المدير العام الجديد للويبو يطرح التحديات والأولويات

خطاب السيد فرانسس غري أمام الجمعية العامة للويبو بمناسبة قبول تعيينه مديرا عاما – 22 سبتمبر/أيلول 2008

سعادة السفير مارتن أوهوموبهي، رئيس الجمعية العامة للويبو،
الدكتور كامل إدريس، المدير العام للويبو،
معالي الوزراء وحضرة المندوبين الموقّرين


فرانسس غري

شكرا لكم إذ شرفتموني ووضعتم ثقتكم فيّ بتعييني في منصب المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو).

كان المسار المؤدي إلى قراركم هذا الصباح طويلا تخللته المشدة أحيانا وظل شيّقا دائما. ويعود أكبر الفضل في تكلل هذا المسار بالنجاح إلى شخصين اثنين أود أن أعلن لهما امتناني بادئ ذي بدء. هل لي أن أذكر في المقام الأول رئيس الجمعية العامة، سعادة السفير مارتن أوهوموبهي. لقد حمل سعادة السفير أوهوموبهي المشعل، بعد أن أنجزت لجنة التنسيق إجراء الترشيح، مرشدا المنظمة، بحكمته المتميزة وهدأة سلطانه وحنكته الدبلوماسية المثالية، من محطة الترشيح إلى محطة الانتخاب. واضطلع أيضا بدور متميز هو دور الراعي الذي اقتاد المنظمة في أثناء فترة انتقالية، وعمل مع الدكتور إدريس ومعي وأشار على كلينا، حارصا على حسن مسيرة الانتقال. كلّنا يَدين لك، سعادة السفير أوهوموبهي، بالامتنان، وأنا منهم وقبلهم.

وأود أن أذكر أيضا فضل رئيسة لجنة التنسيق، السيدة هيلدا سكوربين، التي قامت بمهمة لا تُحسد عليها، إذ قادت هذا المسار طيلة ستة أشهر ليؤدي إلى ترشيح لجنة التنسيق مديرا عاما جديدا في مايو/أيار من هذه السنة. إنّ تحلي السيدة سكوربين بالجلد والشفافية في مسعاها إلى إيجاد الإجراء الذي يمكن أي يَقبله جميع أعضاء لجنة التنسيق ويتفقوا عليه، والتزامها الفعالية والحياد في قيادة الاجتماع الذي تم فيه الانتخاب، إنما يدفعنا جميعا إلى أن نقابل جميل صنيعتها بجميل اعترافنا.

        أما أنا، فقد كنت في الأصل مرشَّح حكومة أستراليا التي أمدّتني يد المساعدة وروح الدعم على مدى ذاك المسار. لذا، أود أن أوجه كلمة شكر لحكومة أستراليا ولممثلة أستراليا الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف، السفيرة كارولين ميلار، ولممثل أستراليا الدائم لدى منظمة التجارة العالمية، السفير بروس غوسبر، ولطاقم العاملين في وزارة الخارجية والتجارة ولمكتب النيابة العامة ومكتب الملكية الفكرية في أستراليا. وأخص بالشكر كل العاملين في البعثات الدائمة لأستراليا في جنيف. أشكرهم على دعمهم وعملهم الحثيث ومشورتهم السديدة والدقيقة ورفقتهم.

        منذ أن رشّحتني لجنة التنسيق، لم أعد مرشح أستراليا وصرت مرشَّح لجنة التنسيق. وقد أفادني أشخاص كثر من الحكومات والبعثات الدائمة وأخص بالذكر منسقي المجموعات وكذا موظفي الويبو، ولا سيما فريق المرحلة الانتقالية، بمشورة لا تقدَّر بثمن، إنما تحتّم عليّ أن أشكر لهم النصح والدعم الذي حظيت به. ربّما يَرشح إلى كثيرٍ منكم، في ما سأقوله هذا الصباح، صدى تلك المشورة التي أسديتمونها ويستشفه في برنامج المنظمة المقبل. إنني آمل أن يقع هذا الصدى في آذانكم موقع إشارة الترحيب بالتعاون المنفتح داخل المنظمة وليس انتحالا لأفكاركم كفعل القرصان بحق المؤلف. وإذ ألتفت إلى جميع الدول الأعضاء والموظفين قاطبة، مَن أيّد ترشيحي في لجنة التنسيق أو اختار حلا آخر، أؤكد لكم أني سأعمل مع كل الدول الأعضاء ولها، وسأبذل كل ما عندي من طاقة في حدود اختصاصي للتغلّب على الانقسامات والوصول إلى مواقف وقرارات يمكنها أن تحظى بأوسع تأييد ممكن في صفوف الدول الأعضاء.

        وقبل أن أنتقل بالحديث إلى المستقبل، ألتفت التفاتة أخيرة لمن سبقوني في منصب المدير العام، ولا سيما المدير العام الخارج، الدكتور كامل إدريس. إذ أود أن أعرب لهم عن امتناننا لهم، هم الذين اتحدت أياديهم لتشييد هذا الصرح وهذه المنظمة. وشكري الخاص، باسم جميع الموظفين، أمدّه للدكتور كامل إدريس الذي خدم الويبو على مدى 25 عاما، ربطتنا خلال 23 عاما منها أواصر الزمالة؛ كما أشكره على قيادته هذه المنظمة مديرا عاما طيلة عهدين اثنين. وأنضم إلى رئيس الجمعية العامة إقراراً بإنجازات الدكتور إدريس وأحيّيه على مبادراته، أثناء عهده، من أجل توسيع نطاق الملكية الفكرية وتعزيز تنوع المشاركة في هذه المنظمة.

        لقد أقام تطور التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع العالمي في السنوات الأخيرة، عددا من التحديات ذات طابع جذري أمام هذه المنظمة. ولعلّ أعمقها ذلك الالتفات الجديد باتجاه الملكية الفكرية. إذ كانت الملكية الفكرية تنعم لسنوات طويلة في هدأة الظلال التي تبعثها طبيعة هذا الموضوع شديد الاختصاص. ثم برزت الملكية الفكرية على غروة، في العقدين الأخيرين، تحت أضواء الرأي العام المسلطة عليها وانطرحت على مائدة التمحيص والتشريح. فأصبح مجرد التكيف مع هذا التغير المناخي في عالم الملكية الفكرية شغلا شاغلا. ومن المجدي التذكير في هذا الصدد بأن الملكية الفكرية ليست غاية بحد ذاتها، بل هي منظومة أدوات لتنفيذ بعض السياسات العامة، ولا سيما من خلال براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية وحق المؤلف، وحفز النشاط الإبداعي والابتكاري الذي لكَم تعاظم اعتمادنا عليه ونشر ثماره، وكذلك العلامات التجارية والبيانات الجغرافية وقوانين مكافحة المنافسة غير المشروعة، وأيضا تهيئة النظام في الأسواق، والتصدي لأعداء السوق والمستهلك من ريبة ولَبس وغش. ويبقى في النهاية أن نقاشاتنا إنما هي استشفافٌ لخير طريقة قادرة على تسخير الملكية الفكرية في خدمة تلك السياسات العامة التي تقوم عليها: هل تعديل الإطار الدولي سينهض بالنشاط الإبداعي والابتكاري وينشره أم سيضغط عليه ويحد منه، وهل سيزيد من اللبس بدل الوضوح في حركة السوق.

        إن عددا من التطورات التي ما برحت تؤثر في مؤسسة الملكية الفكرية كما عهدناها أبداً قد يقوِّض قدرتها على أداء رسالتها الأساسية وهي حفز النشاط الإبداعي والابتكاري والإسهام في ضبط النظام في الأسواق. وعلى الويبو أن تستشرف هذه التطورات وتقف على عواقبها مباشرة.

        وأول تلك التطورات انغراس التكنولوجيا نمطا مستديما في كل جنب من حياتنا اليومية وفي كل ميل من الوجود الاقتصادي. وإذ تسارعت وتيرة هذا النمط، حتى زادت قيمة الابتكار المالية، ومنها النزوع إلى اجتناء حقوق الملكية من وراء حدود المعرفة. عندما أبرمت اتفاقية باريس سنة 1883، كان عدد ما أودع من طلبات البراءات أو الحلول التكنولوجية في العالم يناهز 80 ألف طلب. وفي السنة الماضية بلغ عددها 1.7 مليون. إذاً "العلم بالعلم كالمال بفائدته" حسب قول الكاتب آرثر كونن دويل. وعاقبة هذا النمط أن تجعل من نظام البراءات ضحية نجاحه. إذ إن مكاتب البراءات ترزح تحت وطأة الطلبات وتجهد لأداء عملها في مهل تكفل الاستجابة لاحتياجات الاقتصاد. ففي العالم اليوم ما تقديره 3.5 مليون طلب براءة ينتظر الفحص. وجودة الأداء في مكاتب البراءات هي أيضا محطُ العيون الناقدة. وقد كانت الغاية من معاهدة التعاون بشأن البراءات، وهي عمود هذه المنظمة المالي، إيجاد وسيلة متعددة الأطراف تكفل معالجة هذا النمو في الطلب وتدويل نظام البراءات. وإذ صارت مثالَ النجاح في التعاون الدولي، لأسباب عدة أقرب إلى سلوك الفاعلين في السوق منها إلى ذات النظام، فإنها لا تحمل الحل المناسب للأزمة الملمّة بتدبّر أمر الطلب المتزايد. المشكلة عويصة وملحة ولا بدّ من إيجاد حل. إن من المهم بمكان، في اعتقادي، أن يكون الحلّ متعدد الأطراف لا فعل مجموعة أو مجموعات من الدول الأكثر تضررا من هذا الوضع. وإنما في معاهدة التعاون بشأن البراءات أساسٌ لابتناء حل المستقبل أفضل من أي أساس آخر تتداوله الألسن والمخيلات.

        وفي عصر العمل الإبداعي – صنيعة ثقافتنا – تشتد التحديات حدة؛ والنموذج المتخذ في القرن العشرين بردّ قيمة العمل إلى عامله من مبدعين أو فناني أداء وشركائهم في العمل، وتوزيع ذلك العمل في دعامات مادية، هذا النموذج مهدد بأفدح المخاطر من جراء انصباب أوجه التعبير في التكنولوجيا الرقمية وقدرة الإنترنت الهائلة على التعميم الموسّع. وقد يقع هذا التطور موقع الضرر على العالم النامي، حيث يفتقر المبدعون وفنانو الأداء إلى ما يغتني به أندادهم في العالم المتقدم من منافذ إلى الشبكة العالمية وموجاتٍ أثيرية ونماذج بديلة للحصول على مكافآت مالية. فالعالم بأسره يعلّق أهمية جوهرية على ما يحفز الإبداع لفائدة التربية والتعليم وإثراء حياتنا بالأدب والموسيقى والأفلام وغيرها من ثمرات الإبداع. وهنا، كما في حال نظام البراءات المختنق، سنجد الحل. وربما تجد السوق نفسها الحل في أنظمة القانون الخاص وفي تطبيق حلول تكنولوجية على الصعيد الخاص. وربما تكون تلك الحلول مناسبة. ولكنْ، سيكون من المؤسف أن ننتقل من نظام عريق لقرون عدة من الحقوق المبتكرة والمرصودة من العوام إلى أنظمة القانون الخاص، لا لشيء سوى العجز عن الاختيار المدرِك. وليست المسألة هينة الحلّ. ففي كل بلد، كلُّ الناس مستهلك وليس كلُّها مبدعا أو فنانا، ولذا يستعصي النقاش في بعده السياسي. ولذا يسوّغ هذا الشأن السياسي المحلي وذاك الطابع العالمي الذي يطبع اقتسام الملفات على الإنترنت احتضان النقاش في الميدان الدولي بدلا من الساحة الوطنية. وقد أنشئت الويبو اتفاقية برن، وهي أحد ركني الويبو، في القرن التاسع عشر ردّا على قلق المؤلفين من وقع سير مصنفاتهم في قنوات دولية. إذن أعتقد أن الويبو تبقى المنتدى المناسب لمناقشة المسألة ذاتها ولكن في عباءة تكنولوجية مختلفة، في القرن الحادي والعشرين.

        ويثير تفشي التحميل غير القانوني للموسيقى والأفلام من الإنترنت، بوجه عام، قضية احترام الملكية الفكرية. وقد حدثت تطورات خطيرة جدا في تقليد الدعامات المادية أيضا. إذ لم يعد أثره يطال السلع الكمالية فحسب بل امتد لينال أيضا من قطاعات عديدة من قطاعات الاقتصاد، موجسا الخيفات على صحة المستهلك وسلامته. لقد أصبحت هذه الجريمة المنظمة فاعلا رئيسيا. إذ تشير بعض الإحصاءات إلى أن السلع المقلدّة تفوق قيمتها 200 ألف مليار دولار في السنة الواحدة. وما برحت المحادثات متعددة الجهات تدور على قدم وساق لمعالجة هذا الوباء. ومع ذلك، لا تزال المخاطر تهدد صحة المستهلك وسلامته في العالم قاطبةً، وانتهاكات القانون تمارس في كل حدب وصوب. ولذا، من الضروري التفكير في الدور المناسب الذي ينبغي للويبو أن تضطلع به في هذا المجال، وهي المنظمة الدولية المسؤولة عن شأن الملكية الفكرية. فهل ينبغي أن ينحصر دورها في إذكاء الوعي وتدريب موظفي الجمارك والشرطة والأجهزة القضائية؟ أم ينبغي أن يكون التزامها أصلب من ذلك، وإن كان كذلك، فهل تعمل وحدها أو بالتعاون مع غيرها من الوكالات الدولية المعنية.

        لقد ذكرتُ حتى الآن عواملَ المحيط الخارجي التي قد تعيق عمل نظام الملكية الفكرية كما يستقيم اليوم. ولكنّ الأفدح منها التطورات التي تستنشد نظام الملكية الفكرية أن يوسع آفاقه ويواكب برسالته الضمير الجماعي، ضمير المجتمع الدولي.

        فالمهم والأهم هو إيجاد السبيل الكفيل بأن يجعل الملكية الفكرية تساهم في تضييق الهوة المعرفية وتعزيز مشاركة البلدان النامية والأقل نموا في الفوائد التي يدرّها النشاط الابتكاري والاقتصاد المعرفي. وهذه الفوارق لا تخفى على أحد منّا بل تبرز في أحلك حللها عندما نرى كيف أن بعض المؤسسات تُنفق الواحدةُ منها كلّ سنة على استنباط المعرفة الجديدة ما يفوق ما تقتنيه أغلب البلدان جنوبِ الصحراء مجتمعةً لتنفقه على احتياجات بلدانها برمتها في كل المجالات الحكومية، من تعليمٍ ونظام صحي وبنى تحتية وما إليها. وبالإجمال، ينفق العالم ألف مليار دولار كل سنة في أنشطة البحث والتطوير. وليست الملكية الفكرية وحدها التي ستأتي بالحل لتسوية التفاوتات في التنمية، على أن التوافق المحقق مؤخرا في هذه المنظمة حول جدول أعمال التنمية يتيح فرصة رائعة لتصبح المنظمة جزءا من الحل.

        ولكي يفي جدول أعمال التنمية بما يَعد به، من الأساسي في اعتقادي أن نترجم التوافق السياسي إلى مشروعات ملموسة وفعّالة. والفرصة سانحةٌ للمنظمة كي تبني بنى تحتية معرفيةً تشمل قواعد بيانات تحتوي على معلومات تكنولوجية وعلمية تتاح للجمهور بالمجان، وتعمل بمعايير مشتركة لتبادل البيانات. ومن شأن هذه البنية التحتية أن تسهم بطريقة عملية في مشاطرة الفوائد الاجتماعية التي تدرّها أنظمة الملكية الفكرية. وبفضل أتمتة مكاتب الملكية الفكرية والتدريب، يمكن تجهيز المكاتب ومؤسسات البحث والجامعات في العالم النامي بما يمكّنها من المشاركة في تلك البنى التحتية.

        ويتيح جدول أعمال التنمية فرصة سانحة للويبو أيضا كي تراجع فعاليتها في تأدية خدماتها في مجال تكوين الكفاءات. وإنني أعتقد أن اعتماد البلدان استراتيجيات وطنية بشأن الملكية الفكرية والنشاط الابتكاري، استراتيجيات بإمكان الويبو أن تساعد على رسمها عند الطلب، إنما يمهّد خير السبل نحو تكييف أنشطة المنظمة في مجال تكوين الكفاءات وفق ما يناسب أساس الموارد المالية والأهداف والأولويات الاقتصادية في البلدان المعنية.

        ويتيح جدول أعمال التنمية وأنشطة الويبو في مجال تكوين الكفاءات فرصة سانحة أيضا للوقوف على الاحتياجات الخاصة بالبلدان الأقل نموا. وأقترح ههنا أن تضاف إلى مبادرة سلفي لبنةٌ بإنشاء شعبة للبلدان الأقل نموا وتعزيز الموارد البشرية والمالية في هذه الشعبة.

        ولجدول أعمال التنمية بُعد آخر ما بَعد تكوين الكفاءات والبنى التحتية. ويستدعي هذا البعد التحليل والتفكير المتواصل في أفضل السبل لإعمال الملكية الفكرية على نحو يخدم مصلحة جميع البلدان، مهما كان مستوى تنميتها. وهذا البحث ليس باليسير. والمضيُ فيه يتطلب من الأمانة تجهيزا محسّنا بالموارد من أجل إجراء البحوث وإعداد الإحصاءات فتُرسي للدول الأعضاء أساساً استقرائيا سليما للتفكير. وإنني عازم على إنشاء شعبة لهذا الغرض، وستكون مهمة هذه الشعبة إعدادَ دراسات تستقرئ الأثر لدعم مسارات الدول الأعضاء، واستشراف التطورات التي تؤثر في عالم الملكية الفكرية، وتجهيز الإدارة بالوسائل الكفيلة باستشفاف التطورات الاستراتيجية المقبلة التي قد يقع وقعها على المنظمة.

        إن حماية المعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي وسيلة أخرى أمكن تحديدها لتوسيع نطاق الملكية الفكرية فتتعزز استجابتها لاحتياجات العالم النامي. إن الظاهرة نفسها من عولمة الاقتصاد والتقدم في تكنولوجيا الاتصالات قد أفصحت عن عرضة الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية التقليدية للخسارة والتملك غير المشروع لنتاج أنظمتها المعرفية التقليدية. وفي معرض الوقوف على مواطن الضعف هذه، برزت الحاجة إلى إقرار صريح بما يقدّمه ذلك النتاج الإبداعي والابتكاري الجماعي والمحفوظ من إسهام في المجتمع البشري. لقد سلكت المنظمة مسارا طويلا من المحادثات والمفاوضات حول الوسائل الكفيلة بتلبية تلك الحاجة. وأنا أعتقد أن الوقت قد حان للانتقال بهذا المسار إلى نتائج ملموسة فتتسع قاعدة الويبو من أصحاب المصالح وتَسمو رسالتها العالمية.

        ليست الويبو وحدَها في مواجهة التحديات ذات الطابع الجوهري. فقد أسفر اعتماد مجتمعنا على التكنولوجيا "الكاربونية" وتزايد التواصل التكنولوجي والترابط الاقتصادي عن حلقات من المشكلات تشغل شغل المجتمع الدولي بسبب ما تحمله من خطر ووقع هدّام. وقد أمكن تحديد هذه التحديات في "أهداف الألفية التنموية"، كم أمكن تحديد تحديات أخرى من خلال ما أعربت عنه جماعياً الحكومات وأوساط المعلِّقين والإعلام والمجتمع المدني. ومن هذه التحديات التغيرُ المناخي والتصحر والأمن الغذائي والحفاظ على التنوع البيولوجي. ويعلِّمنا التاريخ أن المجتمع البشري اعتاد على أن يتحوّل إلى التكنولوجيا وتطبيق العلوم لحلّ المشكلات العملية، معتبراً ذاك النهج الوسيلة الرئيسية للوقوف على الأخطار المحدقة بالمجتمع والصعوبات الملمة به. ويستخلص من ذلك أن السياسات المرسومة لحفز الإبداع وتعميم التكنولوجيا لها فائدة مباشرة في استكشاف السبل التي تمكّن المجتمع العالمي من الاستجابة لتلك المشكلات. وتستدعي الإفادة من تلك الفائدة أن تعزِز هذه المنظمة التزامها بالحوار والبحث عن الحلول في إطار المجتمع الدولي. وأقترح ههنا إنشاء شعبة داخل الأمانة تجسد هذا الالتزام وتتبناه في مهامها، مركِّزة على ما تستطيع الملكية الفكرية والويبو تقديمه من إسهام محدد في إطار العمل الجماعي من أجل رفع تلك التحديات. وأعقد الأمل على أن تزوِّد هذه الشعبةُ المنظمة بما يمكِّنها من توطيد التعاون مع سائر هيئات الأمم المتحدة واغتنام الفرصة لتعزيز التفاعل بين المنظمة والدول الأعضاء فيها وتبيين جلاءَ الفائدة التي تحملها الملكية الفكرية في هذا الصدد.

        وإذا ما أردنا لهذه المنظمة أن ترفع التحديات التي استعرضتُها في ما سبق، فلا بد من أن تكون المنظمة قادرة فاعلة. ولكنّ المنظمة ليست الأمانة فحسب، بل هي الدول الأعضاء أيضا، ناهيك عن جُموع المنتفعين بخدماتها الناشطين والمتزايدين عددا وسائر أصحاب المصالح من غير الحكومات. إن ما يضمن حسن سير هذه المنظمة التواصلُ المبني على الثقة بين مختلف الفاعلين. وسيولى الأولوية من البداية، وسأسعى جاهدا لإيجاد السبل الكفيلة بتحسين التواصل مع جميع المعنيين وتكثيف الحوار بينهم.

        وفي شأن الأمانة نفسها، فقد أوضحت الدول الأعضاء في السنوات الأخيرة رغبتها في تحسين عمل الأمانة وأدائها. وقد عقدتُ العزم على أن أباشر مسارا دقيقا مؤداه تقويمٌ استراتيجي في السنوات الآتية. وستكون محطات ذلك المسار إرساءَ ثقافة مؤسسية في الأمانة وضمان الفعالية في أعمالها وضبط برامجنا والبنية الهيكلية والموارد وفق ما يتفق وأهداف المنظمة الاستراتيجية. وسنسير في هذا المسار بالقياس والانتظام والحرفية وبتواصل كامل وشفّاف داخل الأمانة وبينها وبين الدول الأعضاء. وسيطول هذا المسار لسنوات قبل أن ينتهي. وحتى عند انتهائه، فقد يتضح أن سرعة التحولات في الظروف الخارجية التي تواجهها المنظمة ستقتضي استمرار هذا المسار أبداً. وإذ ألتفت إلى زملائي في الأمانة، أقول وأشدد على أن المسار سيكون وسيستلزم مجهودا جماعيا، وإني أتطلع للعمل معهم جميعا وأعتمد على دعمهم.

        وفي شأن الدول الأعضاء، فقد سعيتُ إلى تبيان التحديات الرئيسية الواقفة، في نظري، أمام المنظمة. وقد طرحتُ من المسائل ما يفوق الحلول عددا؛ وهذا، في رأيي، ما يجب أن يفعله الرئيس التنفيذي لمنظمة تقودها الدول الأعضاء. إن تلك المسائل لَفيها تحدٍّ لفاعلية تعددية الأطراف في الإتيان بإجابات لا تحتمل التأخير. وفي هذا الصدد، من المجدي والمفيد التذكير بتسارع التحولات التكنولوجية. فقد أمضت البشرية خمسة مليون عام منذ أن استقام الإنسان على قدميه محرِّرا يديه من الدَبّ لينطلق فيستحدث أولى الأدوات الحجرية، ثم استغرق 1.8 مليون سنة ليتمكن من النار، و700 ألف سنة لينطلق في الثورة الزراعية، وما لا يزيد على 12 ألف سنة ليثور ثورته الصناعية، ومجرد 140 سنة ليلِج ثورة المعلومات. إن المسائل التي تواجه الملكية الفكرية هي مسائل تَخلُف بين الأجيال. ومن المؤسف أن نراها تتنازعها المناظرات والاعتبارات الضيقة للسياسات المحلية. إذاً، إن التحدي القائم أمام المجتمع متعدد الأطراف هو أن تلك المسائل التي تَخلُف بين الأجيال تتكاثر أكثر فأكثر لأن وتيرة التقدم التكنولوجي تختصر الزمن الذي يفصل جيلا عن جيل. إن الاستجابة لتلك المسائل سيقتضي منا اتحاد براعة الإبداع مع وتنوع الحيل.

أشكركم جميعا لحسن إصغائكم وأتطلع للعمل معكم في السنوات المقبلة.