأن إصدار أمر قضائي من شأنه أن يؤثر سلباً على أطراف خارجية، بما في ذلك مؤسسات الصحة العامة، التي كانت لديها اتفاقيات مع المختلس لتوريد المنتج الطبي المعني.

وتطبيقا لمبدأ التناسب، أصدرت المحكمة أمراً قضائياً بفترة سماح مدتها عام واحد (أي أن الأمر القضائي لن يدخل حيز التنفيذ إلا بعد مرور عام واحد). واعتبرت المحكمة أن سنة واحدة كافية لضمان استمرارية توريد المنتج الطبي إلى الإدارات العامة والمرافق الاستشفائية وإجراء مناقصات عامة عاجلة لشراء منتجات مماثلة وتدريب طاقمها الطبي عليها. وخلال فترة السماح، يكون المختلس مرغما على التعويض عن الأضرار المالية كبديل للأمر القضائي الفوري.

وقد خضعت نفس القضية للتقاضي في عدة بلدان. ورغم أن مبدأ التناسب يختلف باختلاف القضية، فإن القضية الإيطالية فريدة من نوعها بسبب منح فترة سماح.

المصدر: يرجى الاطلاع علىHeraeus Medical GMB - Heraeus S.P.A. v. Zimmer Biomet Italia S.R.L.- Unknown company, Tribunale di Milano, Sezione specializzata in materia di impresa, May 16, 2019, in Trade Secrets Litigation Trends in the EU (2023). مكتب الملكية الفكرية للاتحاد الأوروبي، ص 89 وما بعدها. متاح على الرابط التالي: https://data.europa.eu/doi/10.2814/565721 .

الأمر القضائي الأولي

من جانب طرف واحد بشكل طارئ، وبالتالي يتم إصدارها في وقت أقصر وبتكاليف أقل من الأوامر القضائية التي تصدر بعد المحاكمة على أساس الحقائق المقدمة. ولمنع الكشف عن سرية المعلومات، تعتبر الأوامر القضائية الأولية مهمة بشكل خاص في المسائل المتعلقة بالأسرار التجارية.

وفي العديد من البلدان، قد تصدر المحاكم أوامر قضائية أولية قبل أو أثناء الإجراءات القضائية التي تستند إلى الحقائق المقدمة إذا:

  • كان من المحتمل تحقيق النجاح في الإجراءات القضائية التي تستند إلى الحقائق المقدمة؛

  • من المتوقع وقوع ضرر جسيم أو لا يمكن تعويضه خلال الوقت اللازم للحصول على أمر قضائي بعد اصدار القرار النهائي على أساس الحقائق المقدمة.

  • أثبت مقدم الطلب أن المسألة عاجلة.

وبشكل عام، تكون الأوامر القضائية الأولية مؤقتة وتهدف إلى الحفاظ على حق صاحب السر التجاري خلال الفترة اللازمة للوصول إلى حكم على أساس الحقائق المقدمة، ويمكن للمحكمة أن تمنح أمر قضائي بعد التقييم الكامل للقضية خلال هذه الفترة. ولذلك، يتعين على أصحاب الأسرار التجارية بدء الإجراءات القضائية خلال فترة زمنية معينة بعد الإجراءات التي تم اتخاذها بشكل طارئ.

وفي الحالات الطارئة الخاصة أو عندما يكون من الممكن إحباط تنفيذ الأمر القضائي في حال تم إرسال إخطار مسبق، فإن العديد من البلدان تسمح بإصدار أوامر قضائية أولية من جانب واحد دون الاستماع إلى المتهم بالاختلاس.

وفي العديد من البلدان، تتمتع المحاكم بسلطة تقديرية لإصدار أمر قضائي أولي وقد تأخذ في الاعتبار عوامل معينة مثل الضرر الذي لا يمكن تعويضه الذي يلحق بصاحب السر التجاري، والموازنة بين المصالح والموازنة بين الأضرار (اي تحقيق التوازن بين الآثار الإيجابية أو السلبية النسبية على الأطراف إذا تم منح أمر قضائي أولي أو رفضه). من أجل تحقيق التوازن بين حقوق المختلس المزعوم، قد تطلب المحاكم في العديد من البلدان، مثل بلجيكا واليابان وبولندا والسويد والمملكة المتحدة، ضمانًا أو سندًا مناسبًا من صاحب السر التجاري لضمان تعويض المدعى عليه عن الخسائر المحتملة من خلال منح الأمر الزجري الأولي، إذا أظهرت الإجراءات المتعلقة بالأسس الموضوعية أن الأمر الزجري الأولي لم يكن ينبغي منحه.

بالإضافة إلى ذلك، ووفقاً للمادة 50.4 من اتفاقية تريبس، في حالة الأمر الزجري الأولي من جانب واحد، يجب إخطار الأطراف المتأثرة بالأمر القضائي، دون تأخير، بعد تنفيذ التدابير، كما يتعين إجراء مراجعة في حال طالب المدعى عليه بذلك.

كبديل للأمر الزجري الأولي، في بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، من الممكن أيضًا أن تطلب المحاكم من المتهم بالاختلاس ضمانًا مناسبًا للدفع مقابل استمرار الاستخدام غير القانوني المزعوم للسر التجاري لضمان حصول صاحب السر التجاري على تعويض، في حالة ثبوت انتهاك حق صاحب السر التجاري في الإجراءات اللاحقة بشأن موضوع الدعوى.

مهلة الأمر القضائي

بشكل عام، تبقى الأوامر القضائية سارية المفعول طالما بقيت المعلومات سرًا تجاريًا. وبمجرد أن تفقد المعلومات طابعها السري من خلال الكشف عنها على سبيل المثال، وبالتالي لا يمكن اعتبارها سرا تجاريا بعد الآن، فقد يتم رفع الأمر القضائي.

ومن الواضح أنه بمجرد أن يصبح المختلس مطلعا على السر التجاري، فلا يمكن محوه من ذهنه. وإذا انتهت مدة صلاحية حماية الأسرار التجارية وانتهت مدة صلاحية الأمر القضائي أو تم رفعه، يمكن للمختلس استخدام المعرفة المختلسة في السوق ويكون متقدما على الآخرين الذين أصبحوا مؤخرا مطلعين على المعلومات. ولذلك، وفي بعض البلدان، مثل أستراليا وكندا وسنغافورة والمملكة المتحدة، قد يتم إصدار ما يسمى بـ "أمر نقطة انطلاق"، والذي يأخذ في الاعتبار أن الأمر القضائي ضد المنافس يجب أن يستمر على الأقل لمدة مماثلة للوقت الذي كان من الممكن أن يستغرقه الحصول على المعلومات بشكل قانوني. ولذلك، قد تمدد المحكمة الأمر القضائي في بعض الحالات حتى بعد انتهاء مدة صالحية السر التجاري، حتى يلحق باقي السوق بالمختلس. وبشكل عام، يتم حساب مدة "أمر نقطة انطلاق" على أنها الوقت الذي كان من الممكن أن يستغرقه المخالف لإجراء هندسة عكسية مشروعة والحصول على السر التجاري أو اكتشاف السر التجاري بشكل مستقل.

أمر قضائي لفرض قيود على الوظائف اللاحقة

في الأنظمة القضائية التي تسمح باتفاقيات عدم المنافسة بين أصحاب العمل وموظفيهم، من أجل حماية أسرارهم التجارية بشكل غير مباشر، يجوز لأصحاب العمل منع الموظفين من التنافس معهم بعد تركهم الشركة. ورغم ذلك، وحتى بدون مثل هذه الاتفاقيات، عندما يتم اختلاس السر التجاري من قبل موظف سابق ينضم إلى منافس، يمكن لصاحب السر التجاري أن يحاول منع الموظف من العمل لدى المنافس لتجنب خطر الكشف عن السر التجاري واستخدامه على نطاق أوسع. وبما أنه يجب تحقيق نوع من التوازن بين حقوق صاحب العمل في الأسرار التجارية وحق الموظف في الانتقال من شركة إلى أخرى، فإن مثل هذه الأوامر القضائية التي تفرض قيود على فرص العمل اللاحقة للموظف لا تُمنح بشكل عام إلا في حالات نادرة.

مثال على أمر قضائي يفرض قيود على الوظائف اللاحقة

منحت المحكمة العليا في جمهورية كوريا أمرًا قضائيًا يفرض قيود على فرص العمل اللاحقة لموظف سابق حتى في غياب اتفاقية عدم المنافسة، لأن المحكمة اعتبرت أنه من المستحيل حماية السر التجاري لصاحب العمل السابق دون فرض هذا الحظر.

المصدر: يرجى الاطلاع على المحكمة العليا لجمهورية كوريا، حكم 16 يوليو/تموز 2003، القضية رقم 2002ma4380.

وبموجب ما يسمى بمبدأ الكشف الحتمي، والذي ينطبق، على سبيل المثال، في الأرجنتين وبعض الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية، يجوز للمدعي الحصول على أمر قضائي إذا أثبت أن الموظف السابق سوف يستخدم أو يكشف حتماً عن سر تجاري لصاحب العمل السابق خلال العمل الجديد، مما يؤدي إلى الحاق الضرر بصاحب العمل السابق نتيجة لذلك.

مثال على الكشف الحتمي

تم تطبيق مبدأ الإفصاح الحتمي عندما استقال أحد كبار المديرين التنفيذيين للعمل لدى شركة منافسة في نفس السوق المتخصصة، وكذّب على صاحب العمل بشأن خططه المستقبلية. وخلصت المحكمة إلى أنه من المستحيل على الموظف السابق أداء وظيفته الجديدة دون الاعتماد على أسرار العمل السابقة خلال عمله لدى صاحب العمل الجديد، أو دون الكشف عنها لصاحب العمل الجديد.

المصدر: يرجى الاطلاع "PepsiCo, Inc. v. Redmond, 54 F.3d 1262, 1269 (7th Cir. 1995), citing Teradyne, Inc. v. Clear Communications Corp., 707 F. Supp. 353, 356 (N.D.Ill. 1989)".

3.2 سبل الانتصاف النقدية

تشكل سبل الانتصاف النقدية الأداة الرئيسية الثانية لأصحاب الأسرار التجارية ضد اختلاس الأسرار التجارية.

وكما أشرنا اليه سابقًا، فإن الأساس القانوني لحماية الأسرار التجارية قد يختلف بشكل كبير لبن نظام قضائي وآخر، والعديد من البلدان لا تمتلك أحكامًا محددة بشأن الأسرار التجارية. وبدلاً من ذلك، فإنهم يعتمدون على أسباب مختلفة لرفع الدعاوى مثل انتهاك قانون المنافسة غير العادلة، وانتهاك قانون المسؤولية التقصيرية، وانتهاك العقود، وانتهاك الثقة، وانتهاك الالتزامات المعنوية بموجب القانون العام. وتؤثر هذه الأسباب المختلفة أيضًا على طرق التعويض عن الأضرار. على سبيل المثال، في حال تم رفع دعوى بشأن خرق العقد، فإن تحديد كمية الأضرار يعتمد بشكل أساسي على ما ينص عليه العقد. وبالإضافة إلى ذلك، تقتصر عادة المسؤولية التعاقدية على الأضرار التي كانت متوقعة عند دخول الأطراف في العقد، في حين ان هذا الأمر لا ينطبق بشكل عام على الأضرار التي يتم تحديدها بموجب قانون المسؤولية التقصيرية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من اختلاف الأساس القانوني، يوجد إجماع واسع النطاق بشأن سبل الانتصاف النقدية المتاحة، على الأقل حول ميزاتها الأساسية. أولاً، يجب أن يكون هناك ارتباط سببي بين الاختلاس المزعوم للأسرار التجارية والخسائر التي يطالب بها أصحاب الأسرار التجارية أو الإثراء غير العادل للمختلس. ثانياً، يتحمل أصحاب الأسرار التجارية عبء إثبات مقدار الأضرار. ومن الناحية العملية، قد يكون تحديد حجم الأضرار وإثباته مهمة معقدة.

ويمكن تصنيف سبل الانتصاف النقدية وفقًا لوظائفها.

التعويض عن الأضرار

الغرض من التعويض عن الأضرار هو إعادة الطرف الذي لحق به الضرر إلى نفس الوضع قبل تعرضه للحادث (كأن الحادث لم يحصل أبدًا). ولذلك، وفي حالة اختلاس السر التجاري، يجوز لصاحب السر التجاري المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به بسبب فقدان السيطرة على المعلومات. وبشكل عام، يغطي التعويض عن الأضرار الخسائر التي تكبدها صاحب السر التجاري والأرباح التي لم يحققها بسبب الاختلاس.

الخسائر التي تكبدها صاحب السر التجاري (بما في ذلك الأضرار غير الاقتصادية المحتملة)

قد تشمل "الخسائر التي تكبدها صاحب السر التجاري" الاستثمارات التي خسرها (على سبيل المثال، الاستثمارات في أنشطة البحث والتطوير للمنتجات أو في توفير الخدمات المرتبطة بالأسرار التجارية)، ونفقات التحقيق في الاختلاس والاستعداد للإجراءات القضائية.

الأرباح التي لم يحققها صاحب السر التجاري بسبب الاختلاس

يتطلب تحديد الأرباح التي لم يحققها صاحب السر التجاري إجراء تحليل معاكس للواقع واحتساب الفرق بين التدفقات النقدية في السيناريو الواقعي (أي التدفقات النقدية الفعلية بعد حدوث الاختلاس) وفي السيناريو المعاكس للواقع (أي التدفقات النقدية المتوقعة لو لم يحدث الاختلاس).

الإتاوات المعقولة

يمكن استخدام طريقة أخرى لحساب الأضرار وهي الاعتماد على ما يسمى بـ"الإتاوة المعقولة" التي كان من المفترض أن يتفق عليها المرخص والمرخص له مقابل الترخيص ضمن إطار مفاوضات افتراضية. ولذلك، ينبغي أن يستند حساب الإتاوة المعقولة إلى معدل الإتاوة المتعارف عليه في السوق. ويمكن أن تكون الإتاوة المعقولة على شكل دفعات متكررة، أو مبلغ مقطوع، أو مزيج من الاثنين. ولكن تطبيقها على الحالات المتعلقة بالأسرار التجارية قد يواجه تحديات خاصة بسبب الطبيعة السرية للأسرار التجارية وندرة التراخيص المماثلة لتحديد قيمة الإتاوة بشكل معقول.

وتجدر الإشارة إلى أن حساب قيمة الأضرار بشكل دقيق قد يشكل مهمة شاقة للغاية بالنسبة لصاحب السر التجاري. ولذلك، قامت المحاكم والمشرعون بإعتماد بعض الآليات التي يمكن أن تساعد أصحاب الأسرار التجارية في هذا المجال والتخفيف من هذا العبء.

وتوفر القوانين في بعض البلدان إرشادات صريحة لتحديد الأضرار. وبالإضافة إلى ذلك، توفر بعض البلدان حد أدنى وحد أقصى لقيمة الأضرار في حالات اختلاس الأسرار التجارية ضمن إطار ظروف معينة، على سبيل المثال، إذا لم يكن من الممكن تحديد الخسارة الفعلية التي تكبدها صاحب السر التجاري أو الأرباح التي حصدها المختلس.

تعويضات التجريد

الغرض من تعويضات التجريد هو تجريد المختلس من الأرباح التي حققها على حساب الطرف المتضرر. ولذلك يتم حساب الضرر بشكل عام من خلال النظر إلى الأرباح التي حققها المختلس وليس الخسائر الت تكبدها صاحب السر التجاري/الطرف المتضرر.

وأحد المسائل الصعبة التي يتعين معالجتها في كل حالة هو: في حالة ارتباط جزء فقط من المنتج أو الخدمة التي يقدمها المختلس بالسر التجاري، ما هو الجزء من أرباح المختلس الذي ينبغي حسابه كإثراء غير مشروع.

مثال على تعويضات التجريد

في إحدى القضايا الأسترالية، قدم موظف سابق معلومات إلى شركة أخرى بصفته مستشارًا مدفوع الأجر مستخدمًا السر التجاري لصاحب العمل السابق. واعتبرت المحكمة أن الموظف السابق الذي انتهك اتفاقية السرية مع صاحب العمل السابق حقق أرباحًا سواء من خلال خرق العقد أو من خلال الجهود التي بذلها وخبراته الشخصية. وبالتالي، تم حساب نسبة أرباح الموظف السابق وفقًا لذلك لتحديد قيمة التعويض.

المصدر: يرجى الإطلاع على "المحكمة الفيدرالية الأسترالية، Bluescope Steel Ltd v Kelly (2007) 72 IPR 289".

التعويضات التأديبية

بشكل عام، يتم فرض تعويضات تأديبية على المخالف الذي تصرف عن سابق تصور وتصميم وبطريقة سيئة جدا. وبحسب تقدير المحكمة، قد يتم منح تعويضات تتجاوز قيمة الأضرار الفعلية. والهدف هو معاقبة المختلسين، وردعهم وردع الآخرين عن القيام بأعمال مماثلة. ويتم منح التعويضات التأديبية تقليديا في الأنظمة القضائية التي تطبق القانون العام مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ولكنها متاحة أيضا في بعض الأنظمة القضائية التي تطبق القانون المدني مثل الصين.

أتعاب المحاماة وتكاليفها

بالإضافة إلى الأضرار، من الشائع أن يتمكن الطرف الناجح من استرداد، على الأقل جزئيًا، أتعاب المحاماة والتكاليف القانونية التي تكبدها خلال الإجراءات القضائية. وتحدد المحكمة عادة قيمة الرسوم والتكاليف التي سيستردها الطرف الناجح وفقا لظروف القضية ومدى تعقيدها وضمن الحد الأدنى والحد الأقصى الذي يحدده القانون المعمول به.

وترتبط سبل الانتصاف النقدية المتاحة وكيفية حسابها بالنظام القضائي ومجريات الدعوى. وتتيح العديد من القوانين فرض عدة أنواع من سبل الانتصاف النقدية واستخدام طرق حساب مختلفة في نفس القضية. والمبدأ العام هو عدم استخدام نفس فئة التعويض أكثر من مرة لنفس الضرر. ويتم في كثير من الأحيان منح تعويضات نموذجية، لها غرض عقابي مستقل خاص بها، بالإضافة إلى سبل الانتصاف النقدية الأخرى، ندما يكون ذلك ممكنا.

وفي الدعاوى القضائية، قد يتم حساب الأضرار بشكل منفصل، بعد أن يتم اتخاذ القرار النهائي بشأن القضايا المتعلقة بوجود السر التجاري وإختلاسه. وفي بعض البلدان، من الشائع أيضًا أن تتلقى المحاكم شهادات من خبراء يقدمون رأيهم بشأن القضايا الاقتصادية، مما يساعد المحكمة على تحديد الأضرار وتبريرها.

مثال على دعوى قضائية: شركة PPG Indus. ضد شركة Jiangsu Tie Mao Glass Co (الولايات المتحدة الأمريكية)

في دعوى بشأن إختلاس سر تجاري يتعلق بنوع جديد من البلاستيك لنوافذ الطائرات، أصدرت محكمة الاستئناف الأمريكية في الدائرة الثالثة حكماً بمنح تعويضات عن الإثراء غير المشروع.

وقد منحت المحكمة المدعي التكاليف الإضافية التي كان المدعى عليه سيتحملها لتطوير التكنولوجيا المختلسة دون الاستفادة من الأسرار التجارية. وأيدت محكمة الاستئناف قرار المحكمة المقاطعة الذي يقضي بأن تكاليف البحث والتطوير تشكل مقياسًا مناسبًا لإثراء المدعى عليه بشكل غير مشروع. وأيدت المحكمة أيضًا حكم المحكمة الابتدائية بمنح المدعي تعويضات نموذجية، حيث ضاعفت قيمة الأضرار النقدية لأن اختلاس المدعى عليه كان متعمدًا وخبيثًا.

ومنحت المحكمة أيضًا تعويضًا زجريًا، مشيرة إلى أن "الأضرار والأمر القضائي الدائم غطت فترات منفصلة تمامًا من الاستخدام الماضي والمستقبلي المحتمل للأسرار التجارية المختلسة".

المصدر: يرجى الاطلاع على شركة PPG Indus. ضد شركة Jiangsu Tie Mao Glass Co، 47 F.4th 156 (3d Cir. 2022)

3.3 سبل الانتصاف الأخرى

بالإضافة إلى الأوامر القضائية وسبل الانتصاف النقدي، توفر المحاكم والتشريعات عمومًا سبل انتصاف إضافية لحماية الأسرار التجارية. وهي تشمل ما يلي:

  • إتلاف أو إرجاع أي مستند أو شيء أو مادة أو ملف إلكتروني يحتوي على السر التجاري أو يجسده إلى صاحب السر التجاري (أمثلة: كندا والصين والهند وسنغافورة).

  • الإجراءات المتعلقة بالسلع المخالفة، ويشمل ذلك: (أ) سحبها من السوق؛ (ب) اتلافها/تدميرها؛ و(ج) مصادرتها (أمثلة على الأنظمة القضائية التي اعتمدت تدبير أو أكثر من التدابير المذكورة: البرازيل والهند واليابان والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة بالإضافة إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تنفذ توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن الأسرار التجارية).

  • اتلاف/تدمير أو إزالة المواد و/أو المعدات (بشكل أساسي) المستخدمة في إنتاج السلع المخالفة (أمثلة: إيطاليا واليابان والاتحاد الروسي).

  • التنازل عن ملكية السلع المخالفة و/أو الأدوات المصممة بشكل خاص لتصنيع السلع المخالفة أو تنفيذ العملية المخالفة (مثال: إيطاليا).

  • نشر الحكم، كليًا أو جزئيًا، مع الحفاظ على السرية، (5)يرجى الاطلاع على القسم 6.4 أدناه. أو اتخاذ تدابير أخرى لنشر المعلومات المتعلقة بالقرار (على سبيل المثال، راجع توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن الأسرار التجارية). ويتم عادة نشر المعلومات في الصحف أو على الإنترنت، في المجلات المتخصصة في الصناعة ذات الصلة. وقد تأمر المحكمة بنشر حكمها على الموقع الإلكتروني للمُختلس.  (6)على سبيل المثال، يرجى الاطلاع على قضية Salt Ship Design AS ضد Prysmian Powerlink SRL [2021] EWHC 3583، حيث أمرت محكمة بريطانية المدعى عليه بنشر بيان على موقعه الإلكتروني، لمدة ستة أشهر، يُعلن فيه أن المحكمة قد حكمت بأن المدعى عليه أساء استخدام معلومات المُدّعي السرية، مع رابط للحكم الكامل.

ويمكن أيضًا الحصول على بعض سبل الانتصاف هذه في شكل تدابير مؤقتة، مثل مصادرة أو تسليم البضائع المشتبه بأنها مخالفة، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن خلال الفترة اللازمة للوصول إلى قرار كامل بشأن موضوع الدعوى.

وترتبط امكانية توفير وتطبيق سبل الانتصاف الأكثر شيوعاً هذه بالتشريعات الوطنية والسوابق القضائية. وبالإضافة إلى ذلك، قد تكون بعض سبل الانتصاف الإضافية الخاصة متاحة في بعض الحالات. على سبيل المثال، يسمح قانون الأسرار التجارية الفيدرالي الأمريكي للمحكمة بمنع نشر المزيد من الأسرار التجارية من خلال عمليات المصادرة من جانب واحد.  (7)كلوديا راي، جوزيف لوي، ميريام كونتوه وأندرو (كوم يونغ) لي (2024). الولايات المتحدة الأمريكية: القانون والممارسة. في أدلة الممارسة العالمية للغرف التجارية، الأسرار التجارية 2024، ص 229. https://chambers.com/downloads/gpg/1014/trade_secrets_2024.pdf. وتكمن خصوصية هذا الأمر في أن الممتلكات التي يجوز مصادرتها قد تكون متنوعة للغاية ولا تقتصر على السلع المخالفة، كما هو الحال عادة في حالة مصادرة الملكية الفكرية. ويمكن العثور على مثال آخر في قانون الاتحاد الروسي، حيث يجوز للمحكمة أن تأمر بحل كيان قانوني إذا انتهك الكيان حقوق الملكية الفكرية بشكل متكرر.  (8)المادة. 1253 من القانون المدني للاتحاد الروسي (الاتحاد الروسي). الترجمة الإنجليزية متاحة في قاعدة بيانات ويبو لكس https://www.wipo.int/wipolex/en/main/legislation.

3.4 الآليات البديلة لحل النزاعات

المسائل عامة المتعلقة بالآليات البديلة لحل النزاعات التي ينبغي أخذها بالاعتبار

كبديل للإجراءات القضائية، قد يحاول أطراف النزاع المتعلق بالأسرار التجارية التوصلّ إلى حل ودي من خلال التفاوض المباشر أو اللجوء إلى الآليات البديلة لحل النزاعات، مثل الوساطة أو التحكيم، حيث يقوم طرف خارجي بتقديم المساعدة للوصول إلى حل أو يوفر التوجيهات لتحقيق ذلك.

وتلجأ الأطراف إلى الآليات البديلة لحل النزاعات بالتراضي ويمكن استخدامها في أوقات مختلفة من خلال:

  • اللجوء إلى بند الآليات البديلة لحل النزاعات المستقبلية الوارد في عقد معين (على سبيل المثال، عقد العمل أو عقد أنشطة البحث والتطوير)، أو 

  • اتفاق احتكامي للنزاعات القائمة، بما في ذلك تلك التي تم احالتها من المحاكم.  (9)يوفر موقع مركز الويبو للتحكيم والوساطة (https://www.wipo.int/amc/en/) معلومات حول حسنات الآليات البديلة لحل النزاعات والخدمات المتنوعة التي يقدمها المركز. ويوفر الموقع ايضا نماذج لبنود العقود والاتفاقات الاحتكامية بالعديد من اللغات لتسهيل إحالة النزاعات المتعلقة بالملكية الفكرية والتكنولوجيا (بما في ذلك الأسرار التجارية) إلى إجراءات الويبو لتسوية النزاعات بطرق بديلة. يرجى الاطلاع أيضًا على الملحق لهذا الدليل (قائمة المواد المرجعية).

ان الآليات البديلة لحل النزاعات هي عادة بدائل فعالة من حيث الوقت والتكلفة للإجراءات القضائية، وبالتالي، يمكنها أن توفر فوائد كثيرة في سياق النزاعات المرتبطة بالأسرار التجارية. وتمنح الآليات البديلة لحل النزاعات الأطراف المرونة اللازمة للتوصل إلى حل خاص بهم ضمن إطار واحد ومحايد. وإحدى الحسنات الرئيسية الأخرى للآليات البديلة لحل النزاعات هي سرية عملية حل النزاعات ونتائجها، وهي ميزة مهمة جدا عندما يتعلق الأمر بالسمعة التجارية والأسرار التجارية.

الوساطة

الوساطة هي إحدى الآليات البديلة لحل النزاعات، وهي تتطلب تدخل طرف خارجي محايد (يسمى الوسيط) لمساعدة الأطراف على التوصل إلى تسويةٍ مُرضيةٍ للنزاع، بناءً على مصالحهم الخاصة.  (10)وفقًا لإحصاءات الويبو، أكثر من 70% من إجراءات الوساطة التي يُديرها مركز الويبو للتحكيم والوساطة تُفضي إلى اتفاق تسوية. يرجى الاطلاع على ملخص القضايا المعروضة على الويبو، المتوفر على: https://www.wipo.int/amc/en/center/caseload.html. يمكن تطبيق أي تسوية من خلال ابرام عقد أو، وفقا للنظام القضائي، من خلال أمر من المحكمة.

وبالإضافة إلى كون الوساطة فعالة من حيث الوقت والتكلفة بشكل خاص، قهي توفر أيضا العديد من الفوائد الأخرى للأطراف المعنية بالنزاعات المتعلقة بالأسرار التجارية. وهي إجراء غير ملزم ويستند إلى مصالح الأطراف المعنية. وهي تمنح الأطراف السيطرة على العملية ونتائجها، حيث لا يكون هناك نتيجة ملزمة إلا إذا وافقت عليها الأطراف. وتوفر الوساطة قدرة كبيرة على التحكم في السرية ولا يمكن إجبار الأطراف على تقديم مستندات أو الكشف عنها. وعلاوة على ذلك، يمكن للأطراف أن يلتزموا بعدم الكشف عن أي معلومات أو وثائق تمت مشاركتها، حتى كدليل في إجراءات قضائية أو تحكيمية مستقبلية محتملة.

التحكيم

التحكيم هو عملية توصل الأطراف إلى اتفاق بعد عرض النزاع على حَكم (أو أكثر) متخصص في المجال ذي الصلة، والذين يتخذ قرارًا ملزمًا بشأن النزاع. وعلى عكس الوساطة، بمجرد أن يتفق الأطراف على إحالة النزاع إلى التحكيم، لا يمكن لأي طرف الانسحاب من الإجراء من جانب واحد، ويكون الحُكم النهائي للحَكم مُلزما لجميع الأطراف. ولذلك، لا يتم اللجوء عادة إلى المحاكم عند الاتفاق على التحكيم. وقرار التحكيم لا يستند إلى المصالح المتبادلة للأطراف، بل إلى حقوق والتزامات الأطراف كما يحددها الحكم (أو الحكام). ويهدف التحكيم إلى حل النزاع وفقاً للقانون المعمول به، وليس إلى تسوية القضية بطريقة مرضية لجميع الأطراف.

ويتمتع التحكيم بالعديد من الحسنات مقارنة بالإجراءات القضائية: (أ) يمكن أن تكون إجراءات التحكيم مرنة - اذ يتم عادة اختيار الحكم (او الحكام) والقانون المطبق واللغة المعتمدة خلال الإجراء ومقر التحكيم من قبل الأطراف؛ (ب) إذا لم يمتثل الطرف الخاسر لقرار التحكيم، يمكن انفاذ القرار في معظم أنحاء العالم بموجب "اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وإنفاذها" لعام 1958؛ (ج) قد تكون تكاليف إجراء تحكيم واحد أقل مقارنة بالدعاوى القضائية المعقدة والعابرة للحدود والتي تتطلب تدخل عدة محاكم وطنية مختلفة.

ويعتمد تحديد الوسيلة الأفضل بين التحكيم والإجراءات قضائية على الظروف المحددة للقضية والمكان الذي يمكن فيه رفع الدعوى القضائية. في بعض الحالات، قد يصل حاملو الأسرار التجارية إلى استنتاج مفاده أن الإعفاء الذي يمكن الحصول عليه من خلال التدابير القضائية المؤقتة لحماية حقوقهم أو الحفاظ على الأدلة، مثل أوامر التفتيش أو المصادرة من جانب واحد، يفوق فوائد التحكيم.

4. كيفية بناء دعوى قضائية قوية بشأن الأسرار التجارية

إذا قرر صاحب سر تجاري أو المرخص له (حيثما ينطبق ذلك) بدء دعوى قضائية، فهناك العديد من المسائل التي يجب التفكير فيها قبل اتخاذ أي إجراء.

4.1 تحديد المدعى عليهم

أحد الخيارات المهمة التي يجب عليك اتخاذها هو تحديد الجهة او الجهات التي تريد مقاضاتها. ومن المرجح أن يتم توجيه أصابع الاتهام ضد المختلس المباشر. ولكن، قد يكون من المناسب رفع دعوى ضد أطراف إضافية في حالات معينة.  (11)يرجى الاطلاع على القسم 2.1 بشأن اختلاس الأسرار التجارية.

على سبيل المثال، إذا قام موظف سابق ترك الشركة للعمل لدى شركة منافسة بالحصول على الأسرار التجارية لصاحب العمل السابق أو توزيعها أو استخدامها بشكل غير مشروع، فقد يكون من المناسب أيضا مقاضاة الشركة المنافسة التي وظفت الموظف السابق. والأساس القانوني لمثل هذا الإجراء هو المسؤولية المباشرة أو غير المباشرة لصاحب العمل الجديد، وفقًا لظروف القضية والقانون المعمول به. ويمكننا أن نتخيل سيناريوهات مختلفة.

  • إذا كان صاحب العمل الجديد على علم بالاختلاس مسبقًا، فمن المرجح أن يكون صاحب العمل مسؤولاً بشكل مباشر عن الاختلاس، إلى جانب الموظف الجديد الذي ارتكب الفعل الخاطئ (مثل استخدام السر التجاري بشكل غير مشروع أو مشاركة السر التجاري مع الزملاء في الشركة الجديدة).

  • وعلى نحو مماثل، يمكن تحميل صاحب العمل الجديد المسؤولية إذا تم تحريض الموظف الجديد أو تضليله من قبل صاحب العمل الجديد للانخراط في عمل من أعمال الاختلاس.

  • وبشكل عام، يتحمل صاحب العمل الجديد أيضا المسؤولية إذا كان يعلم، أو كان ينبغي له أن يعلم، أن الموظف ارتكب اختلاسًا للأسرار التجارية.

  • في بعض الحالات، قد يصل حاملو الأسرار التجارية إلى استنتاج مفاده أن الإعفاء الذي يمكن الحصول عليه من خلال التدابير القضائية المؤقتة لحماية حقوقهم أو الحفاظ على الأدلة، مثل أوامر التفتيش أو المصادرة من جانب واحد، يفوق فوائد التحكيم.

  • قد يتحمل صاحب العمل أيضًا المسؤولية بالإنابة بسبب العلاقة الخاصة التي تربطه بالموظف، وذلك وفقا لقانون المسؤولية التقصيرية العام، أو قانون العمل أو قانون المنافسة غير المشروعة، وتختلف هذه القوانين بين الأنظمة القضائية.

وبمجرد الحصول على المعلومات المتعلقة بالأسرار التجارية بطريقة غير قانونية من قبل طرف خارجي، يمكن تناقلها بسهولة من شخص إلى آخر، دون أي إشارة إلى أن المعلومات تعود ملكيتها إلى صاحب السر التجاري الشرعي. وبالتالي، قد يتلقى بعض الأشخاص هذه المعلومات من دون أي معرفة بأنها مختلسة ويقومون باستخدامها أو توزيعها وهم يعتقدون بأن أفعالهم هذه قانونية. ولا يستطيع أصحاب الأسرار التجارية عمومًا المطالبة بتعويضات عن الاختلاس من متلقي المعلومات الأبرياء هؤلاء قبل أن يعرفوا (أو اذا كان ينبغي لهم أن يعرفوا) بالاختلاس. وبالتالي، قد يقرر صاحب السر التجاري مقاضاة متلقي المعلومات الأبرياء أيضًا، نظرًا لأن الإخطار الأولي من شأنه أن يجعلهم على علم بأن أي فعل لاحق لاستخدام أو الكشف عن السر التجاري يعد اختلاسا للسر التجاري، وبالتالي ينبغي أن يتحملوا المسؤولية عن أي أضرار محتملة ناجمة عن استخدام المعلومات المختلسة. ولكن، ومن باب الحيطة والحذر، ينبغي أولاً التحقق مما إذا كان القانون المعمول به ينص على أي شروط أو متطلبات تتعلق بالإجراءات التي يجب أن يتخذها المدعي قبل رفع الدعوى.

4.2 عبء الإثبات

المبادئ العامة

القاعدة الشائعة في الإجراءات المدنية في كل الأنظمة القانونية تقريباً هي أن عبء الإثبات يقع عادةً على عاتق الشخص الذي يرفع الدعوى القضائية. وينطبق هذا الأمر أيضًا على الدعاوى المتعلقة بالأسرار التجارية. ومن البديهي أن الحقائق المراد إثباتها ترتبط بطبيعة الدعاوى القانونية المقدمة ضمن إطار الإجراءات القانونية ضد اختلاس الأسرار التجارية.

على سبيل المثال، في حال وجود التزامات تعاقدية بالسرية، يجب على المدعي تقديم أدلة على وجود عقد ملزم صالح وعلى أنه قد تم انتهاك العقد. وإذا تم تقديم دعوى بشأن المنافسة غير المشروعة، فيجب على المدعي عمومًا تقديم أدلة على أن الأطراف متنافسة وأن هناك فعلًا يرقى إلى مستوى المنافسة غير المشروعة. وإذا كانت الإجراءات القضائية مبنية على قانون المسؤولية التقصيرية، فيجب على المدعي عمومًا أن يثبت سوء السلوك أو الإهمال المتعمد للمدعى عليه.

وفيما يتعلق بالدعوى بشأن اختلاس الأسرار التجارية، بشكل عام، يجب على صاحب السر التجاري أن:

  • يثبت حقه في رفع دعوى قضائية (يرجى الاطلاع على 2.4)

  • تحديد السر التجاري الذي يسعى إلى حمايته؛ وهذا جزء حساس من دعوى المدعي لأن المحاكم تتطلب عمومًا قدرًا كافيًا من التفاصيل، وإلا فقد ترفض المحكمة القضية

  • إثبات أن المعلومات مؤهلة لتكون سرًا تجاريًا، مما يعني استيفاء جميع المتطلبات القانونية لحماية الأسرار التجارية

  • إثبات الاختلاس،

  • وإذا تم التماس سبل انتصاف نقدية، يجب على صاحب السر التجاري إثبات حجم الأضرار التي لحقت به أو أرباح المدعى عليهم (يرجى الاطلاع على 4.3).

وتركز الفقرات التالية على النقطتين الثالثة والرابعة، علما أن النقاط الأخرى تمت مناقشتها سابقا.

إثبات أن المعلومات مؤهلة لتكون سرًا تجاريًا

يتم منح البراءات من قبل سلطة إدارية، والتي تقوم بالتحقق من مدى امتثال الاختراع للمتطلبات القانونية المعتمدة. أما بالنسبة للأسرار التجارية، وبما أن حمايتها لا تخضع لأي تسجيل، فلا يوجد افتراض او اثبات بأن المعلومات تلبي معايير حماية الأسرار التجارية. وبالتالي، فإن صاحب السر التجاري يتحمل عمومًا عبء إثبات استيفاء المتطلبات القانونية لحماية السر التجاري.  (12)يرجى الاطلاع على الجزء الثالث: أساسيات حماية الأسرار التجارية للوفاء بالمعايير الثلاثة التي يجب استيفاؤها لكي تعتبر المعلومات أسرارًا تجارية. يتم الوفاء بها.

إثبات "السرية"

من المستحيل تقريبا إثبات الحقائق السلبية، مثل ما إذا كانت المعلومات "غير" معروفة على نطاق واسع أو غير متاحة بسهولة للأشخاص ضمن الأوساط المعنية. وبالتالي، فإن أصحاب الأسرار التجارية يعرضون عمومًا تدابير السرية والأمن التي اتخذوها للحفاظ على السرية ويشرحون لماذا تعتبر المعلومات غير معروفة بشكل عام (على سبيل المثال، من خلال شرح أنشطة المنافسين وتوجهات السوق) أو من الصعب الحصول عليها بسهولة.

ترتبط العوامل التي يمكن اخذها بالاعتبار لإثبات السرية بوقائع القضية والقانون المعمول به؛ وفيما يلي نذكر بعض هذه العوامل، على سبيل المثال لا الحصر:

  • مدى معرفة المعلومات خارج نطاق عملك

  • مدى معرفة موظفيك وغيرهم من المشاركين في العمل بالمعلومات

  • مستوى التطور الهندسي أو التكنولوجي ومدى تعقيد المعلومات

  • الاستثمار الذي تم القيام به لإنشاء المعلومات أو الصعوبة التي قد يواجهها المنافسون للحصول على المعلومات.

إثبات القيمة التجارية الناجمة عن "السرية"

يمكن إثبات الرابط بين القيمة التجارية للمعلومات وسريتها، على سبيل المثال، عندما يكون من المرجح أن يؤدي الاستحواذ أو الاستخدام أو الكشف غير المشروع إلى الحاق الضرر بصاحب السر التجاري لأن هذا الأمر يقوض مصالحه التجارية أو المالية أو موقعه الاستراتيجي والتنافسي في السوق. ويمكن استخدام طرق مختلفة لإثبات القيمة التجارية الناجمة عن "السرية". على سبيل المثال:

  • الوفورات التي يحققها صاحب السر التجاري أو الميزة التنافسية التي يتمتع بها مقارنة بمنافسيه

  • الوقت والمال الذي استثمرهما صاحب السر التجاري للحصول على المعلومات وتطويرها

  • الاستثمار الذي سوف يتكبده منافس خارجي إذا كان ينوي الحصول على نفس المعلومات.

حقيقة أن المنافسين يحاولون الحصول على المعلومات (من خلال الترخيص، على سبيل المثال) قد تثبت بشكل غير مباشر القيمة التجارية للسر التجاري.

إثبات "الإجراءات المعقولة"

من المستحسن أن يعرض صاحب السر التجاري أمام المحكمة جميع التدابير والإجراءات المختلفة التي اتخذها للحفاظ على سرية المعلومات.

وعلى الرغم من أن الإجراءات التي يمكن اعتبارها "معقولة" ترتبط بشكل عام بالظروف الخاصة لصاحب السر التجاري، فإن الأدلة لإثبات الإجراءات المعقولة قد تشمل ما يلي:

  • السياسات والمبادئ التوجيهية الداخلية لإدارة المعلومات السرية

  • اتفاقيات عدم الإفصاح والعقود بما في ذلك بنود السرية التي يوقعها الموظفون والبائعون والموردون والشركاء الخارجيون وما إلى ذلك.

  • التدابير الأمنية الكافية، بما في ذلك الإدارة الدؤوبة لأنظمة المعلومات والاتصالات والضوابط المادية،

  • الإفادات والشهود الذين يشهدون على تطبيق أيٍّ مما سبق أو أي حماية إضافية.  (13)يرجى الاطلاع على الجزء الرابع: إدارة الأسرار التجارية، وخاصة 2.3 فيما يتعلق بتدابير الحماية التشغيلية والتعاقدية.

إثبات اختلاس السر التجاري

يتطلب إثبات الاختلاس إثبات أن المدعى عليه حصل على السر التجاري أو كشف عنه أو استخدمه بوسائل غير مشروعة أو غير لائقة أو غير شريفة، وفقًا للمعايير الوطنية المختلفة المعمول بها (يرجى الاطلاع أيضًا على القسم 2.1).

وفي هذا السياق، يجب أن يثبت صاحب السر التجاري ما يلي:

  • يتعلق الاختلاس على وجه التحديد بسره التجاري - يجب أن تكون المعلومات المختلسة هي المعلومات المتعلقة بالسر التجاري،

  • والوسائل التي يستخدمها المختلس هي غير مشروعة أو غير لائقة أو غير نزيهة، على سبيل المثال، خرق التزامات السرية، وخرق واجبات السرية الناشئة عن علاقات خاصة (على سبيل المثال، علاقة صاحب العمل والموظف)، والتجسس الصناعي، والقرصنة، والتحريض على الخرق، والإكراه، وما إلى ذلك.

وبشكل عام، يكفي إثبات الاختلاس الفعلي أو التهديد بالاختلاس. وفي نهاية المطاف، يعد إثبات الضرر الذي لحق بصاحب السر التجاري ضروريًا للمطالبة بتعويض عن الضرر.

وعندما يستخدم طرف خارجي المعلومات المتعلقة بالسر التجاري أو يكشف عنها، لا يحتاج صاحب السر التجاري، بشكل عام، إلى إثبات أن المعلومات نشأت من صاحب السر التجاري، ولكن قد يحتاج مع ذلك إلى إثبات أنهم المالك الشرعي للمعلومات.

تحديات خاصة لإثبات الاختلاس

في كثير من الأحيان يدرك المختلسون أن أفعالهم غير لائقة، وبالتالي يحاولون عدم ترك أي دليل على سلوكهم غير المشروع. وبالإضافة إلى ذلك، إذا كان الغرض من الاختلاس هو الحصول على أسرار تجارية قيمة من أحد المنافسين، فسوف يحاول المختلس الاحتفاظ بمثل هذه المعلومات بإحكام داخل شركته واستخدامها سراً. وبالتالي، فمن الصعب عمومًا على أصحاب الأسرار التجارية الحصول على أدلة مباشرة تثبت الحقائق الرئيسية المتعلقة بالاختلاس. وكما سيتم شرحه في القسم الفرعي التالي، فإن بعض التدابير والقواعد الإجرائية للحصول على معلومات وأدلة إضافية من طرف آخر قد تسهل على أصحاب الأسرار التجارية عملية جمع الأدلة.

وفي الدعاوى القضائية بشأن الأسرار التجارية، تلعب الأدلة غير المباشرة أو الظرفية دورًا رئيسيًا في إثبات الاختلاس. وعلى الرغم من أن مثل هذه الأدلة لا تثبت الحقيقة الأساسية بشكل مباشر، فإنها تبرز حقائق يمكن للشخص المعقول أن يستنتج منها أن الحقيقة الأساسية كانت موجودة. ويجب التمييز بين "الاستنتاج" المقبول و"التخمين" غير المقبول.

ووفقًا لبعض الأنظمة القانونية، يمكن للأدلة غير المباشرة أن تبني افتراضًا بأن الحقيقة الأساسية قد حدثت، وتحول عبء الإثبات إلى المدعى عليه.

مثال على تحول عبء الإثبات إلى المدعى عليه

وفقًا للمادة 32 من قانون مكافحة المنافسة غير المشروعة في الصين، يجب على المتهم بانتهاك السر التجاري إثبات عدم وجود انتهاك إذا قدم صاحب السر التجاري الشرعي أدلة ظاهرة لإثبات أنه اتخذ تدابير سرية لحماية السر التجاري المزعوم، وأظهر بشكل معقول أن السر التجاري قد تم انتهاكه، وقدم أيًا من الأدلة التالية:

  • أدلة تشير إلى أن المخالف المزعوم كان لديه طريقة أو سنحت له الفرصة للحصول على السر التجاري، وأن المعلومات التي استخدمها هي إلى حد كبير نفس المعلومات المتعلقة بهذا السر التجاري
    أو أدلة تشير إلى أن السر التجاري قد تم الكشف عنه أو استخدامه، أو أنه معرض لخطر الكشف عنه أو استخدامه، من قبل المخالف المزعوم

  • أو أدلة أخرى تشير إلى أن السر التجاري قد تم انتهاكه من قبل المخالف المزعوم.

وأخيرا، يمكن استنتاج أن الأدلة غير المباشرة، أو مزيج من الأدلة المباشرة وغير المباشرة، يمكن أن تزوّد المحكمة بمعلومات مقنعة عن الاختلاس وذلك وفقا لوقائع القضية والقانون المعمول به.

مثال على دعوى قضائية: Tradingall Electronic SL/Aplicaciones Electronicas y De Radiofrecuencia SL: SAP BA 187/2019 (February 19, 2019)

تتعلق الدعوى بالاختلاس المزعوم على شفرة المصدر لبرنامج حاسوبي، والتي يُزعم أنها محمية باعتبارها سرًا تجاريًا.

وعند الاستئناف، ادعى المتهم بالاختلاس أن صاحب السر التجاري لم يثبت أنه تمكن من الوصول إلى شفرة المصدر.

ولكن محكمة الاستئناف في برشلونة وجدت أن منتجات الطرفين وأصنافها متطابقة (تقريبا). وبحسب الخبراء، فإن العدد الكبير من التطابقات بين المنتجين لا يمكن أن يكون عن طريق الخطأ.

ولذلك، وبالنسبة لمحكمة الاستئناف، ليس من الضروري معرفة ما إذا كان هناك استحواذ فعلي على البرنامج الحاسوبي من أجل تقييم حصول انتهاك للأسرار التجارية أم لا.

وبعبارة أخرى، لم تكن محكمة الاستئناف بحاجة لأدلة مباشرة على الوصول إلى شفرة المصدر لإثبات أن السر التجاري المعني تم الحصول عليه بطريقة غير مشروعة. وبدلاً من ذلك، افترضت أن الاستحواذ على السر التجاري كان غير مشروع بسبب التشابه الشديد بين المنتجات التي نتجت عن المعلومات.

ملاحظة: لمزيد من التفصيل حول هذه القضية، يرجى الاطلاع على: مكتب الملكية الفكرية للاتحاد الأوروبي (2023). اتجاهات التقاضي بشأن الأسرار التجارية في الاتحاد الأوروبي. مكتب الملكية الفكرية للاتحاد الأوروبي، ص. 148-149. متاح على الرابط التالي: https://data.europa.eu/doi/10.2814/565721.

4.3 جمع الأدلة للإجراءات القضائية

من الأفضل جمع الأدلة ذات الصلة في أقرب وقت ممكن وقبل تنبيه المختلس من خلال إخطار تحذيري أو رسالة توقف وكف، لأنه بعد هذا الإخطار، قد يقوم المختلس بإخفاء أدلة الاختلاس أو تدميرها.

وللتأكد من أن الأدلة التي تم جمعها مقبولة في المحكمة، ينبغي جمعها وفقًا لقواعد الإجراءات المعمول بها وبما يتوافق مع مجالات القانون الأخرى (مثل قانون الخصوصية أو قانون العمل). على سبيل المثال، لا يجوز تتبع أنشطة الموظفين ومراقبتها إلا في مناطق معينة وإلى حد معين، مع الالتزام بالقيود التي يفرضها قانون العمل وقانون الخصوصية.

وينبغي أيضًا اتباع أفضل الممارسات والمعايير فيما يتعلق بالأدلة الجنائية الرقمية.

وخلال إجراءات المحكمة او خلال فترة الاستعداد لها، يمكن أن يلجأ عادةً صاحب السر التجاري إلى بعض التدابير والقواعد الإجرائية للحصول على معلومات وأدلة إضافية لتعزيز قضيته. وتسعى هذه التدابير عموماً إلى تحقيق توازن بين مصلحة صاحب السر التجاري في الوصول إلى الأدلة ومصلحة المتهم بالاختلاس في الحفاظ على سرية معلوماته القيمة. ورغم أن هذه التدابير تختلف بين بلد وآخر أو منطقة وأخرى، يوجد نوعان من التدابير بشمل عام: التدابير المؤقتة للحفاظ على الأدلة وإجراءات الكشف عن المعلومات.

التدابير المؤقتة للحفاظ على الأدلة

في العديد من الأنظمة القضائية، تتمتع المحاكم بالسلطة لإصدار أوامر باتخاذ تدابير مؤقتة للحفاظ على الأدلة، حتى قبل بدء الإجراءات التي تستند إلى الحقائق المقدمة، شرط استيفاء شروط معينة. بشكل عام، تتطلب هذه الشروط من المطالب تقديم أدلة ظاهرة على الأقل في القضية.

إجراءات الكشف عن المعلومات
الكشف عن المعلومات قبل المحاكمة في بلدان القانون العام

الكشف عن المعلومات قبل المحاكمة هو العملية الرسمية لتبادل المعلومات بين الأطراف حول الأدلة التي سيقدمها الأطراف في المحاكمة. والهدف من ذلك هو ضمان أن يكون لدى الأطراف المعرفة اللازمة والقدرة على الوصول إلى جميع الحقائق ذات الصلة التي تعتبر أساسية للإجراءات القضائية قبل بدء المحاكمة. وتميل بلدان القانون العام مثل أستراليا والهند والولايات المتحدة الأمريكية إلى التشجيع على مستوى معين من الكشف الطوعي قبل المحاكمة بين الأطراف، من دون أي توجيه أو الزام من المحكمة.

وتنص قوانين الولايات المتحدة الأمريكية، على وجه الخصوص، على إجراء عمليات كشف واسعة النطاق قبل المحاكمة، سواء بموجب القانون المحلي أو الفيدرالي، وتشمل هذه العمليات مراجعة الوثائق، والأسئلة والأجوبة المكتوبة، وإيداعات ما قبل المحاكمة تحت القسم، وطلبات تقديم الوثائق، والتفتيش.

قد تنشأ قضايا معقدة تتعلق باللياقة الدولية عندما تكون الأدلة التي تدعم ادعاءات الأطراف ودفاعهم في قضية تتعلق بأسرار تجارية موجودة خارج البلد الذي يجري فيه النزاع القضائي، وبالتالي تكون هناك حاجة إلى الكشف عبر الحدود.  (14)انظر مؤتمر سيدونا، تعليق على الكشف عبر الحدود في قضايا براءات الاختراع والأسرار التجارية في الولايات المتحدة، سلسلة مجموعة عمل مؤتمر سيدونا، نسخة التعليقات العامة (2021)؛ مؤتمر سيدونا، تعليق على الاكتشاف عبر الحدود في قضايا براءات الاختراع والأسرار التجارية في الولايات المتحدة (”المرحلة الثانية“)، سلسلة مجموعة عمل مؤتمر سيدونا، نسخة التعليقات العامة (2023). كلاهما متاح على: https://thesedonaconference.org/.

أوامر المحكمة بتوفير الوثائق في الدول التي تطبق القانون المدني

في البلدان التي تطبق القانون المدني، يكون الطرف الذي يتحمل عبء الإثبات مسؤولاً بشكل عام عن جمع الأدلة لدعم قضيته، ولا يجوز له الحصول إلا على أدلة وثائقية محدودة من خلال المحكمة وتحت إشرافها. 

ومع ذلك، قد يكون شكل محدود من اشكال الكشف عن المعلومات متاحًا. وبشكل عام، يجب أن يثبت أحد الأطراف أن بعض المستندات مهمة بالنسبة للقضية وأن الطرف الآخر، أو طرف خارجي، يمتلك مثل هذه المستندات وأن يطلب من المحكمة أن تأمر الطرف المعني بتقديم هذه المستندات. ولا تقتصر هذه الأوامر عادة على المواد التي تثبت الاختلاس فحسب، بل تشمل أيضا السجلات التجارية والوثائق المصرفية أو المالية أو التجارية التي تخضع لسيطرة الشخص المتهم بالاختلاس والتي تفيد في تحديد حجم الاختلاس أو الأرباح غير المشروعة المتأتية منه.

وأخيرا، يمكن للأطراف عموما الاعتماد على الوسائل التقليدية للحصول على الأدلة، مثل الاستماع إلى الشهود والخبراء واستجواب اطراف خارجية.

وفي العديد من البلدان، من الممكن جمع المزيد من الأدلة من خلال الإجراءات الجنائية، لأن سلطة الادعاء تتمتع عموماً بصلاحيات واسعة النطاق للبحث عن الأدلة ومصادرتها (يرجى الاطلاع على القسم 8.1). وفي عدد محدود من البلدان، يمكن تحقيق هدف مماثل أيضاً من خلال السلطات الإدارية (يرجى الاطلاع على القسم 8.2).

5. الدفاع ضد دعاوى اختلاس الأسرار التجارية

ردًا على اتهام صاحب السر التجاري، يجب إعطاء المتهم بالاختلاس الفرصة للدفاع عن نفسه ضد هذا الاتهام. وبشكل عام، يوجد خطان رئيسيان للدفاع:

  • المعلومات ليست سرًا تجاريًا، 

  • وتم الحصول على السر التجاري أو استخدامه أو الكشف عنه من قبل المتهم بالاختلاس دون استخدام أي وسائل غير مشروعة أو غير لائقة أو غير شريفة.

5.1 عدم وجود سر تجاري

الدفاع الأول والأكثر شيوعًا في قضية اختلاس سر تجاري هو أن المعلومات التي يتم طلب الحماية لها لا تعتبر سرًا تجاريًا. وكما أشرنا اليه سابقا، يحتاج صاحب السر التجاري بشكل عام إلى إثبات أن المعلومات مؤهلة لتكون سرًا تجاريًا. ويحاول المدعى عليه عادة دحض ادعاء صاحب السر التجاري من خلال إثبات ما يلي:

  • كانت المعلومات قد أصبحت بالفعل في المجال العام قبل حصول الاختلاس المزعوم، وهي معروفة بشكل عام بين الأشخاص في الأوساط المعنية

  • كانت المعلومات متاحة بسهولة للأشخاص ضمن الأوساط المعنية. على سبيل المثال، يمكن للأشخاص في الأوساط المعنية جمع البيانات الخام من الإنترنت، وبمساعدة جهاز كمبيوتر، يمكنهم استخراج المعلومات المتعلقة بالأسرار التجارية المزعومة من خلال بذل جهد بسيط،

  • أو لم يتخذ صاحب السر التجاري إجراءات معقولة للحفاظ على سرية المعلومات. على سبيل المثال، قد يثبت المدعى عليه أن تدابير الحماية المعيارية التي يتخذها المنافسون في السوق عادة ما تكون أعلى من تلك التي اتخذها صاحب السر التجاري، أو أن صاحب السر التجاري لم يبذل العناية المعقولة لتحديث أنظمة تكنولوجيا المعلومات الخاصة به أو سد الثغرات الأمنية.

5.2 لم يحدث أي اختلاس للأسرار التجارية والإعفاء من المسؤولية

الدفاع الشائع الثاني ضد دعاوى الاختلاس هو أن الاستحواذ أو الاستخدام أو الكشف غير المشروع أو غير السليم أو غير النزيه عن السر التجاري لم يحدث أبدًا. وهذا الأمر يتعلق بشكل أساسي بالحقائق والأدلة.

الدفاع عن الوصول والاستخدام المصرح بهما

يجوز للمدعى عليه أن يدعي أنه حصل على السر التجاري أو استخدمه أو كشف عنه بطريقة مشروعة أو سليمة أو نزيهة، وبالتالي لم يحدث أي اختلاس.

على سبيل المثال، إذا تم الحصول على المعلومات المتعلقة بالسر التجاري من خلال اتفاقية عدم الإفصاح التي تحدد الحدود التعاقدية للاستخدام المسموح به للمعلومات، يجوز للمدعى عليه تقديم أدلة على أن استخدامه للمعلومات كان ضمن حدود اتفاقية عدم الإفصاح، وبالتالي لم يختلس السر التجاري.

الدفاع الحقيقي

كما هو موضح في القسم 2.1 أعلاه، إذا حصلت أطراف خارجية على معلومات الأسرار التجارية بحسن نية، فقد يكون لها الحق في استخدام أو الكشف عن هذه المعلومات بشكل مشروع، وذلك وفقا للقانون المعمول به. لذلك، يجوز للمدعى عليه أن يقدم ما يسمى بالدفاع بحسن نية، إذا كان ذلك مناسباً.

الدفاع القائم على اكتشاف السر التجاري بطريقة مستقلة

يجوز للمدعى عليه أن يزعم أنه اكتشف بشكل مستقل، واستخدم لاحقًا، نفس المعلومات المتعلقة بالسر التجاري الذي يحميه صاحب السر التجاري.

ولاستخدام طريقة الدفاع هذه بنجاح، من المهم متابعة الوضع الحالي لأنشطة البحث والتطوير وغيرها من الأنشطة التجارية ومتابعة تقدمها لإظهار أن المعلومات تم الحصول عليها بشكل مستقل.

الدفاع القائم على الهندسة العكسية

يمكن للمدعى عليه أن يدعي أن السر التجاري تم الحصول عليه من خلال الهندسة العكسية، والتي لا تعتبر عمومًا اختلاسًا للسر التجاري ما لم يكن هناك عقد صالح وقابل للتنفيذ يحظر الهندسة العكسية.

ولاستخدام طريقة الدفاع هذه، يجب أن يثبت المدعى عليه أنه حصل بالفعل على المعلومات من خلال نشاط الهندسة العكسية الذي قام به، وليس مجرد أنه كان من الممكن أن يفعل ذلك. ولذلك، وعلى غرار الدفاع القائم على اكتشاف السر التجاري بطريقة مستقلة، من المستحسن تسجيل عمليات الهندسة العكسية بطريقة يمكن استخدامها كدليل.

مهارات وخبرات الموظفين

لحماية امكانية انتقال الموظفين من شركة إلى أخرى، من الطبيعي أن يكون الموظفون المغادرون قادرين على استخدام معارفهم العامة ومهاراتهم وخبراتهم المكتسبة في سياق عملهم العادي.

ومن الناحية العملية، قد يكون من الصعب التمييز بين المعرفة العامة والمهارات والخبرات التي يتمتع بها الموظفون والأسرار التجارية لصاحب العمل السابق. ولإجراء هذا التمييز، اعتمدت المحاكم نُهج مختلفة، آخذة في الاعتبار، على سبيل المثال، ما يلي:

  • اذا كان الموظف قد أخذ المستندات والمعلومات في شكل مكتوب أو في أي شكل ملموس آخر، أو إذا كان الموظف يتذكرها فقط

  • إذا كانت المعرفة والمهارات التي اكتسبها الموظف قد اكتُسبت قبل أو أثناء العمل لدى صاحب العمل الذي يدعي أن هذه المعرفة والمهارات هي سر تجاري

  • إذا كانت معرفة ومهارات الموظف تُعد شائعة في مجال الصناعة أو التجارة المعني، أو إذا كانت تخص الأعمال التجارية الخاصة لصاحب العمل

  • إذا كان الموظف قد اكتسب خبرة أو تقنيات أو معرفة محددة خلال استخدام الأسرار التجارية أثناء فترة عمله لدى صاحب العمل

  • إذا كان صاحب العمل قد استخدم تدابير للحفاظ على السرية تؤكد للموظفين والجهات الخارجية أن بعض المعلومات تعتبر سرًا تجاريًا وملكية للشركة.

الدفاع القائم على تحقيق المصلحة العامة والإبلاغ عن المخالفات

في حالات خاصة، ووفقًا للقوانين الوطنية/الإقليمية، قد يكون المدعى عليه قادرًا على الادعاء بأنه لا يتحمّل أي مسؤولية عن فعله المتمثل في الحصول على السر التجاري أو استخدامه أو الكشف عنه بما أن هذا الفعل يحقق المصلحة العامة، مثل الصحة أو السلامة العامة. على سبيل المثال، تنص المادة 1472 من القانون المدني في كيبيك، كندا، على أنه "يجوز للشخص أن يُعفي نفسه من مسؤوليته عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة الكشف عن سر تجاري من خلال إثبات أن اعتبارات المصلحة العامة تتفوق على الحفاظ على السر، وخاصةً أن الكشف عنه كان مبررًا لأسباب تتعلق بالصحة العامة أو السلامة العامة".  (15)في المملكة المتحدة، ووفقًا للائحتين 12(2) و15(1) من لوائح الأسرار التجارية (الإنفاذ، إلخ) لعام 2018، يجب أن تأخذ المحكمة في الاعتبار ظروفًا محددة معينة، بما في ذلك المصلحة العامة وحماية الحقوق الأساسية، عند تقييم التناسب.

وعلى نحو مماثل، في بعض البلدان/المناطق مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، يسمح القانون بالكشف عن الأسرار التجارية عندما يكون ذلك ضروريا لتحقيق المصلحة العامة والكشف عن سوء السلوك أو المخالفات أو الأنشطة غير القانونية. وفي ظل هذه الظروف المحددة والمحدودة، يجوز للمدعى عليه استخدام هذا الدفاع من خلال تقديم أدلة تثبت المخالفات.

حق العمال في الحصول على المعلومات

يوفر توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن الأسرار التجارية (16)المادة 3(1)(ج) من توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن الأسرار التجارية (الاتحاد الأوروبي) 2016/943. ملاذًا آمنًا عندما يتم الكشف عن الأسرار التجارية كجزء من الممارسات المشروعة التي يقوم بها ممثلو العمال خلال ممارسة وظائفهم أو كجزء من الممارسات المشروعة التي يقوم بها العمال الذين يشاركون في مشاورات مشروعة مع ممثليهم. ويهدف هذا الاستثناء إلى منع حماية الأسرار التجارية من تقويض حق العمال في الحصول على المساعدة من ممثليهم أثناء المفاوضات مع الإدارة.

6. الحفاظ على الأسرار التجارية خلال الإجراءات القضائية

في العديد من البلدان، من الشائع أن تكون جلسات المحكمة علنية، ويتم عادة نشر الأحكام. فالشفافية وسهولة الوصول إلى إجراءات المحكمة تشكل حجر الأساس للحق في العدالة. ولكن، فيما يتعلق بالدعاوى المرتبطة بالأسرار التجارية، يحتاج صاحب السر التجاري عمومًا إلى تحديد أسراره التجارية والكشف عنها في ملفات المحكمة لدعم ادعاءاته.

ولذلك تعد التدابير التي تحافظ على سرية الأسرار التجارية خلال الإجراءات القضائية ضرورية لتجنب تعريض حماية الأسرار التجارية للخطر. ومن ناحية أخرى، يحتاج المدعى عليهم الذين رفعت ضدهم دعوى بتهمة اختلاس الأسرار التجارية إلى الاطلاع على الأسرار التجارية المزعومة للدفاع عن أنفسهم بشكل صحيح. ولهذه الأسباب، يقوم المشرعون والمحاكم في العديد من البلدان بوضع التدابير المناسبة للحفاظ على سرية الأسرار التجارية ويقومون بتطبيق هذه التدابير، والتي تهدف إلى تحقيق نوع من التوازن بين المصالح المتنافسة للأطراف المعنية وعامة الناس.

وتعتمد هذه التدابير الرامية إلى الحفاظ على السرية خلال الإجراءات على القانون الإجرائي الوطني المعمول به. وتعد البعض من هذه التدابير مقبولة على نطاق واسع في العديد من الأنظمة القضائية المختلفة.

6.1 القيود على امكانية الوصول

تقوم المحاكم عادة بفرض قيود على امكانية الوصول إلى الإجراءات وملفات المحكمة التي من المحتمل أن تحتوي على أسرار تجارية ووصفها. ويمكن إصدار أمر لتقييد الوصول إلى:

  • (أجزاء) المستندات التي تحتوي على أسرار تجارية (مزعومة)

  • (أجزاء من) جلسات الاستماع ومحاضر الجلسات التي من المحتمل أن يتم الكشف فيها عن أسرار تجارية (مزعومة). وفي بعض البلدان، يمكن أن تعقد المحاكم جلسات مغلقة (أي جلسات تخضع للالتزام بالسرية القانونية، على سبيل المثال، في غرف القضاة بدلاً من جلسات المحكمة العلنية).

6.2 أوامر لفرض واجب السرية

تفرض المحاكم عادة واجب السرية على أي شخص يشارك في الإجراءات القضائية أو لديه إمكانية الوصول إلى وثائق الإجراءات القضائية، بما في ذلك القضاة والمحامين والشهود وموظفي المحكمة. وفي كثير من الأحيان، يتطلب فرض مثل هذه الواجبات صدور أمر قضائي محدد، وعادة ما يكون ذلك بناء على طلب الطرف المعني. ورغم ذلك، ينطبق واجب السرية بشكل ضمني في ظل ظروف معينة وفي بعض البلدان، مثل سنغافورة.

ويبقى واجب السرية عمومًا ساري المفعول حتى يتم انهاء الأمر، أو اتخاذ قرار نهائي بأن السر التجاري المزعوم لا يعتبر سرًا تجاريًا، أو عندما تتوقف المعلومات عن تلبية معايير حماية الأسرار التجارية.

6.3 حلقة السرية

يمكن أن تقرر للمحكمة السماح لعدد محدود من المشاركين في الإجراءات القضائية بالوصول إلى الأسرار التجارية أو المعلومات ذات الصلة، ويؤدي ذلك إلى إنشاء ما يسمى بـ"نادي السرية" أو "حلقة السرية" (على سبيل المثال، في كندا والهند وسنغافورة وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية ووفقًا لتوجيه الاتحاد الأوروبي بشأن الأسرار التجارية).

وفي حين تفرض أوامر الحماية واجبات السرية العامة على جميع المشاركين في الإجراءات وأولئك المصرح لهم بالوصول إلى ملفات المحكمة، فإن أوامر حلقة السرية تقصر الوصول إلى وثائق معينة على أفراد معينين. بالإضافة إلى ذلك، تحدد أوامر حلقة السرية عادةً كيفية تعامل أعضاء الحلقة مع المستندات، على سبيل المثال، إذا كان من الممكن نسخ المستندات وكيف يمكن القيام بذلك أو أين يمكن الاطلاع على المستندات.

والمسألة الأكثر إثارة للجدل فيما يتعلق بحلقة السرية تتعلق بتحديد أعضاء الحلقة. فأوامر حلقة السرية المقيدة للغاية مخصصة فقط للمحامين أو الأخصائيين ولكن استبعاد الأطراف النزاع وممثليهم من الحلقة قد يخالف مبدأ المحاكمة العادلة ونظام الخصومة، حيث قد يشتكي المتهمون من أن الحظر يضعهم في موقف ضعيف دون وسائل دفاعية كافية. وبالتالي، ينبغي أن تحافظ المحكمة على التوازن بين حقوق ومصالح الطرفين وفقًا لظروف القضية.

6.4 عدم الكشف عن الأسرار التجارية في الأحكام القضائية

في العديد من البلدان، تنشر المحاكم نسخة محررة من الحكم لا تحتوي على معلومات المتعلقة بالأسرار التجارية. ويتم توفير نسخة غير محررة من الحكم للأطراف فقط، إلى جانب أوامر الحماية بعدم الكشف عن محتواها.

7. القضايا العابرة للحدود

الدعاوى القضائية العابرة للحدود المتعلقة بنزاعات الأسرار التجارية ليست شائعة جدًا.  (17)بناءً على مجموعة بيانات شملت 700 قرار متعلق بالأسرار التجارية في الاتحاد الأوروبي، كان جميع الأطراف يقيمون في نفس الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي في 86% من القضايا. يرجى الاطلاع على اتجاهات التقاضي بشأن الأسرار التجارية في الاتحاد الأوروبي.، مكتب الملكية الفكرية التابع للاتحاد الأوروبي، 2023، ص 29. متاح على الرابط التالي: https://data.europa.eu/doi/10.2814/565721. ورغم ذلك، وبما أن الأسرار التجارية لا تخضع لأي شكل من أشكال التسجيل، يمكن حمايتها على الفور من الناحية النظرية في أي نظام قضائي تستوفي فيه شروط الحماية القانونية.

وبشكل عام تنتقل المعلومات (خاصة المعلومات الرقمية) عبر الحدود الوطنية بسهولة. ومن الممكن أن يحصل مختلس موجود في بلد ما على الأسرار التجارية الموجودة في بلد آخر بطريقة غير مشروعة، وقد تستخدمها وتكشف عنها علنًا أطراف أخرى موجودة في بلدان أخرى دون أي ترخيص من صاحب السر التجاري.

وفي مثل هذه النزاعات العابرة للحدود، تكتسي عملية تحديد النظام القضائي والقانون الواجب تطبيقه أهمية أكبر، مقارنة بحالات الاختلاس التي يقيم فيها الأطراف في نفس النظام القضائي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن نطاق تطبيق سبل الانتصاف العابرة للحدود التي تمنحها المحاكم له تأثير على كلا الطرفين.

وتخضع القواعد والمبادئ العامة المتعلقة بهذه القضايا، والتي تنطبق أيضًا على نزاعات الأسرار التجارية، لقوانين دولية خاصة، وقد تم تطويرها على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية.  (18)على سبيل المثال، يرجى الاطلاع على بينيت، أ. وس. جراناتا (2019). عندما يلتقي القانون الدولي الخاص مع قانون الملكية الفكرية - دليل للقضاة منشور الويبو رقم 1053. https://www.wipo.int/publications/en/details.jsp?id=4465&plang=EN.

7.1 الاختصاص القضائي

إن تحديد المكان الذي يمكن لصاحب السر التجاري أن يرفع فيه دعوى قضائية هو مسألة ترتبط بالاختصاص القضائي. والاختصاص القضائي هو سلطة المحكمة في الاستماع والبت في الدعوى على أساس الحقائق المقدمة. وبشكل عام، فإن كل دولة تحدد قواعد الاختصاص القضائي الخاصة بها، وينبغي للمحاكم أن تقرر بنفسها بشأن اختصاصها القضائي. ويمكن أيضًا تنظيم قواعد الاختصاص من خلال الاتفاقيات الدولية أو القوانين التشريعية الإقليمية مثل لوائح الاتحاد الأوروبي.

وتعتمد المحاكم عمومًا على ما يسمى بـ"عوامل الربط" لتحديد مدى اختصاصها في الفصل في قضية ما. وبما أن قواعد الاختصاص القضائي الوطني والسوابق القضائية ذات الصلة تختلف، فيجب أن يتم التقييم على أساس كل نظام قضائي على حدة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأساس القانوني للحماية المطلوبة (على سبيل المثال، قانون المسؤولية التقصيرية أو قانون العقود) يمكن أن يؤثر على قواعد الاختصاص القضائي المعمول بها.

وعلى الرغم من تعقيد الموضوع، فمن الممكن تحديد عدد قليل من عوامل الربط الشائعة في مختلف الأنظمة القانونية التي تحدد الاختصاص القضائي:

موطن المدعى عليه (أو عوامل ربط مماثلة تحدد المكان او المنطقة)

تنص العديد من القوانين على أنه يمكن مقاضاة المدعى عليه في البلد الذي يعد موطنه أو مسكنه الدائم أو محل إقامته المعتاد أو يمكن تحديد المكان باستخدام أي عامل ربط آخر ذات صلة. وفيما يتعلق بالشركات، فإن عوامل الربط التي تحدد الاختصاص القضائي هي عمومًا مكان المكتب المسجل أو المكتب الرئيسي أو المكتب التجاري.

موطن المدعي

في حالات أقل شيوعاً، تحدد القوانين الوطنية الاختصاص القضائي بالاستناد إلى موطن المدعي.

مكان وقوع الفعل الضار و/أو مكان التعرض للضرر

يحدد القانون عمومًا الاختصاص القضائي بالاستناد إلى الرابط المحتمل بين البلد والأنشطة غير المشروعة.

جنسية المدعى عليه

تعتمد بعض المقاربات الأخرى على المكان الذي تم فيه تنفيذ السلوك غير المشروع (مكان الفعل) و/أو المكان الذي حدثت فيه الأضرار أو من الممكن أنها حدثت فيه (مكان التأثير).

وتنظر قوانين بعض البلدان أيضًا إلى جنسية المدعى عليه لتحديد الاختصاص القضائي.

المحكمة أو الاختصاص القضائي غير المناسب

تطبق المحاكم مبدأ "المحكمة أو الاختصاص القضائي غير المناسب" في بلدان القانون العام بشكل رئيسي، ويسمح هذا المبدأ للمحاكم التي لديها سلطة قضائية على قضية ما بإيقاف القضية أو تعليقها وذلك بعد تحديد أن محكمة أخرى كان من الممكن أن تُعرض فيها القضية هي أكثر ملاءمة لمصالح جميع الأطراف ولأغراض تحقيق العدالة.

7.2 القانون الواجب تطبيقه

بعد تحديد الاختصاص، تحتاج المحكمة إلى تحديد القانون الواجب تطبيقه. ومن الممكن أن تُعتبر المحكمة مختصة بالفصل في القضية، ولكن وفقا للقانون الأجنبي.

ويمكن تحديد القانون المطبق بموجب القانون الوطني أو الاتفاقيات الدولية أو القوانين التشريعية الإقليمية مثل لوائح الاتحاد الأوروبي. وتنطبق عوامل الربط المختلفة وفقًا للقانون الدولي الخاص على خرق العقود وقانون المسؤولية التقصيرية وقانون المنافسة غير المشروعة والملكية الفكرية. ولذلك، تحتاج المحكمة عمومًا إلى تحليل طبيعة الدعوى.

وبشكل أساسي، يتطلب تحديد القانون الواجب تطبيقه الاختيار بين هيئات قانونية مختلفة (قانون العقود، وقانون المسؤولية التقصيرية، وما إلى ذلك)، والنظر في القانون الوطني للمحكمة (وخاصة القواعد الإلزامية)، وعوامل الربط ومبادئ اختيار القانون والقانون الواجب تطبيقه المتفق عليه بين الطرفين، إن وجد.

7.3 سبل الانتصاف العابرة للحدود

عندما يتم تنفيذ أفعال اختلاس في بلدان مختلفة، أو يكون نشاط الاختلاس موزعا على عدة بلدان، فقد تثار تساؤلات حول ما إذا كانت المحكمة المختصة تستطيع أيضًا معالجة أفعال الاختلاس التي يتم تنفيذها في أنظمة قضائية أخرى، أي الأفعال خارج حدود الدولة التي تقع فيها المحكمة، وما إذا كانت المحكمة قادرة على إصدار تدابير عابرة للحدود تتعلق بالأنشطة خارج الحدود أو تؤثر على هذه الأنشطة.

وإذا حدث اختلاس لسر تجاري خارج حدود الدولة التي تقع فيها المحكمة ضمن إطار عقد مبرم بين الأطراف المعنية، فسوف يخضع فغل الإختلاس إلى حد كبير إلى ما ينص عليه العقد. وفي حال عدم وجود أي عقد بين الأطراف المعنية، يُطبَّق مبدأ الإقليمية عمومًا - كنقطة انطلاق على الأقل - على الأسرار التجارية.  (19)مؤتمر سيدونا، إطار تحليل قضايا الأسرار التجارية عبر الحدود الدولية، مؤتمر سيدونا الثالث والعشرون العدد 909 (2022)، ص 951. متاح على: https://thesedonaconference.org/publications. ويبدو أن هناك توجهات ودعاوى قد تُقيّم فيها المحاكم في أنظمة قضائية مختلفة حالات اختلاس الأسرار التجارية خارج الحدود، وتُصدر سبل انتصاف عابرة للحدود، مثل أوامر قضائية وتعويضات عن الأضرار.  (20)على سبيل المثال، سمحت قضية شركة موتورولا سوليوشنز ضد شركة هايتيرا كومينز 3d 1150 (N.D. باسترداد أرباح المدعى عليهم من بيع المنتجات التي تحتوي على الأسرار التجارية المختلسة خارج الولايات المتحدة الأمريكية. يرجى الاطلاع أيضًا على كابيس ك. و ل. لاجونا (2021)، قانون الدفاع عن أسرار التجارة والحدود الإقليمية، نقابة المحامين الأمريكية. https://www.americanbar.org/groups/litigation/committees/business-torts-unfair-competition/articles/2021/dftsa-extraterritoriality/.

وحتى في الحالات التي يجوز فيها للمحكمة أن تقرر بشأن اختلاسات في الخارج وإصدار تدابير عابرة للحدود، فإن الفعالية الحقيقية لهذه التدابير سوف تعتمد إلى حد كبير على الاعتراف بها وامكانية انفاذها. ويتم تنظيمها في كثير من الأحيان من خلال آليات التعاون القضائي الدولي.

8. التنفيذ الجنائي والإداري للأسرار التجارية: نظرة عامة

بشكل عام، الإجراءات المدنية هي الإجراءات الأكثر شيوعًا التي يتم اللجوء إليها في حالات اختلاس الأسرار التجارية. ووفقًا لدراسة حديثة، تُصنّف الغالبية العظمى من الإجراءات القضائية في الاتحاد الأوروبي ضمن فئة "الدعاوى المدنية" (89%)، بينما يُصنّف عدد قليل منها ضمن فئة "الدعاوى الإدارية" (5%) أو "الدعاوى الجنائية" (6%).  (21)اتجاهات التقاضي بشأن أسرار التجارة في الاتحاد الأوروبي. مكتب الملكية الفكرية للاتحاد الأوروبي، 2023، ص 24. https://data.europa.eu/doi/10.2814/565721. وعلى الرغم من أن العدد المطلق للدعاوى الجنائية صغير، وفقًا للتقرير السنوي لعام 2024 الذي نشرته وكالة الشرطة الوطنية اليابانية، فإن عدد الاعتقالات المتعلقة بالجرائم المرتبطة بالأسرار التجارية في اليابان شهد ارتفاعًا سريعًا في السنوات الأخيرة.

8.1 الإنفاذ الجنائي

في العديد من البلدان، يوفر القانون الجنائي حماية إضافية لأصحاب الأسرار التجارية. وفي كثير من الأحيان، يقتصر تطبيق العقوبات الجنائية المتعلقة بإساءة استخدام الأسرار التجارية على الانتهاكات الأكثر خطورة، وتختلف العقوبة وفقًا لخطورة الانتهاك، حيث تتراوح من الغرامة إلى السجن لعدة أشهر أو حتى لعدة سنوات. وفي بعض البلدان، قد يتم تطبيق عقوبة أشد إذا تم ارتكاب الاختلاس لصالح حكومة أجنبية. وفي بعض البلدان الأخرى، يتم تطبيق عقوبة أكثر شدة إذا كان المختلس ينوي استخدام الأسرار التجارية في بلد أجنبي أو ارتكب عملية الاستحواذ على السر التجاري أو الكشف عنه بطريقة غير مشروعة وهو يعلم أنه سيتم استخدامه في بلد أجنبي.

وبشكل عام، فإن العقوبات الجنائية لها تأثير رادع ضد اختلاس الأسرار التجارية. وفي بعض البلدان، مثل أستراليا، لا يعد اختلاس الأسرار التجارية جريمة. ولكن مثل هذا الاختلاس يتم عادة باستخدام وسائل او طرق تخضع لعقوبات جنائية، مثل السرقة، أو الاحتيال، أو الإكراه، أو الاختراق الإلكتروني. ولذلك، يبقى أصحاب الأسرار التجارية قادرون على اللجوء إلى الإجراءات الجنائية في تلك البلدان رغم محدوديتها.

يمكن أن تتم الإجراءات الجنائية، حسب القوانين الوطنية، من تلقاء نفسها (أي بمبادرة من سلطة الادعاء) أو بناءً على شكوى جنائية يقدمها الضحية، أو كليهما. وفي جميع الأحوال، يمكن لصاحب السر التجاري عمومًا تقديم "تلميحات" إلى السلطة القضائية بشأن اختلاس السر التجاري. ورغم ذلك، بمجرد فتح قضية جنائية، قد تتولى السلطات العامة السيطرة على التحقيقات والإجراءات بشكل كامل.

وغالبًا ما يتم تنفيذ إجراءات القانون المدني والقانون الجنائي من قبل هيئات قضائية مختلفة وهي لا تؤثر بالضرورة على بعضها البعض، نظرًا لأن نوعي الإجراءات وسبل الانتصاف المتاحة منفصلة ومستقلة عن بعضها البعض. ومع ذلك، ووفقا لقواعد الإجراءات الوطنية/الإقليمية، فإن نتائج الإجراءات الجنائية يمكن أن تكون ملزمة للإجراءات المدنية إلى حد ما، أو على الأقل قد تكون مهمة بالنسبة للإجراءات المدنية.

حسنات وسيئات الإجراءات الجنائية

من وجهة نظر استراتيجية، فإن انفاذ الأسرار التجارية من خلال الإجراءات الجنائية قد يكون له حسنات وسيئات. فقد يكون من الأسهل الحصول على الأدلة في الإجراءات الجنائية، لأن السلطات العامة تتمتع عمومًا بصلاحيات واسعة لإجراء التحقيقات. وإذا كانت القواعد الوطنية تسمح باستخدام الأدلة التي تم جمعها في الإجراءات الجنائية للإجراءات المدنية، فإن طلب الإجراءات الجنائية يمكن أن يكون مفيدًا لصاحب السر التجاري الذي يحتاج إلى الأدلة للإجراءات المدنية.

ولكن، وبمجرد رفع الدعوى الجنائية بناءً على طلب أحد الأطراف، يصبح الموظفون العموميون مسؤولين عن الإجراءات القضائية. وبالتالي، فإن صاحب السر التجاري لا يتمتع عادة إلا بسيطرة محدودة على التحقيق وتطور القضية والجدول الزمني لها. وبالإضافة إلى ذلك، واعتمادًا على قواعد الإجراءات الوطنية، قد يتم تأخير الدعوى المدنية في انتظار الإجراءات الجنائية. والأهم من ذلك، إذا كان أصحاب الأسرار التجارية على استعداد لتسوية القضية وديًا، فإن متابعة الإجراءات الجنائية يمكن أن تقضي على خيارات التسوية تلك.

8.2 الإنفاذ الإداري

يوجد عدد محدود من البلدان التي تنص على إنفاذ أسرار التجارة من خلال إجراءات إدارية. وبشكل عام، تستخدم الإجراءات الإدارية نادراً.

في الصين، (22)المادتان 13 و16 من قانون جمهورية الصين الشعبية ضد المنافسة غير المشروعة (بصيغتها المعدلة حتى 23 أبريل 2019). الترجمة الإنجليزية متاحة في قاعدة بيانات ويبو لكس https://www.wipo.int/wipolex/en/main/legislation. يجوز لصاحب السر التجاري تقديم شكوى إدارية إلى الإدارة المحلية لتنظيم الأسواق، التي تتمتع بسلطة التحقيق في حالات اختلاس الأسرار التجارية. ويمكن أن تأمر الإدارة المحلية المختلس بوقف الاختلاس ومصادرة أية أرباح غير مشروعة وفرض غرامات.

وفي جمهورية كوريا، يمكن أن يقدم أصحاب الأسرار التجارية طلب إلى لجنة التجارة الكورية للحصول على أمر قضائي أولي لحظر أو منع ممارسات التجارة غير المشروعة على المستوى الدولي. وقد يسعون أيضًا إلى اتخاذ تدابير تصحيحية أخرى، بما في ذلك:

  • تعليق استيراد أو تصدير أو بيع أو تصنيع السلع المخالفة

  • حظر هبوط مثل هذه البضائع

  • صنع إعلانات تصحيحية

  • نشر واقع تلقي أمر تصحيحي من لجنة التجارة،

  • أو التدابير الأخرى اللازمة لتصحيح ممارسات التجارة الدولية غير المشروعة.  (23)المادتان 7(2) و10(1) من قانون التحقيق في ممارسات التجارة الدولية غير المشروعة ومعالجة الضرر الذي يلحق بالصناعة (جمهورية كوريا). الترجمة الإنجليزية متاحة على: https://elaw.klri.re.kr.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، عندما يحدث فعل اختلاس لسر تجاري خارج البلاد، يمكن ان يسعى صاحب السر التجاري إلى التماس سبل الانتصاف من خلال دعوى مرفوعة أمام لجنة التجارة الدولية (ITC). ولجنة التجارة الدولية هي وكالة فيدرالية تقوم بالفصل في الدعاوى المتعلقة بالواردات التي يُزعم أنها تنتهك حقوق الملكية الفكرية، بما في ذلك الأسرار التجارية. وهي تتمتع بسلطة استبعاد الواردات إذا وجدت ممارسات مضادة للتنافس وأعمالاً غير مشروعة خلال استيراد المواد.

9 دعاوى الأسرار التجارية في الممارسة العملية

بما أن قيمة الأسرار التجارية تنبع من سريتها، فإن العديد من التحديات الفريدة تنشأ عندما يكتشف أصحاب الأسرار التجارية تسريبًا أو اختلاسًا محتملاً للأسرار التجارية. وتعد الإجراءات القضائية المتعلقة بالأسرار التجارية معقدة. ويحتاج أصحاب الأسرار التجارية إلى اتخاذ قرارات حاسمة لمنع الأضرار الناجمة عن سوء الاستخدام أو التسريب، أو الحد منه. وتقدم القصة التالية (التي تستند إلى مثال آلة "Serve Machine 1100" الوارد في الجزء الرابع) مثالاً لكيفية تعامل صاحب السر التجاري مع نزاع بشأن السر التجاري.

مثال على دعوى قضائية: آلة "The Serve Machine 1100" - دعوى قضائية بشأن الأسرار التجارية

تُعد شركة Super Tennis Racket واحدة من أكبر شركات إنتاج مضارب التنس في العالم. ويعود نجاحها التجاري الحالي بشكل كبير إلى آلة التصنيع المبتكرة التي تحمل اسم "The Serve Machine 1100". ولقد تم حماية أهم ميزات هذه الآلة باعتبارها أسرارًا تجارية.

وفي أحد الأيام، غادرت آنا الشركة؛ وكانت آنا تعمل في قسم أنشطة البحث والتطوير في الشركة الذي طور آلة "The Serve Machine 1100" ومن ثم انتقلت إلى العمل على مشروع آخر قبل مغادرتها الشركة. وبعد أشهر قليلة من رحيلها تبين ما يلي:

  • كذبت آنا خلال مقابلة الخروج، ولم تفصح عن اسم الشركة الجديدة التي انتقلت اليها والتي كانت منافسة للشركة واسمها The Bad Player

  • وخلال أيام عملها الأخيرة، فتحت آنا عددًا هائلاً من المستندات المتعلقة بآلة "The Serve Machine 1100" على الكمبيوتر المحمول الخاص بها، وفتحت كل مستند لبضع ثوانٍ فقط. ورأى زميلها آنا تلتقط صوراً لشاشة الكمبيوتر الخاصة بها باستخدام هاتفها الذكي.

ورغم أن زميلها لم يتمكن من رؤية ما كان على شاشتها، إلا أن شركة The Super Tennis Racket اشتبهت بشدة بأن آنا التقطت صوراً للوثائق التي تحتوي على المعلومات المتعلقة بالأسرار التجارية وأطلعت شركة The Bad Player عليها.

فاستعانت شركة The Super Tennis Racket بخبير خارجي في مجال الأدلة الجنائية الرقمية وطلبت منه جمع الأدلة المتعلقة بالعمليات التي قامت بها آنا على الكمبيوتر المحمول خلال الأيام الأخيرة من عملها في الشركة حتى يكون لديها أدلة مقنعة يمكن تقديمها إلى المحكمة.

وبسبب الحاجة إلى التدخل بشكل سريع من دون لفت انتباه شركة The Bad Player وآنا، قررت شركة The Super Tennis Racket عدم إرسال رسالة توقف وكف إليهما، بل شرعت مباشرة في رفع دعوى قضائية ضدهما بتهمة اختلاس الأسرار التجارية.

وقعت هذه الأحداث في إيطاليا. والمحكمة المختصة هي محكمة ميلانو، والتي تملك قسما متخصصا في الملكية الفكرية يتعامل مع الدعاوى بشأن الأسرار التجارية بشكل منتظم.

وعندما قدمت شركةThe Super Tennis Racket طلبها إلى المحكمة، حددت أسرارها التجارية وطلبت من المحكمة اعتماد تدابير السرية للحفاظ على سريتها خلال الإجراءات القضائية. ووضحت شركة The Super Tennis Racket للمحكمة سبب كون المعلومات المتعلقة بالميزات المبتكرة لآلة "The Serve Machine 1100" مؤهلة للحماية بموجب نظام الأسرار التجارية.

وفي طلبها، طلبت شركة The Super Tennis Racket من المحكمة ما يلي:

  • إجراء مؤقت من جانب واحد للحفاظ على الأدلة التي تملكها آنا وشركة The Bad Player، والتي تتكون من الوصف التفصيلي للمعلومات والوثائق المختلسة، والمواد والأدوات المستخدمة في إنتاج و/أو توزيع المنتجات المخالفة المتعلقة بالأسرار التجارية،

  • أمر قضائي أولي من جانب واحد ضد آنا وشركة The Bad Player يمنعهما من استخدام الأسرار التجارية والوثائق المختلسة.

ومنحت المحكمة التدابير المطلوبة من جانب طرف واحد. كان من الواضح للوهلة الأولى بأن بعض ميزات "The Serve Machine 1100" مؤهلة للحماية بموجب نظام الأسرار التجارية. وأثبتت الأدلة الظرفية التي قدمتها شركة The Super Tennis Racket أن عملية اختلاس الأسرار التجارية من قبل آنا وشركة The Bad Player قد وقعت على الأرجح. كما اقتنعت المحكمة بضرورة منح التدابير المطلوبة على وجه السرعة وبشكل من جانب واحد، وذلك بسبب المخاطر المرتبطة بالكشف المحتمل عن الأسرار التجارية بحلول الوقت الذي يمكن فيه الحصول على قرار نهائي بشأن الموضوع بالاضافة إلى خطر تدمير الأدلة إذا تم تنبيه المدعى عليهم مسبقًا.

ونفذت شركة The Super Tennis Racket التدابير التي أصدرتها المحكمة. وتم العثور على مستندات شركة The Super Tennis Racket على الهاتف الذكي الخاص بآنا ونظام إدارة البيانات الخاص بشركة The Bad Player. وفي بعض رسائل البريد الإلكتروني، ناقشت إدارة شركة The Bad Player كيفية استغلال المعلومات والوثائق التي قدمتها آنا بشكل أفضل. وكانت شركة The Bad Player على علم واضح بالاختلاس.

وقدمت شركة The Bad Player وآنا دفاعهما في المحكمة، زاعمتين أن المعلومات التي يُزعم أنها اختلست لا يمكن تصنيفها على أنها أسرار تجارية، لأنها لا تلبي متطلبات حماية الأسرار التجارية. وزعمتا أن شركة The Super Tennis Racket فشلت في اتخاذ إجراءات معقولة للحفاظ على سرية المعلومات. وزعمتا أيضًا أن آنا حصلت على المعلومات ذات الصلة أثناء قيامها بعملها المتمثل بتطوير آلة "The Serve Machine 1100" في قسم أنشطة البحث والتطوير في شركة The Super Tennis Racket، وبالتالي فإن هذه المعلومات ستكون جزءًا من مهاراتها وخبراتها العامة التي يُسمح لها باستخدامها بحرية.

ولم تقتنع المحكمة بالحجج التي قدمها المدعى عليه. ورأت المحكمة أن الوثائق التي تحتوي على المعلومات المتعلقة بالسر التجاري، والتي قامت آنا بتصويرها بشكل منهجي خلال أيام عملها الأخيرة، لم تكن جزءًا من مهارات آنا العامة وخبراتها التي اكتسبتها أثناء عملها.

وفيما يتعلق بمتطلب الإجراءات المعقولة، رأت المحكمة أن شركة The Super Tennis Racket نجحت في تلبية المعيار اللازم من خلال عرضها لخطة إدارة الأسرار التجارية الخاصة بها والتي يتم تطبيقها في الشركة، بما في ذلك تدابير الحماية المختلفة التي اتخذتها الشركة.

وأكدت المحكمة على التدابير المؤقتة والأمر القضائي الأولي الصادر بالفعل ضد المدعى عليهم من جانب واحد.

ولم ترغب آنا وشركة The Bad Player في متابعة الإجراءات القضائية التي تستند إلى الحقائق المقدمة والتي قد تُجبرهما أيضًا على دفع تعويضات عن الاختلاس. ولذلك اقترحتا على شركةThe Super Tennis Racket التفاوض وإيجاد حل ودي لتسوية النزاع.