في القرن الحادي والعشرين، أصبحت القدرة التنافسية في مجال الاقتصاد تعتمد بشكل أكبر على القدرة على ابتكار المعارف الجديدة وتكييفها وتسويقها (يرجى الاطلاع على الشكل 2.1). وتواجه منظومات الابتكار التي تفشل في بناء قدرات الابتكار الضرورية خطر انحصار دورها في أنشطة إنتاج ذات قيمة منخفضة، في حين يحصد رواد الابتكار أعلى العوائد الاقتصادية.
توسع الابتكار على الصعيد العالمي وارتفاع مستوى الحنكة
منذ عام 2000، شهد النمو الاقتصادي تقدما ملحوظا وفي نفس الوقت لوحظ ارتفاع عدد الابتكارات لكل فرد في عدد من المجالات مثل الصادرات والعلامات التجارية والمنشورات العلمية، في حين بقي نمو البراءات محدودًا نسبيًا. ويعكس هذا المسار التصاعدي التحول العالمي نحو الاقتصادات القائمة على المعرفة، حيث تحدد قدرات الابتكار بشكل متزايد القدرة التنافسية على الصعيد الوطني.
ولكن النمو كان متفاوتاً للغاية بين البلدان (يرجى الاطلاع على الجدول 2.1). ففي حين شهدت بعض الاقتصادات نمواً هائلاً (سجلت الصين معدل نمو قدره 62 ضعفاً في المنشورات العلمية و65 ضعفاً في مجال ريادة الأعمال، وسجلت جمهورية كوريا نمواً كبيرا في مجال ريادة الأعمال يزيد عن 12 ضعفاً)، حقّقت الدول الرائدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والدول الأوروبية نتائج متواضعة (ضعف أو ثلاثة أضعاف النتائج السابقة فقط). ويشير هذا التباين إلى تحوّل هيكلي عميق، اذ تعمل الاقتصادات الآسيوية الناشئة على تطوير قدرات الابتكار بشكل سريع في حين يواجه القادة التقليديون تحدّي الحفاظ على مسارات نمو قوية انطلاقًا من مستويات مرتفعة أصلًا.
وإلى جانب الحجم الكمي، تتّجه الابتكارات نحو مستويات أعلى من الحنكة والتداخل بين التخصّصات (يرجى الاطلاع على الشكل 2.2). فالعلامة التجارية الدولية الواحدة تغطّي في المتوسط تسعة مجالات من الابتكار (على سبيل المثال، العلامة التجارية لأي هاتف ذكي تشمل على الأقل المجالات التالية: الإلكترونيات والبرامج الحاسوبية والاتصالات والترفيه)، في حين تغطّي المنشورات العلمية في المتوسط أربعة مجالات، فعلى سبيل المثال، تجمع أبحاث الذكاء الاصطناعي بين علوم الحاسوب وعلم الأعصاب والأخلاقيات والإحصاءات. أمّا البراءات، فتبقى محصورة أكثر، إذ تغطّي في المتوسط 1.5 مجال فقط، وتتناول عادةً حلولًا تقنية محددة. ويشير هذا التكامل بين المجالات إلى أنّ الابتكارات الحديثة تتطلّب على نحو متزايد قدرات معرفية متنوّعة.
ويمكن القول بشكل مختصر أنه رغم أن الابتكارات أصبحت أكثر تطوراً وحنكة ورغم النمو المستمر لقدرات الابتكار على الصعيد العالمي، يبقي هذا النمو غير متكافئ إلى حد كبير. وهذا الأمر يحثنا على طرح السؤال الاستراتيجي التالي: إلى جانب تطوير الابتكارات الفردية، هل تُعتبر الاقتصادات قادرة على بناء قدراتها والاستفادة منها بنجاح وبطريقة تسمح لها بالتكيف مع الاقتصاد القائم على المعرفة والذي يشهد تطورًا ونموًا سريعًا؟
رغم أن معظم منظومات الابتكار تمكنت من تنويع قدراتها، إلا أن العديد منها لا يزال متأخراً
يعتمد الابتكار اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على تنوّع القدرات المرتبطة بالمعرفة ضمن منظومات الابتكار. ورغم إمكانية نقل المعرفة المتجسدة في الأدوات والبرامج الحاسوبية والعمليات عبر الحدود، إلا ان المعرفة المُضمرة، والقدرة على فهم هذه المعرفة ودمجها، تبقى كامنة داخل العقل البشري وبالتالي تخضع لقيود الطبيعة. وتاريخياً، عندما كان حجم المعرفة البشرية محدوداً، تمكن عدد من العباقرة مثل دافنشي ونيوتن وديكارت من إتقان تخصصات متعددة في آن واحد. أما اليوم، فقد أصبح من المستحيل تحقيق هذا المستوى من التميز المعرفي على الصعيد الفردي بسبب النمو السريع للمعرفة.
والحل هو "التخصص الجماعي": حيث يطور الأفراد خبرة عميقة في مجالات محددة ويعملون ضمن فرق تضم تخصصات متنوعة. فعلى سبيل المثال، يتطلب تحقيق اختراق في مجال الذكاء الاصطناعي أن يعمل متخصصون في علوم الحاسوب وعلم الأعصاب والأخلاقيات والهندسة معًا. وبالتالي، يكون الأفراد متخصصين في مجالات محددة، ويعملون ضمن إطار منظومات تتسم بالتنوع.
وعلى مستوى منظومات الابتكار، يترجم ذلك إلى تنوع في القدرات. اذ تتميز منظومات الابتكار الناجحة بتنوعها العالي - فهي قادرة على الجمع بين عدة معارف متخصصة لمعالجة التحديات المعقدة والعابرة للتخصصات (يرجى الاطلاع على المربع 2.1).
يمكن تحديد ما إذا كانت منظومة ابتكار قد أتقنت مجالاً معيناً من خلال اتباع أحد النهجين التاليين. يحدد التخصص المطلق الرواد العالميين - مثل الولايات المتحدة في أبحاث الذكاء الاصطناعي أو الصين في تكنولوجيات التصنيع. ويحدد التخصص النسبي التميز في مجال محدد - مثل قوة الدنمارك في مجال طاقة الرياح أو خبرة سويسرا في مجال الأدوية، حيث تحقق منظومات أصغر حجماً تفوقاً نوعياً في مجالات محددة يتجاوز بكثير حجم نشاطها الابتكاري العام.
يشهد العالم تنوعاً في قدرات الابتكار، ولكن هذا التنوع غير متكافئ (يرجى الاطلاع على الشكل 2.3). فأكثر من نصف منظومات الابتكار في جميع أنحاء العالم - 54 بالمائة - تتقن الآن قدرات ابتكار أكثر تنوعاً مما كانت عليه في بداية القرن. وقد حدث التحول الأكثر دراماتيكية في منطقة شرق آسيا، حيث سجلّت الاقتصادات مُجتمعةً ارتفاعا في تنوع القدرات من 25 بالمائة إلى 64 بالمائة في جميع مجالات الابتكار التي تم تتبعها على مدى السنوات الـ 23 الماضية. وتشكّل هذه الزيادة الهائلة، البالغة 39 نقطة مئوية، أكبر تحول إقليمي في بناء قدرات الابتكار في العصر الحديث.
ومن جهة أخرى، لا يمكن اعتبار عدم تمكن 46 من منظومات الابتكار من تنويع قدراتها بشكل كبير أمراً إشكالياً. إذ يمكن أن يكون التخصص الاستراتيجي في المجالات التي تشهد تنافسا عاليا في اقتصاد ما، مساراً فعالاً لتحقيق النجاح على المديين القصير والمتوسط. والسؤال الجوهري هو ما إذا كانت هذه المنظومات تطور قدرات ذات جودة وحنكة أعلى بمرور الوقت - بغض النظر عن مستوى التنوع.
ومرة أخرى، تتصدر منطقة شرق آسيا مسيرة التحول نحو القدرات العالية الحنكة؛ فقد تجاوزت مستويات الحنكة فيها تلك المسجلة في أوقيانوسيا، وبدأت تقترب من تلك التي تتمتع بها أوروبا وأمريكا الشمالية (يرجى الاطلاع على الشكل 2.4). وأحرزت الاقتصادات الأفريقية أيضاً تقدماً ملحوظاً في بناء قدرات أكثر تطوراً، رغم أنها لا تزال متأخرة بشكل كبير عن المناطق الأخرى. ويعكس هذا النمط الجهود الحثيثة التي تبذلها منطقة شرق آسيا في مجال تطوير منظومات ابتكار متقدمة بالاضافة إلى حجم الابتكار الذي تنتجه.
يؤثر عدد السكان على تنوع قدرات الابتكار ولكنه لا يحدده (يرجى الاطلاع على الجدول 2.2). فالاقتصادات النامية الكبرى، مثل الهند، تستغل حجمها بشكل فعال، حيث تتقن حوالي ثلث جميع المجالات التي تم تتبعها في هذا التقرير، بينما تغطي النمسا 77 بالمائة من القدرات مع تسعة ملايين نسمة فقط. وللحصول على فكرة أوضح، ينبغي مقارنة الاقتصادات ذات الأحجام المتقاربة التي تسجل نتائج مختلفة تمامًا. فعلى سبيل المثال، تتمتع البرازيل بتنوع في القدرات يفوق تنوع القدرات في نيجيريا بنحو تسعة أضعاف، على الرغم من تقارب عدد السكان في البلدين. وتُظهر اليابان أيضاَ تنوعاً يفوق تنوع المكسيك بخمسة أضعاف على الرغم من التشابه الديموغرافي بينهما.
وتكشف هذه التباينات أن عوامل أخرى، غير عدد السكان، تلعب دورًا أساسيا، بما في ذلك النظام التعليمي وجودة المؤسسات وسياسات الابتكار. فالنجاح لا يعتمد على النواحي الديموغرافية بقدر ما يعتمد على الخيارات الاستراتيجية المتعلقة بالاستثمار في البنية الأساسية للمعرفة.
تُعد عملية تطوير قدرات الابتكار أكثر صعوبة بكثير من عملية تحقيق النمو الاقتصادي (يرجى الاطلاع على الشكل 2.5). وفي حين أن 68% من الاقتصادات قد نجحت في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للفرد خلال العقدين الماضيين، وحققت نسبة مماثلة (66%) تنوعًا أكبر، إلا أن 30% فقط تمكنت من تحسين مستوى الحنكة في مجال الابتكار - مما يعكس أن تعزيز "الحنكة" هو أصعب التحديات التنموية.
يقدم التقدم السنوي صورةً أكثر وضوحًا. ففي العقد الماضي، باستثناء فترة جائحة عام 2020، نما الناتج المحلي الإجمالي في 55 إلى 65 بالمائة من الاقتصادات سنوياً. في حين تبين أنه من الأصعب تحقيق مكاسب في مجال التنوع، حيث شملت ما بين 35 إلى 50 في المائة فقط من المنظومات سنوياً. أما التحسينات في مستوى 'الحنكة' فهي الأندر على الإطلاق، إذ أنها لم تتحقق إلا في 30 إلى 40 في المائة من البلدان سنوياً. وتشير هذه الأنماط إلى أنه في حين أن النمو الاقتصادي يشكّل بحد ذاته تحدياً، فإن تطوير قدرات الابتكار تتسم بمستوى عال من الحنكة يتطلب جهداً استراتيجياً مستداماً تواجه معظم الاقتصادات صعوبات في الحفاظ عليه.
اكتساب القدرات الأكثر حنكة أصبح الآن أكثر صعوبة
تهيمن مجموعة صغيرة من الاقتصادات الرائدة على قدرات الابتكار بشكل متزايد. فعلى مدى العقد الماضي، انحصرت معظم قدرات الابتكار العالمية في 30 في المائة فقط من الاقتصادات، بعكس الاتجاهات السابقة التي كانت تشير إلى ان هذه القدرات ستنتشر على نطاق أوسع.
ومع ذلك، لا تزال القدرات موزعة بشكل أكثر "ديمقراطية" من الثروة الاقتصادية - فهي منتشرة بمعدل يفوق الناتج المحلي الإجمالي بثلاثة أضعاف، ويتجاوز انتشار السكان بستة أضعاف. وقد حدث معظم هذا الانتشار في القدرات خلال العقد الأول من هذا القرن؛ ولكن هذه العملية تباطأت بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين.
وعلى الرغم من هذا التباطؤ، نجحت العديد من الاقتصادات في دخول المشهد العالمي للابتكار كلاعبين مؤثرين: البرازيل، الهند، الأردن، كازاخستان، لاتفيا، لبنان، ليتوانيا، مالطا، المغرب، قطر، الاتحاد الروسي، المملكة العربية السعودية، صربيا، تونس، أوكرانيا وفييت نام. ويُظهر هؤلاء الوافدون الجدد أن بناء القدرات لا يزال ممكناً، وإن كان يزداد صعوبة في ظل تركّز القدرات لدى عدد محدود من الاقتصادات الرائدة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن معظم هؤلاء الوافدين الجدد تمكنوا من دخول المشهد العالمي للابتكار من خلال تطوير قدراتهم في مجالي ريادة الأعمال والعلوم (يرجى الاطلاع على الشكل 2.6). فمع مرور الوقت، أصبحت القدرات العلمية (7.4 بالمائة من المنظومات) والقدرات المتعلقة بريادة الأعمال (7.7 بالمائة) أقل تركيزًا، مما أتاح مشاركة عالمية أوسع نطاقاً. وفي المقابل، بقيت التكنولوجيا (4.5 بالمائة) وقدرات الإنتاج (5.2 بالمائة) أكثر انحصارًا بين الاقتصادات الرائدة الراسخة.
ولا تزال القدرات التكنولوجية تمثل المجال الأكثر حنكة في مجال الابتكار، وبالاضافة إلى ذلك، يشهد مستوى الحنكة في هذا المجال ابتعادا متزايدا عن الأبعاد الأخرى (يرجى الاطلاع على الشكل 2.7). فخلال السنوات الخمس الماضية، ارتفع مستوى الحنكة في مجال التكنولوجيا بشكل سريع وتفوق إلى حد كبير على المجالات الأخرى، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين القدرات التكنولوجية من جهة والقدرات المتعلقة بالعلوم وريادة الأعمال والإنتاج من جهة أخرى.
وتجدر الاشارة إلى أن مستوى الحنكة في مجالي العلوم والإنتاج قد انخفض فعليًا، مما جعل هذه القدرات أقل اعتمادًا على المعارف المرتبطة بها لإتقانها. وفي حين لا تزال هذه القدرات نادرة نسبياً على مستوى العالم، إلا أنها أصبحت متاحة بشكل أكبر ككفاءات مستقلة. ويشير هذا التوجه إلى أنه في حين يتطلب تطوير التكنولوجيا معارف مترابطة بشكل أعمق، فإن مجالات الابتكار الأخرى أصبحت أكثر نمطية ومن الأسهل الحصول عليها بشكل مستقل.
من بين أسرع 100 مجال ابتكار نموًا، تمثل القدرات ذات الحنكة العالية 40 في المائة منها، ولكنها تظهر أنماط انتشار متفاوتة للغاية عبر المنظومات المختلفة (يرجى الاطلاع على الجدول 2.3). فبينما تتركز بعض المجالات ذات النمو المرتفع بين عدد أقل من الجهات الفاعلة، تنتشر مجالات أخرى في اقتصادات جديدة. ويشكل 'إنترنت الأشياء' نموذجاً لهذا التركز. فقد نما هذا المجال التكنولوجي الذي يتسم بمستوى عال من الحنكة بمقدار 4.1 مرة خلال السنوات الخمس الماضية، ولكنه أصبح موجودًا في عدد أقل من منظومات الابتكار، مما يشير إلى تزايد التخصص بين الاقتصادات الرائدة. وعلى النقيض من ذلك، يُظهر المجال العلمي المرتبط بأثر الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته انتشارًا أوسع، إذ نما بمقدار 3.6 مرة وانتقل إلى 30 في المئة إضافية من الاقتصادات. والمثير للدهشة أن هذا المجال يقع في الجزء الأدنى من نطاق الحنكة. ويعود ذلك - كما هو حال العديد من القدرات في مجال التقدم العلمي للذكاء الاصطناعي - إلى انتشاره في اقتصادات ليست متنوعة للغاية ولكنها قادرة على المساهمة بشكل كبير.
وتكشف هذه الأنماط المتباينة أن النمو السريع للابتكار لا يضمن بالضرورة تبنيه على نطاق واسع. فالتكنولوجيات الناشئة الأكثر حنكةً تميل إلى التركز لدى الاقتصادات الرائدة التقليدية، بينما يمكن للمجالات التي تتمتع بمستوى متوسط من الحنكة أن تنتشر على نطاق أوسع عبر مشهد الابتكار العالمي.
تُسلط هذه الأنماط المتباينة الضوء على تحدٍ استراتيجي مهم جدا: ليست كل عمليات التنويع متشابهة. فمجرد التوسع في المزيد من مجالات الابتكار قد يكون غير كافٍ إذا بقيت هذه القدرات معزولة، أو إذا كانت تفتقر إلى مستوى الحنكة المطلوب الذي يمنحها ميزة تنافسية طويلة الأمد. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري هو: هل تستطيع الاقتصادات توجيه خياراتها الابتكارية بشكل استراتيجي من خلال تحديد القدرات الناشئة التي ينبغي العمل على تطويرها بناءً على قاعدتها المعرفية الحالية وعلى مستوى الحنكة الإضافي المطلوب لتبنّي هذه القدرات بنجاح؟
من هي الجهات التي تبنت نهجاً استراتيجياً لتطوير القدرات؟
التنويع الاستراتيجي للقدرات كمسار للتنمية
يتطلب التنويع الاستراتيجي للقدرات تحقيق التنوّع وزيادة مستوى حنكة منظومة الابتكار في الوقت نفسه – وهو مسعى أكثر صعوبة بكثير من مجرد التوسع في مجالات جديدة. وإن مبدأ الترابط - الذي تميل بموجبه الاقتصادات إلى التنويع من خلال اختيار المجالات الأقرب إلى قدراتها الحالية - قد يشكل فخاً محتملاً للمنظومات النامية. فالاقتصادات التي تبدأ بمستويات منخفضة من التنويع والحنكة قد تجد نفسها تكتسب بشكل منهجي قدرات منخفضة الحنكة فقط، مما يُكرّس موقعها المتدنّي في التسلسل الهرمي العالمي للابتكار.
ويتفاقم هذا التحدي بسبب أنماط ترابط المسارات التي تبرز على صعيد مستويات التنمية المختلفة (يرجى الاطلاع على الشكل 2.8). إذ تميل المنظومات الأقل تنوعاً إلى اكتساب قدرات قريبة جداً من قدراتها الحالية، في حين تستطيع المنظومات الأكثر تنوعاً إتقان مجالات بعيدة عن قاعدتها المعرفية الحالية بنجاح.
وتجدر الاشارة إلى أنه يوجد تباين ملحوظ في استراتيجيات التنويع. فالاقتصادات السريعة النمو مثل الهند وبولندا تنجح في تحقيق 'قفزات نوعية' نحو مجالات أبعد وأكثر حنكة، بينما تتبع دول أخرى، مثل أستراليا وشيلي، نهجاً تدريجياً لتنويع قدراتها.
ويكشف قياس 'مدى ذكاء التنويع' عن توجهات مثيرة للقلق في بناء القدرات العالمية (يرجى الاطلاع على الشكل 2.9)؛ فخلال العقد الماضي، انخفض عدد الاقتصادات التي تنجح في رفع مستوى الحنكة وتحقيق المزيد من التنوع في الوقت نفسه، في حين ارتفع عدد الاقتصادات التي تسجل تراجعًا في هذين البعدين معاً في العام نفسه - مما يشير إلى أن العديد من منظومات الابتكار تجد صعوبة في مواجهة التحدي المزدوج المتمثل في زيادة عدد القدرات (التنويع) وتحسين مستوى الحنكة.
وتجدر الاشارة إلى أن البيانات الحديثة تظهر مؤشرات محتملة للتعافي بعد عام 2020، مما يشير إلى أن بعض المنظومات قد بدأت في تكييف استراتيجياتها للتغلب على هذا التحدي التنموي المزدوج.
تُعدّ الاقتصادات السريعة النمو التي حققت تنويعاً مستدامًا في القدرات العالية الحنكة على مدار العقد الأكثر نجاحًا (يرجى الاطلاع على الجدول 2.4). فقد سجلّت الصين وإندونيسيا وفييت نام مكاسب في التنوع والحنكة في نفس الوقت خلال ثماني سنوات من أصل عشر سنوات. وفي المقابل، شهد عدد من الاقتصادات مثل جنوب إفريقيا والنمسا تراجعا في كلا البعدين. وقد تستفيد هذه الاقتصادات من استهداف أكثر استراتيجية للقدرات، من خلال التركيز على اكتساب القدرات التي تعمل كجسر يربط بين كفاءاتها الحالية والقطاعات التي تتمتع بمستوى أعلى من الحنكة.
ولكن البيانات تكشف عن نمط استراتيجي آخر: فعلى الرغم من عدم اكتساب الاقتصادات الشديدة التنوع مثل الولايات المتحدة أي قدرات جديدة، إلا أنها زادت من مستوى الحنكة التي تتمتع به في معظم السنوات عن طريق التخلي عن القدرات الأقل أهمية والحفاظ على الكفاءات التي تحقق أعلى المكاسب. ويشير هذا الأمر إلى أنه بالإضافة إلى اكتساب قدرات جديدة، يجب على منظومات الابتكار الناجحة أيضًا إدارة محفظتها الحالية من القدرات بشكل استراتيجي.
تعميق التخصص لدعم التنويع
ينطوي تعميق التخصص على تركيز الموارد بشكل استراتيجي على القدرات الأكثر حنكة وذات القيمة العالية، مع حمايتها بمعارف وخبرات اضافية تكميلية تمكنها من الازدهار. وبخلاف استراتيجيات التنويع التي تسعى إلى زيادة عدد القدرات، يركز هذا النهج على العمق والترابط - أي تحديد القدرات التي تحقق أعلى العوائد وضمان استدامتها من خلال توفير منظومة من الكفاءات الداعمة لها.
ولنأخذ التكنولوجيا الحيوية كمثال: إن إتقان الهندسة الوراثية لا يتطلب فقط مهارات مخبرية، بل يتطلب أيضاً قدرات داعمة لها في عدد من المجالات مثل الامتثال التنظيمي، والبحوث السريرية، وتحليل البيانات، والأطر الأخلاقية. وقد يؤدي تخلي الاقتصادات عن هذه المجالات الداعمة إلى إضعاف قدراتها الأساسية في التكنولوجيا الحيوية أو جعلها غير مستدامة.
ويفسر نهج الإدارة هذا كيف يمكن لقادة الابتكار الراسخين الحفاظ على قدرتهم التنافسية على الرغم من تراجع ضئيل في تنوعهم - فهم يركزون استراتيجياً على قدراتهم الأكثر حنكة ويحرصون على الحفاظ على منظومة المعرفة الداعمة لها.
تعميق التخصص هو أمر ممكن ولكنه يتطلب اتباع مسار مليء بالتحديات. ففي كل عام، تنجح حوالي 40% من منظومات الابتكار في رفع مستوى الجهود المستثمرة في قدراتها الأكثر حنكة مع تحسين المستوى العام للحنكة في الوقت نفسه - مما يدل على التركيز المزدوج المطلوب للحفاظ على مركز ريادي في مجال الابتكارات ذات الحنكة العالية (يرجى الاطلاع على الشكل 2.10).
ورغم ذلك، قد يكون هذا التوازن هشاً خلال فترات الأزمات. فقد أحدثت جائحة 2020 اضطراباً ملحوظاً، أجبر معظم الاقتصادات على الاختيار بين التخصص في القدرات التي تملكها في الوقت الراهن أو تحسين مستوى الحنكة، دون القدرة على تحقيقهما معاً. لحسن الحظ، استقر الأداء مجددًا بحلول عام 2022، مما يشير إلى أنّ الاضطرابات التي تصيب إدارة القدرات خلال الأزمات قد تكون مؤقتة وليست هيكلية.
يختلف الأداء في استراتيجيات التخصص اختلافًا كبيرًا بين الاقتصادات (يرجى الاطلاع على الجدول 2.5). فقد تصدرت الصين والهند وفييت نام المشهد، حيث نجحت خلال ثماني سنوات من أصل عشر في زيادة مستوى الجهود المستثمرة في القدرات العالية الحنكة وفي الوقت نفسه تمكنت من تحسين المستوى العام للحنكة. وتُظهر هذه الاقتصادات الثلاثة تركيزًا استراتيجيًا واضحًا على القدرات التي تسمح بتحقيق أقصى قدر من المكاسب، دون التفريط بالكفاءات العالية الحنكة.
وفي المقابل، واجهت جنوب أفريقيا والاتحاد الروسي تحدّيات كبيرة، حيث كافحتا لتحقيق هذا التوازن في معظم السنوات. وتُوكد هذه الصعوبات كيف يمكن لمحدودية الموارد أو لعدم اتساق التوجّه الاستراتيجي أن يَحول دون تمكّن الاقتصادات من تعزيز استثمارها في قدراتها الأعلى قيمة وفي الوقت نفسه الحفاظ على مستوى عالٍ من الحنكة في مجال الابتكار.
إذن، هل يستفيد العالم فعليًا من قدراته في مجال الابتكار؟
على الرغم من التوسّع المستمر لقدرات الابتكار على الصعيد العالمي، تمكّن عدد محدود فقط من الاقتصادات من إتقان الاستراتيجيات المتقدّمة اللازمة لتحويل هذا النمو إلى ميزة تنافسية مستدامة.
وتُظهر البيانات صورةً لِعالمي ابتكار متمايزين. في العالم الأول، نجحت الاقتصادات الآسيوية السريعة النمو - بقيادة الصين والهند وفييت نام - في فهم آليات تطوير القدرات الذكية. فقد حقّقت هذه الاقتصادات بشكل مستمر تنويعًا ذكيًا (زيادة عدد القدرات وتحسين مستوى الحنكة في آنٍ واحد)، والإدارة الذكية للقدرات (تكثيف التركيز على القدرات العالية القيمة، وحمايتها من خلال ضمان توفر المعارف والخبرات الداعمة لها).
أما في العالم الآخر، لا تزال العديد من الاقتصادات الراسخة والناشئة تواجه صعوبة في التعامل مع هذا التحدّي المزدوج. وعلى الرغم من توسع القدرات على الصعيد العالمي، لم تحقق 46% من منظومات الابتكار أي تنوع مفيد. ولم تُسّجل 70% من البلدان أي تقدم يذكر في مجال تحسين مستوى الحنكة، وقد شهد انتشار القدرات ركوداً خلال العقد الماضي. وحتى الاقتصادات المتقدّمة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فقد حقّقت نجاحها بشكل أساسي من خلال إدارة انتقائية للقدرات، وليس عبر توسيع نطاق محفظة قدرات الابتكار.
والآثار المترتبة على ذلك واضحة: ففي اقتصاد عالمي يستند على المعرفة بشكل متزايد، لم يعد إنتاج الابتكارات بحدّ ذاته كافيًا. إذ يتطلّب النجاح إتقان التوازن الدقيق بين التنويع والتخصّص، وبين اكتساب قدرات جديدة والتعمّق في القدرات الموجودة أصلا لدى كل منظومة. فالاقتصادات التي تتعلّم كيف تُدير هذا التعقيد الاستراتيجي هي التي ستُحدد ملامح الابتكار العالمي في العقود المقبلة، في حين ستواجه الاقتصادات التي تعجز عن ذلك خطر الانزلاق التدريجي بعيدا عن الاقتصاد القائم على المعرفة.