المعارف التقليدية والملكية الفكرية

تم وضع النظام الدولي الحالي لحماية الملكية الفكرية خلال عهد التصنيع في الغرب كما تم تطويره في وقت لاحق بما يتماشى مع الاحتياجات المفترضة للمجتمعات المتقدمة من الناحية التكنولوجية. ولكن، خلال السنوات الأخيرة، طالبت الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية الأخرى والحكومات في البلدان النامية بشكل خاص بحماية مكافئة لأنظمة المعارف التقليدية. وفي سنة 2000، أنشأ أعضاء المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) اللجنة الحكومية الدولية المعنية بالملكية الفكرية والموارد الوراثية والمعارف التقليدية والفولكلور كما اتفقوا في سنة 2009 على وضع "صك قانوني دولي" (أو أكثر) من شأنه أن يوفر الحماية الفعالة للمعارف التقليدية والموارد الوراثية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي (الفولكلور). وقد يتخذ هذا الصك شكل توصية إلى أعضاء الويبو أو معاهدة رسمية تلزم البلدان التي تختار التصديق عليها.

ولا تُعرف المعارف التقليدية بهذا الاسم نظراً لقدمها بل لأنها تمثل مجموعة المعارف التي تم تطويرها والحفاظ عليها ونقلها من جيل إلى آخر في إطار مجموعة محددة فغالباً ما تشكل جزءاً من هويتها الثقافية أو الروحانية. وبالتالي لا يسهل حمايتها في إطار نظام الملكية الفكرية الحالي الذي يمنح الحماية عادة لفترة محددة إلى الاختراعات والمصنفات الأصلية التي يكون أصحابها أشخاص معينين. وإن وجود الحيوية في استخدام المعارف "التقليدية" يزيد كذلك من صعوبة التعريف بها.

وسيكون الاعتراف بالأشكال التقليدية للنشاط الإبداعي والابتكاري كملكية فكرية قابلة للحماية تحولاً تاريخياً في القانون الدولي بما أنه يمكّن المجتمعات الأصلية والمحلية والحكومات من أن يكون لها رأي في انتفاع الآخرين بالمعارف التقليدية الخاصة بها. وقد يسمح ذلك على سبيل المثال بحماية سبل الانتصاف التقليدية وفن وموسيقى الشعوب الأصلية من التملك غير المشروع وبتمكين المجتمعات من مراقبة استغلالها التجاري والانتفاع بها بشكل جماعي.

وعلى الرغم من أن البلدان النامية كان لها الدور الأبرز في بدء المفاوضات الجارية في الويبو ودفعها، فإن المناقشات غير مقسمة بشكل واضح بين "بلدان الشمال" و"بلدان الجنوب". ولا تتشارك المجتمعات والحكومات بالضرورة الآراء نفسها كما أن حكومات بعض البلدان المتقدمة، وخاصة تلك التي تأوي الشعوب الأصلية، تعتبر ناشطة على حد سواء.

يتم السعي إلى تحقيق حماية الملكية الفكرية بنوعيها:

  • الحماية الدفاعية التي تهدف إلى منع الأشخاص من خارج المجتمع من اكتساب حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالمعارف التقليدية. وعلى سبيل المثال، جمعت الهند قاعدة بيانات عن الطب التقليدي يمكن البحث فيها واستخدامها من فاحصي البراءات كدليل على وجود "مجموعة المعارف المتوافرة" لدى تقييمهم طلبات البراءات. وقد جاء ذلك في أعقاب حالة معروفة تتمثل في منح مكتب البراءات والعلامات في الولايات المتحدة براءة (تم سحبها في ما بعد) لاستخدام الكركم كمادة لمعالجة الجروح، وهو استعمال شائع لدى المجتمعات التقليدية في الهند تم توثيقه في النصوص السانسكريتية القديمة. وقد يحوز أيضاً استخدام الاستراتيجيات الدفاعية لحماية التعابير الثقافية المقدسة مثل الرموز أو الرقصات المقدسة.
  • تقتصر الحماية الموجبة على منح حقوق للمجتمعات المحلية بهدف تعزيز المعارف التقليدية الخاصة بها ومراقبة الانتفاع بها وجني فائدة من استغلالها التجاري. ويمكن حماية بعض أوجه الانتفاع بالمعارف التقليدية من خلال نظام حماية الملكية الفكرية الراهن كما قامت بعض البلدان أيضاً بتطوير تشريع محدد. ولكن الحماية المحددة التي يوفرها القانون الوطني قد لا تنطبق على بلدان أخرى، وهو أحد الأسباب التي دفعت المجتمعات المحلية والحكومات على المطالبة باعتماد صك قانوني دولي.

ويتناول عمل الويبو في مجال المعارف التقليدية ثلاثة مجالات مختلفة لكنها متعلقة: المعارف التقليدية بالمعنى الدقيق للكلمة (الدراية التقنية والممارسات والمهارات والابتكارات المرتبطة بالتنوع البيولوجي والزراعة و الصحة على سبيل المثال)، وأشكال التعبير الثقافي التقليدي/تعابير الفولكلور (أشكال التعبير الثقافي مثل الموسيقى والفن والنماذج والرموز والأداء) والموارد الوراثية (المادة الوراثية أو القيمة المحتملة للنباتات والحيوانات والكائنات الدقيقة).

ومع أن المعارف التقليدية والموارد الوراثية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي تشكل بالنسبة لعديد من المجتمعات جزءاً من تراث متكامل واحد، فهي تثير قضايا مختلفة وقد تستلزم مجموعات مختلفة من الحلول من منظور الملكية الفكرية. وفي المجالات الثلاثة كلها، وبالإضافة إلى عملها على وضع "صك قانوني دولي"، تستجيب الويبو لمطالب المجتمعات والحكومات من خلال تقديمها المساعدة العملية والمشورة التقنية لتمكين المجتمعات من الانتفاع بأنظمة الملكية الفكرية الراهنة بفعالية أكبر والمشاركة في مفاوضات اللجنة الحكومية الدولية المعنية بالملكية الفكرية والموارد الوراثية والمعارف التقليدية والفولكلور على نحو أكثر فعالية. ويشمل عمل الويبو المساعدة على تطوير وتعزيز الأنظمة الوطنية والإقليمية لحماية المعارف التقليدية (السياسات والقوانين وأنظمة المعلومات والأدوات العملية) ومشروع الويبو بشأن التراث الإبداعي الذي يوفر التدريب العملي لإدارة الحقوق والمصالح في مجال الملكية الفكرية عند توثيق التراث الثقافي.

المعارف التقليدية

عندما يقوم أفراد المجتمع بالابتكار في إطار المعارف التقليدية، يجوز لهم الانتفاع بنظام البراءات لحماية مصنفاتهم المبتكرة. غير أن المعارف التقليدية بحد ذاتها- المعارف القديمة العهد التي غالباً ما تكون غير رسمية وشفهية – لا تخضع لحماية الأنظمة التقليدية للملكية الفكرية. وقد دفع ذلك بعض البلدان إلى تطوير أنظمتها الخاصة لحماية المعارف التقليدية.

وقد تم أيضاً إطلاق العديد من المبادرات لتوثيق المعارف التقليدية. وفي أغلب الحالات يكون الحافز على ذلك المحافظة عليها أونشرها أو استخدامها في إدارة البيئة على سبيل المثال عوضاً عن استخدامها لغرض الحماية القانونية. ولكن إذا كان توثيق المعارف التقليدية يساهم في إتاحتها للعموم على نطاق أوسع، ولا سيما عندما تتاح عبر الإنترنت، فذلك ما يدعو إلى القلق لأنه قد يؤدي إلى تملكها تملكاً غير مشروع واستخدامها بطرق لم تكن في الحسبان ولا في نية أصحابها.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن يساعد التوثيق على حماية المعارف التقليدية، مثلاً من خلال القيام بتدوين سري أو مؤتمن على سريته للمعارف التقليدية الخاصة بالمجتمع المعني فقط. ويدعم التوثيق الرسمي وسجلات المعارف التقليدية بعض أنظمة الحماية المتخصصة، بينما تؤدي قواعد بيانات المعارف التقليدية – مثل قاعدة بيانات الهند بشأن الطب التقليدي- دوراً في توفير الحماية الدفاعية. وتشير هذه الأمثلة إلى أهمية الربط بين توثيق المعارف التقليدية واستراتيجية خاصة بالملكية الفكرية وأنه لا يقوم ضمن فراغ سياسي أو قانوني.

وفي إطار مناقشات الويبو، يرى الكثيرون أن على الانتفاع بالمعارف التقليدية أن يخضع إلى "الموافقة الحرة المسبقة المستنيرة"، ولا سيما في ما يتعلق بالمواد الثقافية المقدسة والسرية. ولكن يخشى آخرون أن منح المراقبة الاستئثارية على الثقافات التقليدية قد يعيق أنشطة الابتكار ويقلل من أهمية الملك العام كما أنه قد يصعب تطبيقه من الناحية العملية.

الموارد الوراثية

لا تشكل الموارد الوراثية بحد ذاتها ملكية فكرية (فهي ليست عبارة عن إبداعات فكر الإنسان) ولا يمكن بالتالي حمايتها كملكية فكرية. ولكن الاختراعات التي تقوم على الموارد الوراثية أو التي تم تطويرها باستخدام هذه الموارد (سواء ارتبطت بالمعارف التقليدية أو لم ترتبط بها) قد تكون مؤهلة للحماية بموجب براءة أو محمية بموجب حقوق مستولدي النباتات. وبالنظر إلى جوانب الملكية الفكرية التي تتعلق باستخدام الموارد الوراثية، يكمل عمل الويبو الإطار القانوني والسياسي الدولي الذي تحدده اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول ناغويا المرتبط بها والمعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة. وتشمل المسائل قيد النقاش في الويبو:

  • : يهدف هذا الجانب من الحماية إلى منع منح البراءات للموارد الوراثية (والمعارف التقليدية المرتبطة بها) التي لا تفي بشروط الجدة والنشاط الابتكاري الراهنة. وفي هذا السياق، وبهدف مساعدة فاحصي البراءات على العثور على "مجموعة المعارف المتوافرة" المتعلقة، تم تقديم اقتراحات مفادها أن قواعد البيانات الخاصة بالموارد الوراثية والمعارف التقليدية تساعد فاحصي البراءات على تفادي منح البراءات بالباطل كما قامت الويبو بتحسين أدوات البحث وأنظمة التصنيف الخاصة بها. ويرتبط جانب الحماية الآخر، وهو الأكثر إثارة للجدل، باحتمال عدم استيفاء طلبات البراءات لالتزامات معاهدة التنوع البيولوجي في ما يتعلق "بالموافقة المسبقة المستنيرة" و"الشروط المتفق عليها" و"التقاسم العادل والمنصف للمنافع" والكشف عن المنشأ. ويستخدم أحياناً مصطلح "القرصنة البيولوجية" بصورة غير دقيقة للإشارة إلى البراءات المتعلقة بالتنوع البيولوجي التي لا تستوفي معايير استحقاق البراءة أو التي لا تفي بالتزامات معاهدة التنوع البيولوجي – ولكن ليس لهذا المصطلح معنى محدد ودقيق.
  • : قام عدد من البلدان بسن تشريع محلي لتنفيذ التزامات معاهدة التنوع البيولوجي التي تقتصر على ضمان موافقة البلد المسبقة المستنيرة والاتفاق على التقاسم العادل والمنصف للمنافع بغية النفاذ إلى الموارد الوراثية الخاصة بالبلد. وينظر أعضاء الويبو في إمكانية استخدام نظام الملكية الفكرية لدعم هذه الالتزامات وتنفيذها وفي تحديد نطاق هذا الاستخدام. ويرغب عدد كبير من الدول الأعضاء في الويبو، وليس جميعها، في إلزام مودعي طلبات البراءات بالكشف عن مصدر أو منشأ الموارد الوراثية وتقديم البرهان على الموافقة المسبقة المستنيرة والتقاسم العادل والمنصف للمنافع. وتعقد مناقشات موازية في مجلس الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية التابع لمنظمة التجارة العالمية (تريبس).

وتعالج الويبو كذلك جوانب حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالشروط المتفق عليها للتقاسم العادل والمنصف للمنافع. وتقوم المنظمة بتطوير قاعدة بيانات شبكية تتضمن الممارسات التعاقدية المعنية وبتحديثها على نحو منتظم، كما حضرت مشروع مبادئ توجيهية بشأن بنود الملكية الفكرية الواردة في اتفاقات النفاذ وتقاسم المنافع.

أشكال التعبير الثقافي التقليدي

تعتبر أشكال التعبير الثقافي التقليدي (الفولكلور) جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمعات الأصلية والمحلية فهي تجسّد الدراية العملية والمهارة كما تنقل القيم والمعتقدات الجوهرية. وتساهم حماية الفولكلور في التنمية الاقتصادية وتشجيع التنوع الثقافي كما تساعد على صون التراث الثقافي.

ويمكن أن تتم حماية أشكال التعبير الثقافي التقليدي أحياناً بواسطة الأنظمة القائمة مثل حق المؤلف والحقوق المجاورة والبيانات الجغرافية وتسميات المنشأ والعلامات التجارية وعلامات الرقابة (التصديق). وعلى سبيل المثال، تعتبر تحويرات المواد العصرية قابلة للحماية بموجب حق المؤلف بينما يندرج أداء الأغاني والموسيقى التقليدية في إطار معاهدة الويبو بشأن الأداء والتسجيل الصوتي. ويمكن استخدام العلامات التجارية لتحديد الفنون الأصيلة للسكان الأصليين على غرار ما قام به مجلس الفنون في نيوزيلندا. ولدى بعض البلدان تشريع خاص لحماية الفولكلور. وقد وضعت باناما نظام تسجيل خاص بأشكال التعبير الثقافي التقليدي بينما يمنح الإطار الإقليمي لجنوب المحيط الهادئ الخاص بحماية المعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي "الأصحاب التقليديين" حق التصريح أو الحظر من استخدام أشكال التعبير الفولكلوري المحمي والحصول على نصيب من المنافع التي تُجنى من أي استغلال تجاري.

وضع صك قانوني دولي

بما أن نظام الملكية الفكرية الراهن لا يحمي المعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي حماية تامة، فقد طالب عدد من المجتمعات والحكومات بوضع صك قانوني دولي من شأنه أن يوفر حماية خاصة.

وسيقوم الصك القانوني الدولي بتعريف المعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي وهوية أصحاب الحقوق وكيفية حل مسألة المطالب المتنافسة للمجتمعات وتحديد الحقوق والاستثناءات التي ينبغي تطبيقها. وإن النظر في التفاصيل لعملية معقدة نظراً لاختلاف وجهات النظر بشأن أفضل السبل المتاحة للمضي قدماً بما في ذلك مدى إذا كانت حقوق الملكية الفكرية مناسبة لحماية أشكال الابتكار والإبداع التقليدية.

فعلي سبيل المثال، قد ترغب المجتمعات في مراقبة كافة أوجه الانتفاع بأشكال التعبير الثقافي التقليدي الخاصة بها بما في ذلك المصنفات التي تشكل مصدر إلهام لها وإن لم تكن نسخ مباشرة عنها. ومن ناحية أخرى، يسمح قانون حق المؤلف البناء على مصنفات الآخرين، شريطة أن تتميز بالأصالة على نحو كاف. ويجب أن يضع نص الصك القانوني الحد الفاصل بين الاقتراض الشرعي والتملك غير المصرّح به.

في ما يتعلق بالموارد الوراثية، اتفقت البلدان على ضرورة قيام حماية الملكية الفكرية والحفاظ على التنوع البيولوجي على الدعم المتبادل ولكنها اختلفت فيما بينها بشأن كيفية تحقيق هذا الهدف ومدى الحاجة إلى إدخال أي تغيير على قواعد الملكية الفكرية الراهنة.

ويستفيد ممثلو المجتمعات الأصلية والمحلية من الدعم الذي يقدمه الصندوق الطوعي للويبو لحضور محادثات الويبو وستبقى مشاركتهم النشطة ذات أهمية حاسمة لتحقيق نتيجة ناجحة. ومع أن الدرب إلى ذلك لا يزال طويلاً، اتفق أعضاء الويبو على الإسراع في عملهم فقرروا عقد مؤتمر دبلوماسي في نهاية سنة 2012 لاعتماد صك دولي أو أكثر.